الشيخ الطوسي و تراثه الحديثي - صفحه 123

حياة الشيخ الطوسي وسيرته ۱

شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي رحمه الله ۲ .
وطوس من مدن خراسان التي هي من أقدم بلاد فارس وأشهرها ، وكانت ـ طوس ولا تزال حتى اليوم ـ من مراكز العلم ومعاهد الثقافة ، لأنّ فيها قبر الإمام عليّ بن موسى الرضاعليه السّلام ، ثامن أئمة الشيعة الاثني عشرية ـ وهي لذلك مهوى أفئدتهم ، يقصدونها من الأماكن الشاسعة ، والبلدان النائية ، ويتقاطرون إليها من كلّ حدب وصوب للتبرّك بالعتبة المقدّسة ، وهي اليوم تعدّمن أجلّ
المعاهد العلمية للشيعة ، وفيها خزانة كتب ثمينة للإمام الرضاعليه السّلام يقصدها روّاد العلم وعشّاق الآثار ، ولها خدّام موظفون لخدمة الزائرين وتسهيل أمورهم ، ولهذه المكتبة فهرس كبير مطبوع في مجلدات بإيران .
ولد الشيخ الطوسيّ في (طوس) في شهر رمضان سنة 385هـ ، وهاجر إلى العراق فنزل بغداد سنة 408هـ . وهو في الثالثة والعشرين من عمره ، وكانت الزعامة للمذهب الجعفريّ يومذاك لشيخ الأمّة وعلم الشيعة محمّد بن محمّد بن النعمان الشيخ المفيدرحمه الله ۳ فلازمه وتتلمذ عليه ، كما أنّه أدرك شيخه الحسين بن عُبيدالله الغضائريّ المتوفّى سنة 411هـ ، وشارك النجاشي ۴ في جملة من مشايخه ،
وبقي على اتصاله بشيخه المفيد حتّى توفّي شيخه سنة 413هـ ، فانتقلت زعامة الدين ورئاسة المذهب إلى أعلم تلامذته علم الهدى السيّد المرتضى أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي أخي الشريف الرضيّ ، فانحاز الشيخ الطوسي إليه ولازمه وارتوى من منهله العذب ، وعُني به أستاذه السيد المرتضى ، وبالغ في توجيهه أكثر من سائر تلامذته ، لما شاهد فيه من اللياقة التامة ، وعيّن له في كلّ شهر اثني عشر ديناراً ، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة ، حتّى توفّي أستاذه السيد المرتضى لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436هـ . فاستقلّ الشيخ الطوسي بالزعامة الدينية وأصبح علماً من أعلام الشيعة وزعيماً لهم .
وكانت داره في كرخ بغداد مأوى الأمة ومقصد الوفّاد يأمّونها لحلّ مشاكلهم وإيضاح مسائلهم ، وقد قصده العلماء وأولو الفضل من كلّ حدب وصوب للتلمذة عليه والحضور تحت منبره والارتواء من منهله العذب الفيّاض حتّى بلغ عدد تلامذته ثلاثمائةً من مجتهدي الشيعة ، ومن أهل السنة ما لا يحصى كثرة ، وبلغ به الأمر من العظمة والشخصية العلمية الفذّة أنْ جعل له خليفة زمانه القائم بأمر الله عبدالله بن القادر بالله أحمد العباسي ، كرسيَّ الكلام والإِفادة ، وكان لهذا الكرسيّ يومذاك عظمة وقدر فوق ما يوصف إذ لم يسمح به إلّا لمن بلغ في العلم المرتبة السامية وفاق على أقرانه ، ولم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدراً ويفضل عليه علماً ، فإِذاً كان هو المتعيّن لهذا الشرف ولهذا الكرسيّ العلميّ .

1.بقلم السيد بحر العلوم : دليل القضاء الشرعي (۳/۱۷۷ ـ ۱۹۹) .

