المحكم وأمرك المحتوم في عالم القضاء الأزلي، الجاري على كلّ شيء بما يليق به ويستعدّه، ولا يتأتّى ولا يتعصّى منه شيء لأنّه أمرٌ بلا واسطة فلا سبيل إلاّ (أَنْ تَهَبَ لِي) أي تغفر لي وتعفو عنّي (فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ) ليلة النصف من شعبان، وهي ليلة مباركة بالخير والشرف معروفة، وقد حصلت الإذن والرخصة في تلاوة هذا الدعاء الشريف في ليلة الجمعة بل في كلّ ساعة من الساعات وآنٍ من الآنات أيضا.
(وَفِي هذِهِ السَّاعَةِ كُلَّ جُرْمٍ أَجْرَمْتُهُ) الجُرم بالضم: الذنب، وإجرام الجرم اكتسابه كما أنّ إذناب الذنب ارتكابه.
(وَكُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ وَكُلَّ قَبِيحٍ أَسْرَرْتُهُ وَكُلَّ جَهْلٍ عَمِلْتُهُ) اكتسبته أو كلّ عمل عملته بجهلي، ودعاني إلى ارتكابه جهلي. والمراد بهذا الجهل هو الملكة النفسانية
الرديئة الداعية إلى الشرّ والفساد والسيّئة، والخطيئة مقابل العقل الذي يكتسب به الجنان ويعبد به الرحمن.
وعلى تقدير الأوّل المراد به الجهل العرضيّ المكسوب بالأعمال الرديئة والأفعال القبيحة والعقائد الباطلة؛ فإنّ الجهل يتدرّج في الكمال ويشتدّ في التجوهر شيئا فشيئا، يتراكم السيئات والقبائح حتّى يصير جوهرا جهلانيّا وبحرا أجاجيّا صرفا فيجعل في جهنّم، كما أنّ جوهر العقل متحصّل من نور على نور من أنوار المعارف الحقّه والأعمال الصالحة والخيرات المترادفة فيرجع إلى الجنّة. جوج أصل الجهل عدم العلم فهو ظلمة للقلب كما أنّ العلم نور له، وقد يعبّر عنه بغطاء القلب والحجاب المضروب بينه وبين الربّ المانع عن مشاهدة جماله وجلاله.
(كَتَمْتُهُ) إلى قوله عليه السلام : (مَا يَكُونُ مِنِّي) الكرام الكاتبين: الملكان الموكّلان بالإنسان من جانب الرحمن، يبادرون بكتابة الحسنات ويتوانون بكتابة السيّئات لعلّ العبد يستغفر ويتوب. وإنّما يسمّيان كراما لأنّهم يسترون عيوب العبد ولا يشهدون بها