فصل : في ذكر البتول(1)
ولنذكر طرفاً من مناقبها الّتي تشرّف هذا النسب من نسبها واكتسى فخراً ظاهراً من حسبها. وهي فاطمة الزهراء(2) بنت من اُنزل عليه (سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى(3))
بنت خير البشر الطاهرة(5) الميلاد ، السيّدة(6) بإجماع أهل السداد .
قال الشيخ كمال الدين بن طلحة(7) : ولدت فاطمة بنت رسول اللَّهصلى الله عليه وآله قبل
652
النبوّة والمبعث بخمس سنين ، وقريش تبني البيت ، وتزوجّها عليّ بن أبي طالبعليه السلام في شهر رمضان المعظّم قدرهمنالسنة الثانية من الهجرة(8) ،
653
ودخل(9) بها في ذي الحجّة من السنة المذكورة(10).
نقل(11) الشيخ أبو عليّ الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان(12) بسنده إلى
654
أنس (رض) قال : كنت عند رسول اللَّهصلى الله عليه وآله فغشيه الوحي ، فلمّا أفاق قال لي : يا أنس ، أتدري ما جاءنى به جبرئيلعليه السلام من (عند) صاحب العرش جلّ وعلا؟ قلت : بأبي أنت واُمّي ما جاءك به جبرئيل؟ قال : قال لي : إنّ اللَّه تبارك وتعالى يأمرك أن تزوّج فاطمة من عليٍعليه السلام ، فانطلِق فادع لي أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وبعدّتهم من الأنصار .
قال : فانطلقت فدعوتهم (له) فلمّا أن أخذوا مجالسهم قال رسول اللَّهصلى الله عليه وآله : الحمد للَّه المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع بسلطانه ، المرهوب(13) إليه من عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه ، الّذي خلق الخلق بقدرته ، وميَّزهم بأحكامه وأعزّهم بدينه ، وأكرمهم بنبيّه محمدّصلى الله عليه وآله . ثمّ إنّ اللَّه جعل المصاهرة نسباً لاحقاً ، وأمراً مفترضاً ، وحكماً عدلاً ، وخيراً جامعاً ، وشجَ(14) بها الأرحام ، وألزمها الأنام فقال عزّ وجلّ : (وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)(15) وأمرُ اللَّه يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ، ولكلِّ قضاء قدر ، ولكلِّ قدر أجل ، ولكلِّ أجل كتاب (يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب)(16) .
655
ثمّ إنّ اللَّه تعالى أمرني أن اُزوّج فاطمة من عليّ واُشهدكم أنّي قد زوّجت فاطمة من عليٍ(17)
657
على أربعمائة مثقال فضّة(18) إن رضي بذلك(19) على السنّة القائمة ، والفريضة الواجبة ، فجمع اللَّه شملهما ، وبارك لهما ، وأطاب نسلهما ، مفاتيح الرحمة ، ومعادن الحكمة ،
658
واُمناء الاُمّة ، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم(20) .
ثمّ أمر لنا رسول اللَّه بطبق فيه بسر(21) فوضعه(22) بين أيدينا(23) ثمّ قال : انهبوا(24) . فبينما نحن كذلك إذ أقبل عليٌعليه السلام فتبسّم إليه رسول اللَّهصلى الله عليه وآله ثمّ قال(25) : يا عليٌّ إنّ اللَّه
659
أمرنى أن اُزوِّجك فاطمة ، وإنّي قد زوَّجتكها(26) على أربعمائة مثقال فضّه ، (أرضيت؟) فقال عليّ : رضيت يا رسول اللَّه . ثمّ قام عليّ فخرَّ للَّه ساجداً ، شكراً للَّه تعالى ، فلمّا رفع رأسه قال له رسول اللَّهصلى الله عليه وآله بارك اللَّه لكما(27) ، وبارك عليكما ، وأسعد جدّكما ، وأخرج منكما الكثير الطيّب(28) .
قال أنس : واللَّه لقد خرج(29) منهما الكثير الطيّب(30) .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّهصلى الله عليه وآله : (إن) أول شخص يدخل على الجنة فاطمة بنت محمّد(31) .
