قبل

دراسة تحليلية حول عناصر بقاء السنّة الشريفة

احمد مبلّغى

 


30

لقد حظيت السنّة ـ بعد الكتاب الكريم ـ بالبحث والدراسة على أرفع المستويات، وفي اتجاهات شتّى. فنشأت من جراء ذلك مكتبة إسلاميّة عامرة ببحوث السنّة الشريفة وما زالت الأرضية خصبة والفرصة مؤاتية للبحث عنها في ميادين جديدة لم تطرق بعد، أو لتجديد البحث في ما طرق من الميادين السابقة.
ولقد اخترنا في هذه المقالة إلقاء نظرة تحليليّة إلى قضية بقاء السنّة الشريفة على مرّ الزمن.
وقد يبدو لأوّل وهلة أنّ البحث عن بقاء السنّة، أمر ليس له جدوى باعتبار أنّ بقاءها يعدّ شيئاً كان لابّد من تحقّقه، حيث انّها تمثّل المصدر الثاني للشريعة الاسلاميّة.
ونقول لدفع هذا التوهّم إنّ هناك نكتتين تبرزان أهميّة البحث عن بقاء السنّة، وهما:
اوّلاً، إنّ قضيّة بقاء ونموّ مجموعة فكريّة على مدى قرون طويلة، ليست أمراً سهلاً حتى إليه بعين البساطة؛ بل هو أمر ملفت للنظر ويستحقّ توجيه البحث إليه. هذا بالنسبة إلى مجموعة فكريّة محدودة فكيف الأمر بالنسبة إلى السنّة التى شملت جميع ميادين الحياة.
ثانياً، إنّ السنّة لم تكن خلال مسيرتها الطويلة عبر التاريخ بمأمن من المحاولات العدائيّه
 


31

التى استهدفت الاطاحة بها أو تضعيفها. ورغم ذلك، فإنّها بقيت وترسخت في أوساط الأمّة.
وعلى ضوء ذلك، فلا ينبغي قصر النظر على النتيجة (وهي بقاء السنة) من دون النظر إلى تلك العناصر التي تظافرت للوصول إلى هذه النتيجة.
ولذا، آثرنا أن يكون بحثنا مركزاً على كشف ودراسة العناصر التي لعبت هذا الدور.

عناصر بقاء السنّة
يمكن تقسيم العناصر التي أدّت إلى بقاء السنّة ومواصلة طريقها إلى ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى، ما تمّ بعناية وجعل من البارئ تعالى
لم تتضمّن الآيات القرآنية مقوّمات بقاء السنّة فحسب، بل إنّها أعطتها تلك الهويّة التي جعلت السنّة تحمل طابع المرجعيّة في التشريع، وهذا ما يمكن استفادته من الآيات القرآنية وهي على أقسام، أهمّها ما يلي:
ـ ما يلزم الأمّة طاعة الرسول غير المشروطة، كقوله تعالى: «ما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا»1 وقوله تعالى: «أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرسول».2
يقول الإمام علي(ع) في بيان هذه الآية: ردّه إلى الرسول،أن نأخذ بسنّته.3
ـ ما يدل على أنّ في السنّة كفاية لأن يقتدى بها، كقوله تعالى: «لقد كان لكم في رسول اللّه اُسوة حسنة».4
يقول الامام علي(ع) في خطبة له: ولقد كان في رسول اللّه(ص) كاف ٍلك
 


32

في الأسوة.5
ـ ما يدل على أنّ السنّة، شارحة ومبيّنة للقرآن، كقوله تعالى:«وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم»6 وقوله تعالى:« وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه».7
وتتضمن هذه العناصر الثلاثة مبادى أساسية للتعامل مع السنّة وهي:
1ـ عدم تحكّم الرأي في السنّة،
وهذا مستفاد من عنصر لزوم إطاعة الرسول غير المشروطة.
2ـ شمولية السنّة،
وهذا مستفاد من عنصر كفاية السنّة للإقتداء بها.
3ـ عدم الفصل بين الكتاب والسنّة،
وهذا مستفاد من عنصر شارحيّة السنّة للكتاب.
ومن هنا يمكن القول: إنّ هذه العناصر القرآنيّة الثلاثة التي كرّمت بها السنّة، هي الأساس لبقاء السنّة، ويؤول اليها جميع ما سنذكره من العناصر.

