نهج البلاغه 1 - صفحه 11

يعودون إليه.و ليوصينّ ابنه محمّد بن الحنفية يوم الجمل بما يجعله بطلا مرهوبا في ساحات القتال:«تزول الجبال و لا تزول،عضّ على ناجذك،أعر اللّه جمجمتك،تد في الأرض قدمك.ارم ببصرك أقصى القوم،و غضّ بصرك،و اعلم أن النصر من عند اللّه سبحانه».
و بأمر الحرب تتصل السياسة،فإن بينهما لعلاقة وثقى ،و من الظلم لشخصيّة عليّ أن نتصوّره غير متتبّع تيارات السياسة في عصره،فقد كان ثاقب الفكر،راجح العقل،بصيرا بمرامي الأمور،و قد أثرت عنه مواقف و أقوال و تصرفات تقوم دليلا على سياسته الحكيمة، و قيادته الرشيدة،لكنّ مثله العليا تحكّمت في حياته،فحالت دون تقبّله للواقع و رضاه بأنصاف الحلول،بينما تجسّدت تلك الواقعية في خلفه معاوية،و كانت قبل متجسّدة على سموّ و نبل في الخليفة العظيم عمر بن الخطّاب.
و من يرجع إلى«نهج البلاغة»يجد فيه عشرات الخطب-مثلما تصلح«نماذج»للشكوى و التقريع و النقد-تعطي صورة واضحة عن نظراته الثاقبة و آرائه البعيدة في مبادئ السياسة، و أساليب حكم الرعية،و إدارة شئونها،و الحرص على دفع الفتن عنها،حتى تعيش في بحبوحة العز و الرخاء.
و لكي تتدبّر هذا الأمر،ما عليك إلاّ أن تقرأ خطبة لدى بيعته و إعلانه منهاجه في الحكم، أو تستعيد مواقفه من السيّدة عائشة أم المؤمنين،و وساطاته بين عثمان و الثائرين عليه،و صبره الجميل في معالجة أمر معاوية و أهل الشام،و طول أناته في تفهم آراء شيعته،و مناظرته الخوارج قبل أن يخوض معهم ساحة القتال.
استمع إليه عليه السلام يضبط نفسه عن الانفعال،و يدحض الباطل بحجاج منطقي، و أسلوب يفحم المكابر،حين يقول للخوارج:«فلما أبيتم إلاّ الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن،و أن يميتا ما أمات القرآن،فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن،و إن أبيا فنحن من حكمهما براء»،أو يقول لرجل وفد عليه من قبل أهل البصرة:«أ رأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث، فرجعت إليهم و أخبرتهم عن الكلإ و الماء.فخالفوا إلى المعاطش و المجادب ما كنت صانعا؟ قال:كنت تاركهم و مخالفهم إلى الكلإ و الماء.فقال له الإمام:«فامدد إذا يدك»،و إذا، الرجل يقول:«فو اللّه ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجّة عليّ،فبايعته».

صفحه از 853