وروى باللفظ الصريح يرويه كلّ من النجّار ، ومسلم ، والترمذي ، عن النبيّصلى الله عليه وآله أنّه قال : كَمُلَّ من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلّا مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد(32) .
660
ومن كتاب العترة النبوية مرفوعاً إلى قتادة عن أنس قال : قال رسول اللَّهصلى الله عليه وآله : خير نسائنا مريم ، وخير نسائنا فاطمة بنت محمّد ، وآسية امرأة فرعون(33) .
وبإسناده أيضاً عن أنس أنّ النبيّصلى الله عليه وآله قال : حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد(34) .
661
وعنه أيضاً قالت عائشة لفاطمة : ألا يسرّك انّي سمعت رسول اللَّهصلى الله عليه وآله يقول : سيّدات نساء أهل الجنة أربع : مريم بنت عمران ، وفاطمة بنت محمّد ، وخديجة بنت خويلد ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون(35) .
وعنه عن النبيّصلى الله عليه وآله قال : إذا كان يوم القيامة قيل يا أهل الجمع غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ فاطمة بنت محمّد ، فتمر وعليها ريطتان خضراوان وفي بعض الروايات حمراوان(36) .
662
ومن المسند للإمام أحمدبن حنبل عن حذيفةبن اليمان(رض) قال: سألتني اُمّي: متى عهدك بالنبيّ؟ فقلت منذ كذا وكذا (مالي به عهد) ذكرت مدّة طويلة فنالت منّي وسبّتني ، فقلت لها: دعيني فإنّي آتي النبيّصلى الله عليه وآله (فاُصلّي )معه المغرب ، ثمّ لا أدعه حتّى يستغفر لي ولك . قال : فأتيت النبيّصلى الله عليه وآله فصلّيت معه المغرب والعشاء ، ثمّ انفتلصلى الله عليه وآله من صلاته فسبقته فعرض له عارض فناجاه ، ثمّ ذهب فسبقته فسمع مشي خلفه ، فقال : من هذا! فقلت: حذيفة؟ فقال : مالك؟ فحدّثته بحديث اُمّي ، فقال : غفر اللَّه لاُمّك ولك . قال : أما رأيت الّذي عرض لي؟ فقلت : بلى يا رسول اللَّه ، قال : هو ملَك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قطّ قبل هذهالليلة استأذنربّه في أن يسلّم عليَّ ويبشّر أنّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة،وأنّ فاطمة سيدة نساء العالمين(37).
663
ومن المسند أيضاً عائشة قالت : أقبلت فاطمة تمشي وكأنَّ مشيتها مشية رسول اللَّهصلى الله عليه وآله فقالصلى الله عليه وآله : مرحباً بابنتي ، ثمّ أجلسها(38) عن يمينه وأسرَّ إليها(39) حديثاً فبكت ، فقلت : استخصّك رسول اللَّهصلى الله عليه وآله ثمّ تبكين . ثمّ أسرَّ إليها حديثاً أيضاً فضحكت ، فقلت : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن ، فسألتها عمّا قيل لها (40)فقالت : ما كنت لأفشي سرَّ رسول اللَّهصلى الله عليه وآله حتّى(41) قُبض رسول اللَّهصلى الله عليه وآله فسألتها قالت : (إنّه) أسرَّ إليَّ (فقال : إنّ )جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كلِّ سنة(42) مرّة وإنّه عارضني به العام مرَّتين ولا أراني(43) إلّا وقد(44) حضر أجلي ، وإنّكِ أوّل أهل بيتي لحوقاً بي ، ونِعم السلف أنا لك ، فبكيت(45) لذلك ، فقال : «ألا ترضين(46) أن تكوني سيّدة نساء هذه الاُمة ، أو نساء المؤمنين؟ قالت : فضحكت لذلك(47) .
664
وروي عن مجاهد(48) قال : خرج النبيّصلى الله عليه وآله وهو آخذ بيد فاطمة فقال : من عرف هذه فقد عرفها ، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمّد ، وهي بضعة منّي ، وهي قلبي وروحي الّتي(49) بين جنبيَّ ، فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني
665
فقد آذى اللَّه(50) .