المجموعة الثانية، ماتمّ بعناية وجعل من النبي (ص)
يمكن تقسيم ما قام به النبي (ص) في هذا المجال الى مايلي:

1ـ محاولة إعطاء زمام المبادرة بيد السنّة
لاشك انّ من جملة عوامل القدرة على البقاء والدفاع عن النفس، هو امتلاك زمام المبادرة أمام الحركات المعادية. وحيث انّ الرسول الأعظم(ص) كان يعلم أنّ سنّته سوف تواجه حركات عدائيّة وعقبات عديدة في طريقها، فلذا، سعى أن يجعل زمام المبادرة بيد السنّة، لكي تتصدّى للمواقف الهجوميّة عندما تحدث.
 


33

ولقد كان لهذه المحاولة النبويّه تأثيرها في تمكين السنّة من البقاء ومواصلة حركتها على مرّ التاريخ، بحيث يمكن القول بأنّه لولا هذه المواقف الصارمة، لآل الأمر إلى ضعف السنّة وانحصارها. وفي هذا المجال، إتّخذ النبي (ص) عدّة مواقف يمثّل كل واحدٍ منها سدّاً بوجه حركة من الحركات المضادّ للسنّة. وأهمّها:
أ. ايجاد التقابل بين السنّة والبدعة مع التحذير الشديد من البدعة:
ولإيضاح هذا الموقف النبوي نشير الى نكتتين:الاولى، لم يكن في زمن النبي (ص) للبدعة ظهور بارز كحركة فاعلة في الاُمّة. الثانية، أنّ النبي (ص) كان قد ركّز تركيزاً شديداً على محاربة البدعة والتحذير منها بأساليب شتّى.
وعلى ضوء هاتين النكتتين نفهم انّ تعامل النبي(ص) مع البدعة، كان يحمل طابعاً هجومياً، وانّه أراد بذلك أن يسبق الزمن قبل استفحال حركة البدع فاستعدّ وأعدّ، والحقيقة، أنّه لولا موقف النبي (ص) هذا، لانفسح المجال أمام المبتدعين لتوسيع نشاطهم وترويج بدعهم؛ إذ انّ هذا الموقف أوجد شعوراً عند الأمّة بلزوم السعي بالبقاء ضمن نطاق السنّة وإبداء الحساسيّة تجاه مايمت إلى البدعة بصلة. ونورد هنا بعض الروايات النبوية حول البدعة؛ فمنها قوله (ص): كل بدعة ضلالة.8
ومنها قوله(ص): أبى اللّه لصاحب البدعة بالتوبة.9
ومنها قوله(ص): …فإمّا إلى سنّة وإمّا الى بدعة.10
و منها قوله(ص): من تبسّم في وجه المبتدع، فقد أعان على هدم دينه.11
ومنها قوله(ص): إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي، فأظهروا البراءة منهم….12
ومنها قوله(ص): أبى اللّه أن يقبل عمل صاحب بدعة.13
 


34

ب. التحذير من الكذب عليه (ص):
إن الرسول(ص) كان يعلم بأنّ سنّته الشريفة سوف تشتدّ ضدّها حركة الوضع والكذب، ولذا، بادر إلى تنبيه الأمّة على هذا الخطر العظيم. والروايات في هذا المجال كثيرة، نكتفي بذكر واحدة ذكرها الفريقان. قال (ص): من كذب عليّ متعمّدا ًفليتبوّأ مقعده من النار.14
ج.التحذير من الإعراض عن السنّة:
لقد تكرّرت وبمناسبات عديدة عبارة ضمن أحاديث النبي وهي قوله (ص): من رغب عن سنّتي ـ او منهاجي ـ فليس منّي.15
وجدير بالذكر، إنّنا لانريد ادعاء أنّ الإعراض عن سنّة النبي (ص) لم يقع في عهده، بل نريد الإشارة إلى أنّ تكرار هذه العبارة لايتناسب مع حالات الاعراض في زمنه، بل يتناسب مع ما قلنا من أنّه(ص) كان ينظر في ذلك إلى المستقبل؛ كما انّنا لانريد ادعاء انّ كلّ حالات الاعراض كانت تتمّ عن سوء نية؛ فإن الاعراض يضادّ السنّة سواء كان عن سوء نيّة أم لا.

