المكنون في حقائق الكلم النبوية - صفحه 340

اتّصف بذلك اتّصف بصفة الربوبيّة، فصار قلبه يعقل باللّه إذ هو قلبه؛ لانه وقع في أوّل حاله في مجمع عين الجمع فيما أخبر الحقّ تعالى عن الصفتين الخاصّتين ـ صفة الذات وصفه الفعل اللتين تبرزان فيه من عين القِدَم ـ بقوله «ونفخت فيه من روحي» و «خلقت بيديّ» .
أمّا المصطفى صلى الله عليه و سلم فأعلمه اللّه الأسماء كلها، وعلّمه حقائق صنعه فيما مضى من الخلق ومايمضي قبل خلق صورةٍ بعد كونه صورةً وروحاً.
وهذا خاصيّته على آدم إذ علّم روحَه قبل خلق السموات والأرض علم الأشياء بعد كونها في الصورة، فإنّه قبل خلق الصورة بروحه متّصفاً بروح الحقّ، وبعد خلق صورته متصفاً بخلق الحقّ، ففي كلتا الحالتين هو في عين الجمع، لاجرم أخبر عمّا كان وما يكون، وأعلمنا أنّه رأى اُمّته في الماء والطين إذ كانت هي ممزوجة في طينة آدم عليه السلام حيث طرح بين مكّة والطائف على هيئتها وصفتها، وأفهمنا أنّه رآها قبل خلقها وعَلِم أسماءَها قبل كونها وآدم عليه السلام بين الماء والطين. وهذا إشارته بقوله: كنتُ نبيّاً وآدم بين الماء والطين أي كنتُ عالماً بآدم وذرّيته إذ هو معهم مختلطا بالماء والطين، وعلّم آدم الأسماء بعد تمكينه في صورته.
ومن خاصيّة المصطفى صلى الله عليه و سلم بلوغُه مقام كشف الغيب قبل كونه صورةً وبعد كونه نبيّاً، إذ أخبر عن المقامين معاً.
ومن ذلك قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ اُوتيتُ بمقاليد الدنيا على فَرس أبلق على قطيفة أرجوان أي أشرفت على خزائن غيب الحقّ التي في ملكوت الأرض بعد ما أعطاني مفاتيحها، وهي نور من نور علمه، فرأيتُ به كنوز الأرض. وهذا مكاشفةٌ حقيقيّة، وليست بمثَل. إنّ اللّه تعالى أرى أولياءه وأنبياءه من هذا القبيل على تحقيق المعنى والصورة لاعلى مثل ومجاز، وفي مكاشفتهم كثير من هذا. وإنّ اللّه تعالى قد خصّ أهل المكاشفة برؤية ملكه في الغيب وحسن صنائعه في

صفحه از 363