وروى الأصبغ بن نُباتة(51) عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول اللَّهصلى الله عليه وآله : إذا
666
كان يوم القيامة جمع اللَّه الأوَّلين والآخرين في صعيد واحد ، ثمّ فينادى (52)منادٍ من بطنان العرش : إنّ الجليل جلّ جلاله يقول : نكّسوا وغضّوا أبصاركم ؛ فإنّ هذه فاطمة بنت رسول اللَّهصلى الله عليه وآله تريد أن تمرّ على الصراط .
(وعن محمّد بن الحنفية قال : سمعت أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه يقول : دخلت يوماً منزلي فإذا رسول اللَّهصلى الله عليه وآله جالس والحسن رضى الله عنه عن يمينه ، والحسينرضى الله عنه عن يساره ، وفاطمة رضى الله عنه بين يديه وهو يقول : يا حسن! يا حسين! أنتما كفّتا الميزان ، وفاطمة لسانه ، ولا تعتدل الكفّتان إلّا باللسان ، ولا يقوم اللسان إلّا على الكفّتين ، أنتما الإمامان ، ولاُمّكما الشفاعة . ثمّ التفت إليّ وقال : يا أبا الحسن! أنت توفّي اُجورهم ، وتقسم الجنة بين أهلها يوم القيامة(53)) .
وعن أبي سعيد الخدري في حديثه عن النبيّصلى الله عليه وآله انّه مرّ في السماء الرابعة قال : فرأيت لمريم ، ولاُمّ موسى ، ولآسية امرأة فرعون ، ولخديجة بنت خويلد ، قصوراً من ياقوت ، ولفاطمة بنت محمّد سبعين قصراً مرجاناً أحمر مكلّلاً باللؤلؤ ، وأبوابها وأسترتها من عود واحد(54) .
وهذا يسير من بعض مناقبها الّتي لاتستقصى ومفاخرها الّتي تجلّ عن الحصر والعدّ والاستقصاء(55) .
قال الشيخ كمال الدين (بن) طلحة(56) : توفّيت فاطمةعليها السلام ليلة الثلاثاء لثلاث
667
خلون من شهر رمضان المعظّم ، سنة إحدى عشرة من الهجرة(57) ، ودُفنت بالبقيع ليلاً(58) ،
668
وصلّى(59) عليها عليّ بن أبي طالب ، وكبّر عليها خمس تكبيرات ، وقيل : صلّى عليها العباس ، ونزل في حفرتها هو ، وعليّ ، والفضل بن العباس (رض)(60) .
ومن كتاب الذرّية الطاهرة للدولابي قال : لبثت فاطمة بعد وفاة النبيّصلى الله عليه وآله ثلاثة أشهر ثمّ توفّيت(61) .
669
وقال عروة بن الزبير ، وعائشة : لبثت (فاطمة) ستة أشهر . ومثله عن الزهري ، وابن شهاب ، وهو الصحيح(62) .
وقال ابن قتيبة في معارفه : لبثت فاطمة بعد وفاة رسول اللَّهصلى الله عليه وآله مائة يوم(63) .
وحكي أنّ العبّاس دخل على عليّ بن أبي طالب ، وفاطمة الزهراءعليهما السلام وكلّ واحد منهما(64) يقول لصاحبه : أنا أسنّ منك(65) ، فقال العبّاس : ولدتَ يا عليّ قبل أن تبني(66) قريش البيت بسنوات ، وولدت فاطمة (ابنتي) وقريش تبني البيت ورسول اللَّهصلى الله عليه وآله إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة قبل النبوة بخمس سنين(67) .
وعن عمرو بن دينار قال : إنّ فاطمةعليها السلام لم تضحك بعد موت النبيّصلى الله عليه وآله حتّى
670
قُبضت(68) .