2ـ محاولة نشر السنّة على نطاق واسع في الأمّة
لقد تمثّلت هذه المحاولة في خطوات ثلاث:
الخطوة الأولى. إلقاء السنّة بين أكبر عدد من الناس؛
ومن هنا وجدت الأرضية لبروز الأخبار المتواترة عن النبي. ومعلوم أنّ مصطلح التواتر في علم الحديث، لم يحتل مكانته البارزه إلاّ من جراء وجود هذه الروايات في السنّة.
الخطوة الثانية. الحثّ على حفظ السنة
لقد ورد الحثّ على هذا الأمر في طوائف من الروايات وبأساليب شتّى تشترك جميعها في إبراز هذا المعنى. ونكتفي برواية وردت عند الفريقين من أنّ النبي(ص) قال: مَن حفظ
 


35

على اُمتى أربعين حديثاً من السنّة، كنت له شافعاً ـ أو شفيعاً ـ يَوم القيامة.16
وهذه الروايات هي التي أوجدت عند المسلمين ظاهرة الحرص على نقل الحديث النبوي بلفظه. وجدير بالذكر، انّ حفظ الأحاديث ليس مقصوراً على الحفظ في الصدور، بل يعمّه إلى كلّ ما يكتب أو يلقى أو… حيث انّ المراد من حفظها هو حفظها من الزوال والتلف.17
ولعّل كلمة «على» في الحديث، تشير إلى ذلك.
الخطوة الثالثة. تكراره للموارد المهمة من السنة
ولتوضيح هذه الخطوة النبوية نشير الى الأمرين التاليين:
1ـ إنّ الناظر الى السنة يرى أنّه في كثير من الموارد وردت مجموعة من الروايات حول مضمون واحد، ومن المعلوم أنّه لايمكن إدعاء أن تكون كلّ هذه الموارد قد نشأت كنتيجة لاختلاف نقل الرواة لألفاظ الروايات، بل كان التعدّد في الروايات في كثير من هذه الموارد ناشئاً من تكرار النبي (ص) لبعض الجوانب من سنته الشريفة؛ لاسيّما ونحن نرى إختلاف القيد في بعض الروايات المشتركة في معنى واحد، بحيث لا يمكن تفسيره باختلاف نقل الرواة. وكمثال على ذلك، الحديث الوارد للحثّ على حفظ اربعين حديثاً من سنة الرسول(فقد جعلت نتيجته في بعض الروايات الشفاعة،18 وفي بعضها الآخر أن يحشر الحافظ لها فقيها او عالماً،19 وفي بعضها الآخر دخول الجنة،20 أو أن يحشر الحافظ لها مع الشهداء21).
2ـ لم تكن عناية النبي(ص) بتكرار بعض جوانب السنّة متمركزة على القول فحسب، بل كان(ص) يستخدم أسلوب التكرار في غير السنّة القولية أيضاً، بل كان أحياناً للتكرار في السنّة الفعلية دور أقوى.
 


36

المجموعة الثالثه. ماتمّ بعناية من أهل البيت (ع)
لقد كان لأهل البيت (ع) دور كبير وجذري في ابقاء السنة واحيائها. وقد كان النبي أعدّ مقدّمات تصدّيهم لهذا الدور، وبيّن ذلك ضمن أحاديث كثيرة، من أبرزها حديث الثقلين (الذي رواه الفريقان متواتراً)؛ويمكن بيان بعض هذا الدور ضمن مايلي:

1ـ مواصلة موقف النبي(ص) من الوضع والبدعة والتأويل الخاطئ: لوألقينا نظرة إلى كلمات أهل البيتِ(ع) فى هذا الميدان لوجدناها تتّسم بطابع التشدّد والتأكيد على غرار ما نشاهده من فعل الرسول(ص).إليك بعض النماذج:
سأل رجل الإمام علياً(ع) عن السنة والبدعة … فقال (ع) :أمّا السنّة فسنّة رسول اللّه(ص)، وأمّا البدعة فما خالفها…22
قال الإمام على(ع): ما اُحدثت بدعة إلاّ ترك بها سنّة.23
قال أبو جعفر الباقر (ع): أدنى الشرك ان يبتدع الرّجل رأياً فيحبّ عليه ويبغض.24
وقد عبّر الامام الصادق (ع) عن موقف أهل البيت تجاه الحركات المضادّه للسنّة بقوله: إنّ فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.25

