نهج البلاغه 1 - صفحه 30

من الفكر النيّر و المنطق السليم:فلا مكان في هذه التشريعات و العقائد للثرثرة الفارغة و الجدل العقيم!
إن على علماء المسلمين اليوم-من أي مذهب كانوا-أن يستذكروا الكلمات الحلوة العذاب،التي توحّد الصف،و تلمّ الشعث،و ترأب الصدع،حتى نعتصم جميعا بحبل اللّه غير متفرّقين.
و أود أن يعلم إخواننا من شيعة عليّ عليه السلام أن مكانة الإمام من ابن عمّه الرسول الكريم لا يجهلها مسلم،و أن الأحاديث النبويّة التي تصف منزلته الخصيصة لا يحصيها المحصون، و لكن الناس أعداء ما جهلوا كما قال عليّ كرّم اللّه وجهه.
إنّ ممّا أفضى به الإمام إلى عشيرته قوله:«أما وصيتي:فاللّه لا تشركوا به شيئا،و محمّدا فلا تضيّعوا سنّته.أقيموا هذين العمودين،و أوقدوا هذين المصباحين».
و لما حاول القوم إطفاء نور اللّه من مصباحه،و سدّ فوّاره من ينبوعه،و جدحوا بين عليّ و بينهم شربا وبيئا،و أقبل الظالم منهم مزبدا كالتيّار لا يبالي ما غرّق،أو كوقع النار في الهشيم لا يحفل ما حرّق،و لما رأى أول القوم قائدا لآخرهم،و آخرهم مقتديا بأولهم، يتنافسون في دنيا دنيّة،و يتكالبون على جيفة نتنة،نبّه الأتباع و المتبوعين و هتف بهم:
«عما قليل ليستبرّ أنّ التابع من المتبوع،و القائد من المقود،فيتزايلون بالبغضاء،و يتلاعنون عند اللقاء»بينما هتف بأصحابه يدعوهم إلى وحدة الكلمة:«الزموا ما عقد عليه حبل الجماعة،و بنيت عليه أركان الطاعة،و اقدموا على اللّه مظلومين،و لا تقدموا عليه ظالمين».
بل أنشأ الإمام عليه السلام يصنّف الناس في موقفهم منه أصنافا،تهدئة للمشاعر الثائرة، و كبحا لجماح النفوس:إنّه هو الذي قال:«إن الناس من هذا الأمر إذا حرّك على أمور:
فرقة ترى ما ترون،و فرقة ترى ما لا ترون،و فرقة لا ترى هذا و لا ذاك،فاصبروا حتّى يهدأ الناس،و تقع القلوب مواقعها».
و حتّى يوم صفّين لم يكن يشغل باله و يقلق خاطره إلاّ تفرّق الأمة و ضياع الدين،ففي خطابه لأصحابه يومذاك قال:«ألا و إنّه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شي‏ء حافظتم عليه من أمر دنياكم».

صفحه از 853