وَبِمَجْدِكَ الَّذِي تَجَلَّيْتَ بِهِ مُوسى كَليمِكَ عَلَيه السَّلام: إشارة إلى صفة الذات وجلاله، وتذكير بنعمته على أوليائه مرّةً اُخرى؛ فإنّ التجلّي الظهور، أي: بحقّ مجدك الّذي ظهرتَ به أو بآياتك الّتي أحدثتها في الجبل له عليه السلام؛ إذ تجلّيه تعالى يعود إلى جلاء معرفته من مصنوعاته لقلوب عباده، حتى شهدت كلّ ذرّةٍ من مخلوقاته مرآة ظهر فيها لهم، فهم يشاهدون على قدر قبولهم لمشاهدته، وتتفاوت تلك المشاهدة بحسب تفاوت أشعّة أبصار بصائرهم؛ فمنهم من يَرى الصفة ۱ أوّلاً والصانع ثانياً، ومنهم من يراهما، ومنهم من يرى الصانع أوّلاً، ومنهم من لايرى مع الصانع غيره.
والكليم فعيل بمعنى الفاعل، وهو أعمّ من النجيّ؛ لأنّ كلَّ مناجٍ مكالِمٌ دون العكس.
وإنّما سُمّي موسى عليه السلام كليم اللّه لأنّه كلّم اللّه تعالى بالنصب، بمعنى مكالِمه / 64 /.
فِي طُورِ سَيْناء: جبلٌ خوطب عليه موسى أوّل خطابه بالوحي وقد مرّ، وذكرُ التجلّي بعد ذكر التكلّم لموسى عليه السلام ينطوي على فوائد عظيمة في تفصيل مجاري المجد والجلال، فلا تظنّنّ أنّه مكرّر غير مستحسن؛ إذ التكرّر في ما لاينطوي على مزيد فائدة.
وَلإبراهيم خَليلِكَ عَلَيه السَّلام مِنْ قَبلُ: أي من قبل موسى وهارون، أو من قبل محمّد صلى الله عليه و آله في بدو النبوّة، إشارة إلى قوله تعالى: «ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل»۲ ، وإبراهيم هو إبراهيم بن تارح بن ناخور، وكان إبراهيم أوّل من أساك، وأوّل من استنجا بالماء، وأوّل من جزّ شاربه، وأوّل من رأى الشيب، وأوّل من اختتن، وأوّل من اتّخذ السراويل، وأوّل من ثرد الطريد ۳ ، وأوّل من اتّخذ الضيافة، والخليل: الصَّديق، من الخُلّة بالضمّ، وهو الصداقة والمحبّة المختصّة الّتي لا خلال فيها؛ قال الشاعر:
قد تخلّلت مسلك الروح منّيوبه سمّي الخليل خليلاً
فإذا ما نطقت كنت حديثيوإذا ما سكتّ كنت القليلا۴
1.هكذا في النسخة، و الصحيح ظاهراً: الصنعة.
2.سورة الأنبياء، الآية ۵۱.
3.كذا في النسخة، و ثَرَدَ أي أعدّ الثريد، و الثريد: طعام من خبز تفتّه و تبلّه بالمرق.
4.كذا ، وفي الشفا بتعريف حقوق المصطفى (ج۱ ، ص۲۱۴) : الغليلا ؛ وفي سبل الهدى والرشاد (ج۱ ، ص۴۵۵) : العليلا .