2ـ محاولة نشر السنّة: لم تكن السبيل معبّدة أمام أهل البيت(ع) في نشر السنّة إذ انّ السلطات الحاكمة كانت تمنعهم من ذلك، وتضيق الخناق عليهم، وقد اقتضى هذا الأمر أن يبذل أهل البيت نوعين من الجهود: جهود في نشر السنّة وإحيائها، وأخرى في تهيئة الأرضية المناسبة لذلك.
ومن أبرز مصاديق الجهود التي بذلوها في تهيئة الأرضية لذلك، هو تركيزهم الشديد
 


37

 على موقعهم من رسول اللّه (ص) وتوارثهم لعلمه واحداً بعد آخر.
ونذكر هنا حديثين فقط:
1ـ قال الإمام الصادق (ع): حديثي حديث أبي،و حديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّه (ص)،وحديث رسول اللّه (ص) قول اللّه عزّوجلّ.26
2ـ قال الإمام الرضا (ع): إنّا أهل البيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة.27
ومن هنا يعلم سرّ تركيز مدرسة أهل البيت على إبراز جانب إنتمائهم الى رسول اللّه (ص)،الأمر الذي كان يرفضه سلاطين بنى أميّة وبني العبّاس.
وبالرغم من كلّ هذه المحاولات المضادّة فقد تمكّنوا من إبراز هذا الجانب. ويمكن رؤية ذلك من خلال ما يحكي لنا التاريخ من أنّ الأكثر ومن جملتهم ائمّة المذاهب والمحدّثون كانوا يخاطبونهم بقولهم:«يابن رسول اللّه».
وقد كان الإمام الصادق(ع) قد وافته الفرصة أكثر من غيره لنشر السنّة وإحيائها. وقد كان يحدث عنه آلاف المحدّثين. وقد آنست آذان الناس كلمة: «قال رسول اللّه» على لسان الإمام وذلك لكثرة ترديده لهذه العبارة في مختلف لقاءاته مع الناس.
ولم يكن يحدّث عن رسول اللّه (ص)، إلاّ ويرى وجهه متغيراً، يقول مالك متحدثاً عن الإمام الصادق: إذا قال ـ أي الإمام(ع) ـ «قال رسول اللّه»، اخضر مرّة واصفر أخرى، حتى ينكره من يعرفه.
ويقول عنه كذلك: ما رأيته يحدث عن رسول اللّه (ص) إلاّ على الطهارة.28
هذا التصدّي العظيم لنشر أقوال الرسول الأعظم(ص)، جعل من الامام
 


38

الصادق (ع)ملجأ لكلّ من يطلب الوصول الى حديث رسول اللّه (ص)، فهذا سفيان يطلب من الإمام الصادق (ع) أن يحدّثه بحديث خطبة رسول اللّه(ص) في مسجد الخيف، فقال الإمام(ع): دعني حتّى أذهب في حاجتى فانّي قد ركبت فاذا جئت حدّ ثتك، فقال: أسألك بقرابتك من رسول اللّه(ص) لمّا حدّثتني! قال: فنزل …وحدّثه بذلك الحديث.29
ونرى للإمام الباقر (ع) مثل هذه المرجعيّة في أخذ الحديث ويمكن استفادة ذلك من الأحداث التي نقلها لنا التاريخ،ومنها ما ذكره أبو زهرة من أنّ أباحنيفة قال للإمام الباقر(ع): اجلس مكانك كما يحقّ لك، حتى أجلس كما يحقّ لي فإن لك حرمة كحرمة جدّك(ص) في حياته على أصحابه …30

المجموعة الرابعة: ماتمّ بعناية من الاُمّة
سعت الاُمّة الاسلاميّة بدورها في ابقاء السنّة ويمكن ابراز هذا السعي من خلال الموارد التالية:
1. السعي للحفاظ على السنّة،
2. عدم إخضاع السنّة للآراء،
3. الحرص على الرجوع الى السنّة،
4. محاولة الحصول على الطرق الصحيحة للإستفادة من السنّة،
وفيما يلي، نستعرض تفاصيل هذه الموارد مع التعرّض لبعض الجوانب التي يمكن إستدراكها منها والتي تمثّل جانباً من الضعف والتقصير.

السعي للحفاظ على السنّة
يتمثّل سعي الاُمّة في هذه الميدان، ضمن المحاولات التالية:

المحاولة الاُولى، حفظ السنّة في الصدور: برزت هذه المحاولة عند الأوائل ولا سيّما في
 


39

 زمن الصحابة،31 حيث انّ السنّه لم تكن قد أخذت طريقها للتدوين بعد.

