الثالث عشر :
إنّ العبد إذا علم من نفسه أنّ البلاء ليس من جهة البعد من اللّه ، بل إنّه من جهة قربه إليه تعالى وحبّه له ، بظهور كمال صبره ولياقته للمثوبات وعلوّ الدرجات ، وعلم بما ذكرنا من الجهات ؛ يستبشر بتلك البليّات ، ويشكر اللّه عليها ويستأنس بها .
ألم تسمع عن شهداءالطفّ ، كيف كانوا يأنسون لوقع السيوف وإصابة السهام ؟ فكان عابس بن شبيبٍ قد نزع ثيابه وحمل عاريا ، وكان سيّدهم الحسين عليه السلام كلّما اشتدّ عليه البلاء تهلّل وجهه وزاد نوره وقوي قلبه .
والعبّاس عليه السلام دخل الشريعة ۱ وملأ القربة ، ولم يذق الماء طلبا للقربة ، فليس ذلك نقصا في كماله ، بل لو شرب لكان منافيا لجلاله .
ولهذا كانت تحف اللّه تعالى لعباده المقرّبين هي البلاء المبين ، وكان البلاء للولاء ، وإنّ من يحبّ اللّه تعالى ينتظر بلاءه ، وكلّما كان العبد أقرب إلى اللّه وأحبّ كان بلاؤه أعظم .
ولذا قال سيّد الأنبياء صلى الله عليه و آله وسلم :
ما أُوذي نبيٌّ مثل ما أُوذيتُ .
وأذيّة عترته عين أذيّته ، فقد علم بها وكان يراها رأي العين ، ويتحمّلها قبل وجودها ، ولذا كان يبكي حين تذكّرها .
1.. الشريعة : مورد الشاربة من النهر ونحوه .