شرح حديث «خلق اللّه‏ الأشياء بالمشيّة» - صفحه 208

وَاحِدَةٍ» 1 ، وقال تعالى : «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ» 2 ، وقال : «وَمَا أَمْرُنَا إِلَا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ» 3 .
فمن هاهنا ذهبت طائفة من متألِّهي الحكماء إلى أنّ لجميع أجرام العالم نفسا واحدة ، فيكون العالم كلّه حيوانا واحدا مركّبا من نفس واحدة ذات قوى كثيرة ، 4 ومن بدن واحد مؤلّف من أعضاء متشابهة ، وقوى وأفعال مختلفة ، يستبقي بعضها ببعض ، وينتفع بعضها عن بعض انتفاعا ، بعضه محسوس وبعضه معقول .
وبهذا الارتباط المشاهد على النظم الطبيعي وانتظام الكلّ في رباط واحد حقيقي ، استدلّوا على أنّ مبدع الموجودات وصانعها ومدبّرها وممسك رباطها عن أن ينفصم واحدٌ مقتدر يقيمها بقوّته التي يمسك بها السماوات والأرض أن تزولا ، واستبصر وأبان لو كان فيهما صانعان لتميّز صنع كلّ منهما عن صاحبه ، كما قال تعالى : «مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللّهِ عَمَّا يَصِفُونَ» 5 .
وقال الصادق عليه السلام : «فلمّا رأينا الخلق منتظما ، والفلك جاريا ، والتدبير واحدا ، والليل والنهار والشمس والقمر ، دلَّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبِّر واحد » 6 انتهى .
فلمّا أراد الإمام الهُمام عليه السلام هداية مَن سبقت له العناية إلى هذا المرام ، قال عليه السلام : «خلق اللّه الأشياء بالمشيّة» فعبَّر عن ذلك الأمر الواحد النافذ الساري في الكلّ والرباط الذي انتظم فيه الجلّ والقلّ هاهنا بالمشيّة ، وفي موضع آخر عبَّر عنه بالأمر ؛ قال عليه السلام : «كلّ

1.لقمان (۳۱) : ۲۸ .

2.الروم (۳۰) : ۲۵ .

3.القمر (۵۴) : ۵۰ .

4.حكاه صدرالمتألهين في المبدأ والمعاد ، ص ۱۶۳ ، عن طائفةٍ من متألّهي الحكمة و محققي الصوفيّة ، ونقل أقوالهم ، فلاحظ.

5.المؤمنون (۲۳) : ۹۱ .

6.رواه الكليني في الكافي ، ج ۱ ، ص ۸۰ ، باب حدوث العالم ، ح ۵ ؛ والصدوق في التوحيد ، ص ۲۴۳ ، الباب ۳۶ ، ح ۱ ؛ و بحارالأنوار ، ج ۳ ، ص ۲۳۰ ، ح ۲۲.

صفحه از 214