* الأوّل : إنّ حفظ النفس ليس بواجب مطلقا .
وذلك لما ذكرنا سابقا من أنّ هذا الواجب يسقط إذا زاحمه واجبٌ آخر أهمُّ متوقّفٌ على التضحية بالنفس ، مثل حفظ الدين والإسلام ، فلا بدّ من تقديم الأهمّ ، ويسقط غيره ، فيجب التضحية بالنفس .
وقد احتمل المجلسي أن يكون عدم وجوب حفظ النفس خاصّا بالأئمّة عليهم السلام عند اختيارهم الموت . وهذا الجواب مبنيّ على فرض ثبوت إمامته ، وثبوت الاختيار له في انتخاب الموت ، ومن الواضح أنّه مع هذا الفرض ، لا يصحّ الاعتراض ، كما أسلفناه في الأمر الثالث ممّا قدّمناه في صدر البحث ، إذ أنّ فعل الإمام ـ حينئذٍ ـ حجّةٌ في نفسه ، ودليلٌ على جواز إقدامه ، من دون احتمال كونه إلقاءً محرّما إلى التهلكة المنهيّ عنه .
* الثاني : إنّ حكم العقل بوجوب حفظ النفس غير مسموعٍ ولا متّبعٌ .
إذ مع إقدام الإمام على فعلٍ ، وحسب المصلحة والهدف الصالح الأهمّ الّذي ارتآه ، فلا أثر لحكم العقل واستهجانه ؛ لأنّه إنّما يدرك المنافع العاجلة الظاهرية ، لكنّ المتشرّع إنّما يصبو إلى النعيم الأُخروي والأهداف السامية ، غير المرئيّة للعقل ، ولا المطلوبة له .
* الثالث : عدم تسليم وجود حكم للعقل بوجوب حفظ النفس في مثل هذا المقام :
لأنّ العقل إنّما يدرك الكلّيات ، دون الأُمور الخاصّة ، فلو فرضنا أنّ إلقاء النفس إلى التهلكة كان أمرا قبيحا عند العقل ، فهو بمعناه الكلّي أمرٌ يدركه العقل العملي ، وبصورته المجرّدة عن أيّة ملاحظة أو غرض يُتدارك به ذلك القبح . فلو ترتّبت على الإلقاء مصلحةٌ أوجبت حسنه ، لم يكن للعقل أن يعارض ذلك ، بل لا بدّ له أن يوازن بين ما يراه من القبح وما فيه من الحسن .
وبعبارةٍ أُخرى ليس ما يدركه العقل هُنا وفي صورة المعارضة للأغراض ، واجب الإطاعة والاتّباع ، وإنّما المتّبع هو الراجح من مصلحة الغرض أو مفسدة ما يراه العقل ، كالعكس فيما يدرك العقل حسنه ولكنّ الأغراض تبعده والشهوات تأباه !
والحاصل : إنّ درك العقل للحسن والقبح الذاتيّين وإن كان مسلّما ، إلّا أنّ اتّباعه ليس واجبا ، والعمل عليه ليس متعيّنا إذا أحرز الإنسان مصلحته في مخالفته ، بعادةٍ أو عرفٍ أو شرعٍ .
وإذا علمنا بأنّ الأئمّة عليهم السلام إنّما أقدموا على القتل وتحمّل المصائب لأغراضٍ لهم ـ وهي الوجوه الّتي عرضنا بعضها وسنعرض بعضها الآخر ـ فلا أثر لحكم العقل في موردهم بقبح الفعل ، ولا بوجوب حفظ النفس ، بل قد يحكم بوجوب الإلقاء ، وحرمة المحافظة على النفس ، نظرا للأخطار العامّة والكبرى المترتّبة على حفظ النفس ، ولفوات الآثار المهمّة بذلك .
وهذان الأمران ـ الثاني والثالث ـ إنّما طرحهما الشيخ المجلسي على أثر الإفراط في الاستناد إلى العقل وحكمه ، إلى حدّ الاعتراض به على مسلّمات دينيّة وشرعيّة وتاريخيّة ، اعتمادا على فرضيات واحتمالات نظريّة بحتة ، لم يؤخذ فيها في النظر مسائل التوقيفات الشرعيّة ولا الآثار الواردة .
وهذا نظير ما اعتاد أن يلهج به صغار الطلبة من استخدام كلمة العقل ونقده ، والفكر وصياغته وتجديده ، والفلسفة والتبجّح بها ، على حساب الدين والشرع والتاريخ ، والعقيدة ومسلّماتها وأُصولها ، والغريب أنّ ذلك يتمّ باسم الدين ، وعلى يد من يتزيّى بزيّ أهل العلم والدين !
وقد ذكر الشيخ المجلسي في بحار الأنوار أجوبة الشيخ المفيد والعلّامة الحلّي بنصّها أيضا ۱ .
1.. بحار الأنوار : ج ۴۲ ص ۲۵۹ .