لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» 1 إلى آخر الآيات التي هي المتمّمات للاُولى . 2
وقد صرّح المفسِّرون جميعا بأنّ المصباح الذي هو مثل نوره وصفته هو النبيّ الاُمّي صلى الله عليه و آله فهو نور السماوات والأرض وهو الظاهر بنفسه المظهر لغيره .
بالجملة ، إرادة الربّ جلّ شأنه سابقة على الأشياء كلّها جواهرها وأعراضها ، وغيوبها وشهودها ، ونسبها وإضافاتها ، كما قال تعالى : «إِذَا أَرَادَ شَيْئا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» ، 3 فهي قبل الأشياء ، وربّما كانت قبل الأشياء بألف سنة ، وربّما كانت أكثر وأقلّ ، كما تريد أن تسافر في العام الآتي ، فتكون إرادتك قبل سفرك بسنة ، وربّما تريد أن تسافر في الشهر الآتي ، فتكون إرادتك قبل سفرك بشهر ، وربما تريد أن تسافر في الاُسبوع الآتي أو تسافر أمس أو تسافر بعد ساعة إلى أن تسافر في ساعتك ، فتكون إرادتك مقارنة لسفرك ، ولكنّها قبل سفرك كائنة ما كانت .
ولأجل ذلك تكون الصحّة في الأعمال الشرعيّة والعبادات هي قصد القربة إلى اللّه تعالى ، إنّما الأعمال بالنيّات ، فتذكّر بأنّ إرادتك أيضا من الأشياء المسبوقة بإرادة الربّ جلّ شأنه ، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه ، ولولا أن أراد جلّ شأنه هدايتنا فألزمنا حكمه وبلاءه في جميع ما صدر منّا بمقدار ما أراد جلّ شأنه من زيادة ولا نقصان ، لا رادّ لحكمه ولا مانع من قضائه ، له الخلق والأمر تبارك اللّه ربّ العالمين .
فخلْق الخلق أجمعين مسبوق بإرادته سبحانه ، سواء كان مجرّدا أو مادّيا ، أو روحانيا أو جسمانيا ، أو عقلاً أو عقلانيا ، أو نفسا أو نفسانيا ، أو طبعا أو طبعانيا ، أو مثالاً أو مثاليا ، أو حيوانا أو حيوانيا ، أو نباتا أو نباتيا ، أو جمادا أو جماديا ، أو سماءً أو سمائيا ، أو عنصرا أو عنصريا ، أو فعلاً أو انفعالاً ، أو بسيطا ، أو مركّبا ، أو جنسا أو
1.يس (۳۶) : ۸۲ .
2.النور (۲۴) : ۳۵.
3.انظر تفسير القمّي ، ج ۲ ، ص ۱۰۵ ؛ ومجمع البيان ، ج ۴ ، ص ۱۴۳ ، ذيل تفسير الآية ۳۵ من سورة النور.