المحاولة الثانية، السفر لطلب الحديث: لقد أصبح السفر لطلب الحديث ظاهرة ملموسة عند الأوائل، وكمثال على ذلك ما نقله البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال:
خرج أبو أيّوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر، يسأله عن حديث سمعه من رسول اللّه(ص) لم يبق أحد سمعه منه غيره؛ فلمّا قدم الفسطاط أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري ـ وهو أمير مصر ـ فخرج إليه فعانقه وقال:دلّوني على عقبة؛ فأتى عقبة وقال: ما جاء بك يا أبا أيّوب؟ قال: حديث سمعته من رسول اللّه(ص) في ستر المؤمن، فقال: نعم سمعت رسول اللّه (ص) يقول: من ستر مؤمناً ستره اللّه يوم القيامة. ثم انصرف أبو أيّوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة.32

المحاولة الثالثة، التثبّت في أخذ الحديث وفي التحديث به:
وإليك نموذجاً لكلّ منهما:
1. قال رجل لابن عباس: مالي لاأراك تسمع لحديثي، أحدّثك عن رسول اللّه (ص) ولا تسمع؟! فردّ عليه إبن عباس: إنّا كنّا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: «قال رسول اللّه(ص)» ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا؛ فلمّا ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلاّ ما نعرف.33
2. قال عمروبن ميمون: اختلف إلى عبداللّه بن مسعود سنةً فما سمعته فيها بحديث عن رسول اللّه(ص) ولا يقول:«قال رسول اللّه (ص) »؛ إلاّ أنّه حدّث ذات يوم بحديثٍ فجرى على لسانه: «قال رسول اللّه(ص) »؛ فعلاه الكرب حتّى رأيت العرق يتحدّر عن جبينه. ثمّ قال: إن شاء اللّه إمّا فوق ذلك، أو قريب من ذلك، وإمّا دون ذاك.34
 


40

المحاولة الرابعة، التشدّد في تطبيق السنّة:
واليك نموذجاً على ذلك: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أنّه أنكر على مروان(والي المدينة من قبل معاوية) تقديم الخطبة على صلاةالعيد، وجذبه من ثوبه، فجذبه مروان، فارتفع وخطب. فقال مروان: إنّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة.35

تعقيب و نقد
مع كلّ ما ذكرناه ممّا قامت به الأمّة من محاولات حفظ السنّة، فإنّه قد حصلت ثغرات في هذا الميدان لابدّ من ذكرها:
اوّلاً، تأخّر تدوين السنّة: من المعلوم انّ تدوين السنّة لم يبدأ إلاّ في زمن عمر بن عبدالعزيز أي بعد مرور قرن كامل على وفاة صاحب السنّة الشريفة(ص). وقد ترك هذا التأخير أرضية لتوسيع وتعميق حركة الوضع من جانب واختفاء بعض الأحاديث من جانب آخر.36
ثانياً، عدم التصدّي الحازم للوقوف بوجه حركة الوضع: فلو كانت الأمّة قد تصدّت لحركة الوضع أكثرممّا قامت به، لضيقت الخناق على هذه الحركة الشيطانية.
ثالثاً، تأخر حركة التوثيق: من المعلوم انّ العناية بتوثيق الرواة، كانت موجودة منذ زمن الصحابة،37 ولكنّها لم تبرز كحركة إلاّ في القرن الثاني الهجري، 38 ومن المعلوم كذلك انّ حركة الوضع كانت قد بدأت في القرن الأوّل بحيث استطاعت أن تمدّ جذورها وتبدي ثمارها والقرن الأوّل لم ينته بعد.39 ومن هنا يعلم مدى الفجوة الزمنيّة الحاصلة بين حركتي الوضع والتوثيق. ولقد كان لهذه الفترة الزمنيّة بينهما الأثر الكبير في أن لا تتمكّن الحركة التوثيقيّة في
 


41

 إزالة كلّ رسوبات حركة الوضع وإن تمكّنت من أداء دورها إلى حدّ كبير في هذا الميدان. وخلاصة القول، إنّ هذه الحركات الثلاث، أثرت كلّ منها في الأخرى.
فلو أن السنّة كانت قد كانت دوّنت مبكراً لما فسح المجال بهذا المقدار للوضّاعين؛ ولو أنّ الأمّة بعد أن دخل الوضع في السنّة تصدّت للوضّاعين، لما تعمّقت حركتهم. ثمّ إنّ حركة التوثيق لو لم تكن تأخّرت بهذا المقدار، لكانت السنّة قد محّصت أكثر من هذا، ولما بقي مجال لترسّخ بعض آثار حركة الوضع في التاريخ.

