شرح دعاء النبي صلى‏ الله‏ عليه‏ و‏ آله بعد الصلاة - صفحه 268

فستر صلى الله عليه و آله ضميره الدالّ على نفسه ، وأظهر ضمير مخاطبه تعالى متّصلاً في محلّ ضميره من الفعل ، فأومى إلى مقام المحبّة الذي هو كشف للحجاب عن القلب ، والتمكين من وطئ بساط القرب ، والجذب إلى محلّ الاُنس ، والصرف إلى عالم القدس ، وعند ذلك يصير المحبوب ثابتا في مقام القرب قدمه ، ممتزجا بالمحبّة لحمه ودمه إلى أن يغيب عن نفسه ، ويذهب عن حسّه ، فتتلاشى الأغيار في نظره حتّى ذاته وسمعه وبصره ، فاستتار الدالّ دليل استتار المدلول .
وهذا الحديث ممّا تزلّ فيه أقدام الناقصين في العرفان ، فيحسبونه دالّاً على الاتّحاد غافلين عن مفاد كلّ من عليها فان ، ولكن من حاز الدرّ المكنون ، علم أنّه من قبيل قوله ـ جلّ جلاله ـ في حديث آخر : «يا عبدي ، أنا أقول للشيء : كُنْ فيكونُ ، أطعني تقُل للشيء : كُن فيكونَ» . ۱
وعلى مساق مقامه الوصلي وفناء الأغيار في نظره ، ووحدة من بقي في سرّه ـ وهو وجه ربّه الأعلى ـ آب إلى مفصّلات ذنوبه التي طلب غفرانها في مفتتح الدعاء ، ووحّدها وحدة علميّة على نسق الوحدة الذاتيّة ، ونظرها من حيث كونها معلومة لربّه ، وبه شمّت رائحة الوجود ، فقال :
(لِما تَعْلَمُ) أي لكلّ ذنب تعلمه منّي ؛ فإنّ النكرة في سياق الإثبات قد تفيد الاستغراق بمعونة المقام ، كقوله تعالى : «عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ»۲ أي كلَّ نفس كلَّ شيء قدّمته ؛ لقوله تعالى : «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابا يَلْقَاهُ مَنشُورا»۳ ، ونشر الكتاب كناية عن الإحاطة بكلّ ما فيه ، ولام الجرّ للتعدية كـ «اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ»۴ ، وربّما يكون فيه للعلّة وتخلفها «مِن» فيُقال : استغفر لذنبه ومن ذنبه .
ويجوز أن يكون «ما» موصولاً حرفيّا ؛ أي لعلمك بافتقاري وضعفي في ذاتي وقد

1.إرشاد القلوب ، ج ۱ ، ص ۷۵ ؛ عدّة الداعي ، ص ۲۹۱ ؛ الجواهر السنيّة ، ص ۳۶۳ ؛ بحارالأنوار ، ج ۹۰ ، ص ۳۷۶.

2.الانفطار (۸۲) : ۵ .

3.الإسراء (۱۷) : ۱۳ .

4.يوسف (۱۲) : ۲۹ .

صفحه از 280