وعن عليّعليه السلام قال : إنّ فاطمة بنت رسول اللَّهصلى الله عليه وآله جاءت إلى قبر أبيها بعد موتهصلى الله عليه وآله فوقفت عليه(69) وبكت ثمّ أخذت قبضة من تراب القبر فجعلتها على عينها ووجهها ،
وروى جعفر بن محمّدعليه السلام قال : لمّا ماتت فاطمةعليها السلام كان عليّعليه السلام يزور قبرها في كلّ يوم . قال : وأقبل ذات يوم فانكبّ على القبرِ بكى وأنشأ يقول(80) :
قال(92) الحافظ أبو محمّد عبدالعزيز بن أخضر الجنابذي الحنبلي في كتابه «معالم العترة النبوية ومعارف الأئمة أهل البيت الفاطمية» قال : اُمّ الأئمة(93)
675
فاطمة بنت رسول اللَّهصلى الله عليه وآله واُمّها خديجة بنت خويلد بن أسد(94) تزوّج بها رسول اللَّهصلى الله عليه وآله وهو ابن خمسة وعشرين(95) سنة ، على اثني عشر اُوقية ذهباً(96) ، وعمرها إذ ذاك ثمان وعشرون سنة(97) ، وكانت خديجةرضى الله عنه امرأة حازمة ، لبيبة ،
676
شريفة ، وهي يومئذٍ أوسط قريش نسباً وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، وكلّ قومها قد كان حريصاً على تزويجها(98)، فأبت(99).وعرضتنفسها على النبيّصلى الله عليه وآله وقالت: يا ابن عمّ إنّى (قد )رغبت فيك لقرابتك منّي ، وشرفك في قومك ، وأمانتك عندهم ، وحسن خلقك ، وصدق حديثك . فذكر ذلك لأعمامه ، فخرج معه منهم حمزة بن عبدالمطّلبرضى الله عنه حتّى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فزوّجها منرسول اللَّهصلى الله عليه وآله. وكانت خديجة قبل أن يتزوّج بها رسول اللَّهصلى الله عليه وآله عند عتيق بن عايد بن عبد اللَّه بن عمروبن مخزوم(100)، ويقال: إنّها ولدتله جارية وهي اُمّ محمّد بن صيفي (101)المخزومي، ثمّ تزوّجها بعد عتيق أبو هالة هند بن ذرارة التيمي ، فولدت له هند بن هند(102) ، ثمّ تزوّجها رسول اللَّهصلى الله عليه وآله فولدت له فاطمة ، وولدت غلامين وثلاث بنات ، غير فاطمة وهم : القاسم ، وعبد اللَّه ، واُمّ كلثوم ، وزينب ، ورقية سلام اللَّه عليهم أجمعين(103) .
وعن ابن سعد يرفعه إلى حكيم بن حزام قال : توفيت خديجة (رض) في شهر
677
رمضان سنة عشر من النبوّة(104) فخرجنا بها من منزلها حتّى دفنّاها بالحجون ، فنزل رسول اللَّهصلى الله عليه وآله في حفرتها ولم يكن يومئذٍ صلاة على الجنازة(105) ، قيل : ومتى ذلك يا أبا خالد؟ قال : قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها بعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير . قال : وكانت (رض) أوّل امرأة تزوّجها رسول اللَّهصلى الله عليه وآله وأولاده كلّهم منها ، إلّا إبراهيم فإنّه من (مارية) جاريته القبطية(106) .
وعن ابن إسحاق قال : إنّ خديجة بنت خويلد (رض) وأبا طالب ماتا في عام واحد(107) .
وعن عروة بن الزبير قال : توفّيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة(108) .
وروي مرفوعاً إلى الزهري قال : كانت خديجة (رض) أوّل من آمن برسول اللَّهصلى الله عليه وآله(109) .
وعن ابن شهاب قال : أنزل اللَّه تعالى على رسوله ، القرآن والهدى ، وعنده خديجة بنت خويلد(110) .
وعن عائشة قالت : كان رسول اللَّهصلى الله عليه وآله إذا ذكر خديجة لم يسأم من الثناء عليها
678
والاستغفار لها ، فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة(111) فقلت : لقد عوضّكَ اللَّه من كبيرة السنّ ، قالت : فرأيت رسول اللَّهصلى الله عليه وآله غضب غضباً شديداً فسقط (ما) في يدي وقلت في نفسي : اللّهمّ ان اُذهب غضب رسولك محمّدصلى الله عليه وآله لم أعمد لذكرها بسوء ما بقيت ،