عدم إخضاع السنّة للآراء
لقد كانت الأمة تفهم بصورة ارتكازية لزوم جعل السنّة في الصدارة ولزوم الخضوع لها، والسعي لكي تكون متبوعة، لا أن تكون تابعة. ولعلّه لذلك نرى أنّ جلّ القواعد لتمييز الأحاديث الصحيحة عن السقيمة قد تمّ في مجال توثيق الأسانيد، لا في مجال توثيق متون الأحاديث مباشرة. يقول الامام الشافعي:
لا لأحدٍ إدخال لم ولا وكيف ولا شيئاً من الرأي على الخبر من رسول اللّه (ص).
ويقول في موضع آخر:
أبان اللّه لنا سنّة رسوله فرض علينا بأن ننتهي إليها لا أنّ لنا معها من الأمر شيئاً إلاّ التسليم لها واتباعها، ولا أنّها تعرض على قياس ولا على شيء غيرها وأنّ كل ماسواها من قول الآدمييّن تبع لها.40

تعقيب و نقد
ومع أنّ الفكرة السائدة في أذهان الأمّة كانت هذه،أي اطلاق الحرّية للسنّة إلا أنّه حصلت بعض الموارد سلبت فيها الحرّية عن السنّة ولم يفسح لها المجال لكي تتحرك كما تشاء وتدلي بصوتها. وأبرز هذه الموارد ما يلي:
 


42

1ـ المجال السياسي: لقد كانت التأويلات غير المستندة إلى أساس، سلاحاً بيد السلطة تستخدمه أنّي شاءت وكيف شاءت ولاسيّما عندما تصطدم مصالحها مع إرادة السنّة الشريفة، وأبرز مانراه من هذه التأويلات ما كان على يد الأمويّين والعبّاسييّن، وجعلوا ملاكهم في ذلك الانتصار على أهل بيت النبوّة حيث كان أهل البيت يصرّون على التصدّي للوقوف بوجه إنحرافاتهم عن السنّة.

2ـ التعصب المذهبي: دفع التعصّب المذهبي ـ حينما بلغ ذروته ـ الكثير إلى تأويل ما في السنّة بما يتلاءم مع المذهب.و كمثال على ذلك ماورد على لسان أحد علماء القرن الرابع حيث يقول:
الأصل انّ كلّ آية تخالف قول أصحابنا فإنّها تحمل على النسخ أو على الترجيح والأولى أن تحمل على التأويل من جهة التوفيق.41

3ـ ما حصل في عهود التقليد: لقد كانت السنّة في عهود التقليد تؤخذ من خلال أقوال فقهاء المذهب ويختلف هذا المورد عن سابقيه بأنّ الحرية فيهما سلبت بصورة مباشرة عن السنّة بينما هنا تمّ سلب الحرّية منها من خلال سلب العلماء حرية الاجتهاد عن أنفسهم. وهذا بدوره يبرز عمق واصالة النظريّة القائلة بحرّية باب الاجتهاد حيث انّها تعني اعطاء الحرّية الى السنّة لكي تؤتي ثمارها.

رجوع الأمّة إلى السنّة
من جملة ما حرصت الأمّة عليه الرجوع إلى السنّة في فهم القرآن وأخذ مالم يبيّنه القرآن من الأحكام والعقائد، ويمكن ابراز شدّة تمسّكهم بالرجوع إلى السنّة من خلال ذكر اُمور وهي:
أولاً، إنّ رجوعهم لم يكن مقصوراً على القضايا التي نصّت عليها السنّة،بل كان يرجع إليها حتى في القضايا التي لم تنصّ عليها السنّة مباشرة، من الأخذ بعمومها، والاعتماد على القواعد المستقاة منها.
 


