نهج البلاغه 1 - صفحه 34

و كنت قد بوبت ما خرج من ذلك أبوابا و فصلته فصولا فجاء في آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه ع من الكلام القصير في المواعظ و الحكم و الأمثال و الآداب‏ دون الخطب الطويلة و الكتب المبسوطة فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره‏ معجبين ببدائعه و متعجبين من نواصعه‏۱ و سألوني عند ذلك أن أبتدئ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا1أمير المؤمنين ع‏في جميع فنونه و متشعبات غصونه من خطب و كتب و مواعظ و أدب‏ علما أن ذلك يتضمن من عجائب البلاغة و غرائب الفصاحة و جواهر العربية و ثواقب‏۲ الكلم الدينية و الدنيوية ما لا يوجد مجتمعا في كلام و لا مجموع الأطراف في كتاب‏ إذ كان‏1أمير المؤمنين ع‏ مشرع الفصاحة و موردها۳ و منشأ البلاغة و مولدها و منه ع ظهر مكنونها و عنه أخذت قوانينها و على أمثلته حذا كل قائل خطيب‏۴ و بكلامه استعان كل واعظ بليغ‏ و مع ذلك فقد سبق و قصروا و تقدم و تأخروا لأن كلامه ع الكلام الذي عليه مسحة۵ من العلم الإلهي و فيه عبقة۶ من الكلام النبوي‏ فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع و منشور الذكر و مذخور الأجر و اعتمدت به‏۷ أن أبين عن عظيم قدر1أمير المؤمنين ع‏في هذه الفضيلة مضافة إلى المحاسن الدثرة۸
و الفضائل الجمة و أنه ع انفرد ببلوغ غايتها عن جميع السلف الأولين الذين إنما يؤثر۹ عنهم منها القليل النادر و الشاذ الشارد۱۰ فأما كلامه فهو البحر الذي لا يساجل‏۱۱
و الجم الذي لا يحافل ۱۲

1.البدائع جمع بديعة و هي الفعل على غير مثال،ثمّ صار يستعمل في الفعل الحسن و إن سبق إليه مبالغة في حسنه، و النواصع جمع ناصعة،و النواصع:الخالصة،و ناصع كل شي‏ء خالصه.

2.الثواقب:المضيئة،و منه الشهاب الثاقب.و من الكلم ما يضي‏ء لسامعها طريق الوصول إلى ما دلت عليه فيهتدي بها إليه.

3.المشرع:تذكير المشرعة،و هو المورد.

4.حذا كل قائل:اقتفى و اتبع.

5.عليه مسحة:أثر أو علامة.و كأنّه يريد«بهاء منه و ضياء»

6.العبقة:الرائحة اللاصقة بالشي‏ء و المنتشرة عنه.

7.اعتمدت:قصدت.

8.الدثرة بفتح فكسر:الكثيرة،و كذلك الجمة.

9.يؤثر:أي ينقل عنهم و يحكي.

10.الشاذ الشارد:المنفرد الذي ليس له أمثال.

11.لا يساجل:لا يغالب في الامتلاء و كثرة الماء.

12.لا يحافل:لا يغالب في الكثرة،من قولهم:ضرع حافل:ممتلئ كثير اللبن.و المراد أن كلامه لا يقابل فكلام غيره لكثرة فضائله .

صفحه از 853