والكرامات، والمصائب ظروف الكشوف ونجائب الغيوب تسير بالقلوب إلى عالم الأبد، ومن عرف حقائقها فهو عارف، ومن كتم عجائبها فهو صدّيق صدقه معادن بر الباري تعالى، وإخلاصه مفتاح كنوز لطائف برّ الحق. فإذا عرف برّه وانفرد بالإخلاص وصدق في المحبّة كتم ضرب الحبيب عن العدوّ؛ لأنّه خازن كنوز كرمه، وصاحب معادن بره، وبرّه من برّه، وصدقه من محبّته، وصبره من شوقه، وبلاؤه من عشقه، وكتمان امتحانه من رعاية الحقّ تعالى صدق قلبه وإخلاص نفسه.
۱۲۲.قالت عايشة ـ رضي اللّه عنها ـ :كان آخر كلام رسول اللّه صلى الله عليه و سلمكلمة سمعتُها منه، وهو أنّه كان يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنّة ۱ . قلتُ: إذاً واللّه لاتختارنا.
إذا حان وقت خروجه ـ عليه الصلاة والسلام ـ امتحنه الحقّ تعالى بخزائن الملكوت والجبروت من العرش إِلى الثرى، كما امتحنه بملكه فوق العُلَى حين أخبر عن سرّه وصدق رؤيته وإخلاص توحيده عن غبار الحدثان فقال: «ما كذَب الفؤاد ما راى» و «مازاغ البصر وماطغى» فأبى عن كلّ شيء دون الحقّ، ورفاقة كلّ ملك ونبيّ ووليّ دون رفاقته، فاختار التجرّد عن الكونين وانفراده بالحقّ من غيره، فقال لرسول الامتحان : لا أختار غيره بل الرفيق الأعلى لأنّه غواصّ بحر الأزليّات، وبريد بيداء الأبديّات: طريقي من الذات إلى الصفات ومن الصفات إلى الذات، ولم يكن في سيري رفيقي غيره؛ لأنّي أعرف به نفسه تعالى عن ممازجة الحدثان، وتقدّست صفاته عن ملاصقة الإنسان.
۱۲۳.قال أنس رضى الله عنه:كان أحبّ الألوان إلى رسول اللّه صلى الله عليه و سلمالخضرة ۲ .
في الخضرة طراوةٌ مِن صنيع الحقّ تعالى وكريم لطفه مِن فعله أشدّ ما في كل
1.رياض السالكين، ج ۶، ص ۷۰؛ مسند أحمد، ج ۶، ص ۲۷۴؛ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج ۹، ص ۳۶.
2.كنزالعمّال، ج ۷، ص ۱۱۸.