قال عليه السلام : (وأشهد أنّك ثائر اللّه وابن ثائره) .
فاعلم أنّ الثائر هو الذي مرّ على كلّ شيء لطلب ثأره ، فلمّا لم يكن في السماوات والأرض مدرك لثأره وهو موتور ، صار بنفسه ثائرا لثأره ، وكذلك أبوه عليهماالسلام وهما ثائران ؛ لثائرهما من عند اللّه سبحانه ، فاشهد كما شهد عليه السلام بقوله : «وأشهد أنّك وتر اللّه الموتور في السماوات والأرض» ، فكانت هذه الشهادة لأجل الثائريّة لا لأجل الثأر ، فلا تكون العبارة مكرّرة ؛ فتأمّل .
قال عليه السلام : (وأشهد أنّك بلّغت ونصحت ووفيت ووافيت وجاهدت في سبيل اللّه ومضيت للذي كنت عليه شهيدا ومستشهدا وشاهدا ومشهودا).
إنّ اللّه تعالى بالغ أمره «قُلْ فَللّه الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ»۱ والمبلّغ من عنده سبحانه هو الحجّة القائم مقامه في الأداء ؛ إذ لاتدركه الأبصار ، ولا تمثّله الظنون في الأسرار ، ولا تحويه خواطر الأفكار ، لا إله إلّا هو العزيز الجبّار ؛ فالمبلّغ عنه سبحانه هو الخليفة بين ظهراني العباد في جميع القرون والأعصار .
ولايعقل كما لا ينقل غير ذلك ، ولا يمكن في جميع الأدوار والأكوار ، فبلّغ أوامره ونواهيه التي هي منافع الخلق ومضارّهم لأجل النجاة ، فهو الناصح المشفق المحبّ لنجاة الخلق من الهلكات ، وهو الذي أخذ اللّه تعالى العهد منه على ذلك عند الميثاق في عالم الذرّ الأوّل ، فوافى بذلك العهد ، ووافى كمال الوفاء ، وذلك الكمال هو الجهاد والمجاهدة في سبيل اللّه ، لا لأجل الغلبة الظاهريّة ، بل لأجل الفناء في اللّه الذي هو عين البقاء ، فإنّ «مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللّهِ بَاقٍ» ، ۲ فمضى للعهد الذي كان عليه شهيدا ومستشهدا وشاهدا ومشهودا ، وتلك الأخبار من أخبار بأنّه عليه السلام عهد في الميثاق وشهادته أي قتله ، ودعا إلى الشهادة والقتل أصحابه .
وكان عليه السلام شاهدا ومشاهدا لقتل أصحابه وشهادتهم ، وكان عليه السلام مشهودا واللّه سبحانه وملائكته ورسله وأنبياؤه وأولياؤه شاهدون على ذلك .