علم الأئمّة (ع) بالغيب و الاعتراض عليه بالإلقاء للنفس إلي التهلکة.. - صفحه 113

الحادي عشر :

إنّ الضغطات العارضة على النفس ، والاصطكاك الوارد على الروح ، والصدمات الواقعة على الجسم ، نظير الزناد القادح ، فكما أنّه لا تخرج النار من الحجر إلّا بشدّة ضرب الزناد ، كذلك التنوُّرات القلبيّة والأشعّة الروحيّة لا تعقل فعليّتها إلّا بتلك الآلام والمصائب .
أما سمعت قول سيّد الأنبياء صلى الله عليه و آله وسلم لسيّد الشهداء عليه السلام :
إنّ لك درجةً لن تنالها إلّا بالشهادة .
فتلك الدرجة هي القوّة النوريّة المكنونة في ذاته المقدّسة ، وفعليّتها كانت متوقّفةً على الشهادة .

الثاني عشر :

إنّ تميُّز الخبيث من الطيّب ، وبُلُوغ كلّ ممكنٍ إلى غايته ، الّتي هي ذاتيّ المُمكنات المستنيرة من ساحة نور الأنوار ، متوقّفٌ على هذه البليّات ، فلولا صبر النبيّ وعترته الطاهرة صلوات اللّه عليه وعليهم ؛ لما كان يصدر من الأعداء والمنافقين تلك القبائح والمظالم .
فإن قلت : وما الفائدة في فعليّة أولئك الظالمين ، ذاتا ، وأفعالاً ، وظهور أحوالهم الخبيثة ؟
قلت :
منها : تحرّز العباد من تلك الأخلاق والأفعال ، فإنّه لمّا يلعنهم اللاعنون ، ويتبرّأ منهم العاقلون ، يكون ذلك تحذيرا وتخويفا لمن سواهم ، وموعظةً بليغةً لمن عداهم .
ومنها : كمال معرفة مقام الأولياء ، فإنّه « تُعرف الأشياء بأضدادها » .
ومنها : تعذيبهم بأشدّ العذاب ، ويكون الإخبار بذلك مانعا للمؤمنين عن المعاصي في الدنيا ، وسرورا لهم في الآخرة .
ومنها : ظهور الحجّة وبلوغها ، وإثبات العذر للنبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام في قتل الكفّار والمنافقين .
فإنّه لولا تحمّل الحسين عليه السلام وأصحابه في عرصة كربلاء وأسر عياله وسيرهم إلى الشام ، لم يكن لأحدٍ العلم بأحوال رجال ذلك العصر . فلربّما يستشكل أحدٌ ويعترض ، في تلك الحروب والقتال الواقع من النبيّ والوصيّ صلّى اللّه عليهما وآلهما !
فإنّهما عليهماالسلام كانا مدافعين في جميع الوقائع لا مهاجمين ، حتّى خروجه صلى الله عليه و آله وسلم إلى عيرأبي سفيان ، فإنّه كان للد فاع عن المؤمنين المبتلين في مكّة ، فوقعت حرب بدرٍ ، بمجيء كفّار قريشٍ وهجومهم على المسلمين .
ولهذا كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يبتدئ بالقتال في [حربي] الجمل وصفّين ، وكان ابتداء القتال من الأعداء ، ولهذا قال عليه السلام لعمرو بن عبد ودٍّ :
أوّلاً : « أسألك أن تشهد الشهادتين » ، فأبى ذلك .
وثانيا : « ارجع بقريشٍ إلى مكة ، وتنح عن القتال » ، فأبى .
وثالثا : « إن لم تقبل إلّا القتال ، فانزل عن فرسك وقاتل » .
وبالجملة : إنّما قتل النبيّ والوصيّ عليهماالسلام مثل أولئك المنافقين الذين كانوا في كربلاء ، وكلّهم كانوا يستحقّون القتل لنهاية خبثهم وظلمهم وفسادهم في الأرض ، وسوء أخلاقهم ، وقبح سرائرهم ، وعظم جرائمهم ، فكانوا لا يرجى منهم الخير أصلاً ، ولم يُعلم ذلك ولم ينكشف ، إلّا بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم في يوم كربلاء ، حيث كانت العترة الطاهرة يتحمّلون ، ويصبرون كي ينكشف ذلك تمام الانكشاف .
وإنّما لم يفعلوا ذلك في حياته صلى الله عليه و آله وسلم؛ لعدم مقتضيه ، ولتأييدٍ من اللّه والملائكة ، ومع ذلك ، فإنّ مظالمهم ـ للنبيّ صلى الله عليه و آله وسلموبني هاشم وسائر المسلمين في مكّة ـ قد بلغت الغاية !
ألم يحبسونهم ثلاث سنين في شعب أبي طالبٍ ، وقطعوا عنهم الميرة ، فبلغ الجوع والضيق بهم ما بلغ ؟ ! ولولا مهاجرة المسلمين إلى الحبشة والمدينة ، لقتلوهم أشدّ قتلةٍ ، سيّما بعد قتل النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم، إلّا إذا، كانوا يرتدّون إلى الكفر !

صفحه از 135