43

ثانيآً، إذا رأوا تعارضاً بين روايات السنّة فإنهم لايضربون بل يلجؤون إلى طرق العلاج التي يبقون بها في دائرة السنّة.
ثالثاً، إنّهم حاولوا الحصول على النسب القائمة بين السنّة والقرآن من التخصيص والتقييدوالنسخ والبيان والتفصيل.
وعلى ضوء هذه الأمور يمكننا القول انّ بروز الفقه كعلم مستقل كان وليداً للسنّة؛ بمعنى انّ الفقه كان في بداية تكوّنه عبارة عن نتائج تلك الرجوعات إلى السنّة، سواء فيما نصّت عليه أم فيما لم تنصّ عليه؛ ولذلك نرى أنّ الفقه في كتب المتقدّمين من السنّة والشيعة، كان عبارة عن نقل الروايات وإحيانا التعليق عليها، ويمكن رؤية ذلك من خلال النظر إلى موطّأ مالك او النهاية للشيخ الطوسي.

محاولة معرفة طرق الإستفادة الصحيحة من السنّة
إنّ تقيّد العلماء بالسنّة، جعلهم يدركون الحاجة الماسة إلى كشف طرق تضمن صحّةالاستفادة من السنّة؛فاندفعوا إلى معرفة ذلك. واثمرت المحاولات الأوّلية لهم عن تكوين مجموعة من مباحث الألفاظ التي هي أساس علم الأصول، ومطالعتنا لتاريخ علم الأصول تهدينا لذلك.42

خاتمة
من خلال ما سردنا في صفحات هذه المقالة، يتبيّن لنا ما للسنّة الشريفة من مكانة مرموقة وأهمّية كبيرة في حياة المسلمين، وإنّها استطاعت رغم العوائق والصعوبات أن تحصّن نفسها، ومن ثمّ تحصّن الأمّة إذ أنّ الأمّة استطاعت أن تواصل حركتهاوتحفظ هويّتها كاُمّة إسلاميّة على ضوء هدى السنّة وبركاتها. وقد كان من جملة بركات السنّة الشريفة على الأمّة تمهيد الأرضيّة لنشوء صنوف من العلوم الإسلامية كعلم الحديث والرجال وآُصول الفقه والفقه.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين


1. الحشر،7
2. النساء،59
3. نهج البلاغه، الخطبة 125
4. الاحزاب،21
5. نهج البلاغه، الخطبة 160.
6. النحل، 44.
7. النحل، 64.
8 . صحيح مسلم، كتاب الجمعة، ص43؛وسائل الشيعة، ج6، ص511
9. البحار، ج72، ص219
10. مسند أحمد، ج2، ص158
11. سفينة البحار، ج1،ص63
12. وسائل الشيعة، ج6، ص 8
13. سنن إبن ماجة،ج1، ص19،(ح50)
14. نهج البلاغة، الخطبة 210؛ أصول الكافى، ج1، ص 62؛ صحيح البخارى، ج1، ص38؛ مسند أحمد بن حنبل، ج1، ص78 ـ 130
15. أصول الكافى، ج2، ص85؛ مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص158
16. كنز العمّال، ج10، ص224،(ح29184)؛ وسائل الشيعة، ج27، ص94
17. الأربعون حديثاً، المازندرانى، ص4
18 . كنز العمّال، ج10،ص224
19. عوالى اللّئالى، ج1، ص95،(ح1).
20. كنز العمّال، ج10،ص225
21. نفس المصدر.
22. تحف العقول، الحرّانى،ص211
23. نهج البلاغة، الخطبة 145
24. ثواب الأعمال وعقابها،ج3،ص587
25. راجع: حديث الثقلين، قوام الدين الوشنوى القمّى(رسالة أصدرتها دار التقريب بين المذاهب بمصر ).
26. أصول كافي،ج1، ص53
27. أصول الكافي،ج1،ص320
28. الامام جعفر الصادق، الجندي،ص159
29. أصول الكافي،ج1،ص403
30. الامام الصادق،أبوزهرة،ص23
31.توثيق السنة في القرن الثاني الهجري،ص28
32. نقله صاحب حجية السنة عن: مفتاح الجنة،السيوطي،ص48
33. نقله صاحب توثيق السنة عن: صحيح مسلم، بشرح النووي،ج1،ص67ـ 68
34. فتح الباري،ج6،ص28
35. نقله صاحب حجية السنة عن: صحيح البخارى،ص50
36. أضواء على السنّة المحمّدّية،ص268ـ 269
37. المصدر نفسه،ص63
38. توثيق السنة في القران الثاني الهجري، ص23
39. أضواء على السنّة المحمّديّة،ص118
40. اختلاف الحديث،الشافعى،ص21و33
41. أصول الكرخي، طبعة مصر، ص84
42. تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام، الصدر،ص31