مأمون» ۱ وظنّي أنّه عليه السلام أراد من اللقن الغير المأمون عبد اللّه بن عبّاس ؛ لأنّه لم يكن في زمانه أقوى ملكةً منه في أشباهه ونظائره ، كما ورد في حقّه أنّه ينظر إلى الغيب من وراء ستردقيق؛ وبالجملة نظائر هذا في الأخبار غيرُ عزيز .
[5 ـ] وقد تكون من جهة عدم قابلية السامع لتحمّله ، كما هو المشاهَد بالنسبة إلى جملة من المطالب بالنسبة إلى جملة من الناس ؛ فإنّا نرى بالعيان أنّا لو أخبرنا أحداً من العوام ومَن في رتبته ببعض أسرار الشريعة الطاهرة وما وقع للأنبياء والأئمة عليهم السلام وما ابتلوا به من جزئيّات المصائب لارتعدت فرايصه ، وكاد أن يشكّ في دينه ! وتشهد على ذلك ما رواه الرضيّ قدس سره في نهج البلاغة من جملة خطبةٍ خطب بها أمير المؤمنين عليه السلام ، حيث يقول : «ولقد اندمجت على مكنون علمٍ لو بحتُ به ۲ لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة». ۳
[6 ـ] وقد تكون من جهة مخالفته لما جزمت به السَّألة والسامعون وتيقّنوا ضدّه؛ فلو بيّن لهم الواقع خطَّؤوا القائل والمخبِر ، ولهذا يتكلّم معهم على حسب زعمهم وما ظنّوا به من الرأي المخالف للواقع ، وهذا أمرٌ مركوز في الأذهان مرسوس في القلوب؛ فإنّ كلّ من سمع شيئاً لايقبله عقله و لايساعد عليه فهمه يخطّئ القائل . أ لم يقرع سمعك أنّ الصادق عليه السلام لمّا أخبر أباناً بدية أصابع المرأة قال : إنّ هذا الحكم يأتينا بالعراق ونحن نتبرّ اُ منه ونقول : إنّ الذي جاء به الشيطان! فقال عليه السلام : مهلاً يا أبان ، هذا حكم رسول اللّه ! إنّك أخذتني بالقياس ، والسنة إذا قيست محق الدين ۴ .
1.نهج البلاغة ، الحكم ۱۴۷ .
2.باح به : أظهره .
3.نهج البلاغة ، الخطبة ۵؛ وأرشِية: جمع الرِّشاء بمعنى الحبل؛ والطوىّ: جمع طويّة هي البئر؛ والبئر البعيدة: العميقة .
4.وسائل الشيعة ، ج ۱۹ ، باب ۴۴ ، ص ۲۹۸