2.اعتمدنا كثيراً على الرسالة التي كتبها شيخنا الامام الشيخ آقا بزرك الطهراني رحمه الله وهي الرسالة التي ألّفها في (حياة الشيخ الطوسي) والمطبوعة في النجف الأشرف سنة ۱۳۷۶ ـ سنة ۱۹۵۷ في (۷۴) صفحة ، وقد كتبها إجابة لطلب الفاضل السيد أحمد شوقي صاحب (مكتبة الأمين) لتكون كمقدّمة لتفسير شيخ الطائفة الطوسي (التبيان في تفسير القرآن) الذي طبع جزؤه الأول في المطبعة العلميّة بالنجف الاشرف سنة ۱۳۷۶هـ . سنة ۱۹۵۷م ، وقد جاء ت هذه الرسالة دراسة طيبة في حياة الشيخ الطوسي رحمه الله ، إذ حوت فوائد مهمّة وتضمّنت نكات تاريخية نافعة ، وطبعت هذه الرسالة مستقلة . وربما استقينا ـ في الترجمة ـ مما ذكره العلامة الحجة الشيخ محمد الحسين النوري رحمه الله في الفائدة الثانية من خاتمة مستدرك الوسائل (ج۳ ص۵۰۵) . وكنّا قد ترجمنا ـ من قبل ـ الشيخ الطوسي رحمه الله ترجمةً ضافية وطبعت في مقدمة كتاب (الفهرست) في الرجال لصاحب الترجمة طبعة صحيحة في النجف الأشرف سنة ۱۳۵۶هـ . وقد ترجم الشيخ الطوسي رحمه الله في جميع المعاجم الرجالية لما له من الصيت الذائع والمكانة العلمية السامية ، حتّى لقّب بـ (شيخ الطائفة) ويراد (الطائفة الجعفرية) .

3.الشيخ أبوعبدالله محمد بن محمد بن النعمان المعروف بابن المعلّم الملقب بالمفيد شيخ الشيعة. قال اليافعي في (مرآة الجنان) عند ذكر سنة ۴۱۳هـ : «وفيها توفّي عالم الشيعة وإمام الرافضة ، صاحب التصانيف الكثيرة ، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلّم البارع في الكلام والفقه والجدل ، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية» قال : وقال ابن أبي طي : «وكان كثير الصدقات عظيم الخشوع كثير الصلاة والصوم حسن اللباس» وقال غيره : «كان عضد الدولة ربما زار الشيخ المفيد ، وكان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر عاش ستاً وسبعين سنة ، وله أكثر من مائتي مصنف ، وكان يوم وفاته مشهوراً ، وشيعه ثمانون ألفاًمن الرافضة والشيعة» وقال ابن كثير الشامي في تاريخه : «محمد بن محمد بن نعمان أبو عبدالله المعروف بابن المعلّم شيخ الروافض والمصنف والمحامي عنهم ، كانت ملوك الأطراف تعتقد به لكثرة الميل إلى الشيعة في ذلك الزمان ، وكان يحضر مجلسه خلق عظيم من العلماء من جميع الطوائف والملل ، ومن تلامذته الشريف المرتضى ، ورثاه بأبيات حسنة» وكان مولده اليوم الحادي عشر من ذي القعدة سنة ۳۳۶هـ ، ووفاته ببغداد ليلة الثالث من شهر رمضان سنة ۴۱۳هـ . وصلى عليه تلميذه الشريف المرتضى بميدان الأشنان ، قال الشيخ الطوسي تلميذه في الفهرست : وكان يوم وفاته يوماً لم يُر أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف والمؤالف . ورثاه مهيار الديلمي بقصيدة مثبتة في ديوانه المطبوع ، وقبره في البقعة الكاظمية معروف مشهور يزوره الناس ويتبركون به .

4.النجاشي هذا هو الشيخ الجليل أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس بن محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله ـ الذي ولي الأهواز وكتب إلى الإمام الصادق عليه السّلام يسأله عن توليه لذلك ، فكتب الإمام إليه الرسالة المعروفة بالرسالة الأهوازية ـ وهو صاحب كتاب الرجال المطبوع ، وُلد سنة ۳۷۲هـ . في شهر صفر ، وتوفّي سنة ۴۵۰هـ . في جمادى الأولى ، انظر مفصّل ترجمته في خاتمة مستدرك الوسائل (ج۳ ص۵۰۱) وفي جميع المعاجم الرجالية .

صفحه از 163