فصل : في ذكر شي‏ءٍ يسير من بديع نظمه ومحاسن كلامه

 


 

561
فمن ذلك قوله عليه السلام‏(1) :

فكن‏(2) معدناً للحلم واصفح عن الأذى
فإنّك لاقٍ‏(3) ما عملت‏(4) وسامع
واحبب‏(5) إذا أحببت حبّاً مقارباً
فإنّك لا تدري متى الحبّ راجع(6)
وابغض إذا أبغضت بغضاً مفارقا(7)
فإنّك لا تدري متى الحبّ نافع(8)


562
ولعليّ عليه السلام‏(9) :

لَئِنْ كُنتُ مُحتاجاً إلى الحلم إنّني
إلى الجهلِ في بعض الأحايين أحْوَج
وَلي فَرَسٌ بالحلم للحلم مُلجَمٌ
وَلِي فَرَسٌ بالجهل للجهل مُسْرَج
وما كنت أرضى الجهل خدناً (10) وصاحبا
ولكنّني أرضى بِهِ حِينَ أحْوَج
وإن قال‏(11) بَعضُ الناس فيه سماجةٌ
فقد(12) صَدقُوا والذلُّ بالحرّ أسْمَج
فإن‏(13) شاء(14) تَقوِيمِي فَإنّي مُقَوَّم
وإن شاء تَعوِيجِي فإنّي مُعوَّجُ(15)
وله عليه السلام‏(16) :
فارقْ تجد عوضاً عمّا تفارقه
فانصب فإنّ لذيذ العيش في النصب
فالاُسد لولا فراق الغاب ما افتُرست
والسهم لولا فراق القوس لم يصب
وله عليه السلام‏(17) :
الصبر من كرم الطبيعه
والمنّ مفسدة الصنيعه
ترك التعاهد للصديق
يكون داعية القطيعه
وله عليه السلام‏(18) :
أحمد ربّي على خصال
خصّ بها سادة الرجال


563

لزوم صبر وخلع كبر
وصون عرض وبذل مال
وقال عليه السلام‏(19) :
عش موسراً إن شئت أو معسرا
لابدّ في الدنيا من الغم
دنياك بالأحزان مقرونةٌ
فلا تقطع الدنيا إلّا بهم
حلاوة دنياك مسمومة
فلا تأكل الشهد إلّا بسم
وقال عليه السلام‏(20) :
محامدك‏(21) اليوم مَذْمُومَةٌ
فَلَا تكسبُ الحمدِ إلّا بِذَم
إذا تَمَّ أمرٌ بَدَا نَقْصُهُ
تَوَقّعْ زَوَالاً إِذا قِيْلِ تم
إذا كنت في نعمة فارعها
فإنّ المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله
فإنّ الإله سريع النقم
فإن تعط نفسك آمالها
فعند مناها تحلّ الندم
فكم عمّن عاش في غفلةٍ(22)
فما حسّ بالموت‏(23) إلّا هَجم
وعن جابر بن عبداللَّه الأنصاري‏رضى الله عنه‏(24) قال : دخلت على عليّ عليه السلام في بعض عِلاته وقد نقه ، فلمّا نظر إليَّ قال : يا جابر من كثَرت نِعَم اللَّه عليه‏(25) كثُرت حوائج الناس إليه ، فإن قام بما أمر اللَّه تعالى عرَّضها للدوام والبقاء ، وإن لم يعمل فيها بما أمر اللَّه تعالى عرَّضها للزوال والفناء ، ثمّ أنشأ يقول :


564

ما أحسن الدنيا وإقبالها
إذا أطاع اللَّه من نالها
من لم يواس الناس من فضله(26)
عرَّض للإدبار إقبالها
فاحذر زوال الفضل يا جابر
واعط من الدنيا(27) لمن سالها
فإنّ ذا العرش‏(28) جزيل العطا
يضعف بالجنة(29) أمثالها
قال جابر : ثمّ هزّ بضبعي هزّة خيّل أنّ عضدي خرجت من كاهلي وقال : يا جابر حوائج الناس إليكم من نِعَم اللَّه عليكم ، فلا تملّوا النِعَم فيحلّ بكم النِقَم ، فاعلموا أنّ خير المال ما اكتسب حمداً أو أعقب أجراً ، ثمّ أنشأ يقول :
لا تخضعن لمخلوق على طمع(30)
فإنّ ذلك وهنٌ منك في الدين
واسأل اِلهك ممّا في خزائنه
فإنّما هي‏(31) بين الكاف والنون
أما(32) ترى كلّ من ترجو(33) وتأمله
من البرية مسكين ابن مسكين
ما أحسن الجود في الدنيا(34) وأجمله
وأقبح البخل فيمن صيغ من طين
قال جابر : فهممت أن أقوم ، قال : انا معك يا جابر ، فلبس نعليه وألقى إزاره على منكبيه وخرجنا نتساير ، فذهب بنا إلى الجبّانة - جبّانة الكوفة - فسلّم على أهل القبور ، فسمعت ضجّة وهجّة فقلت : ما هذا يا أميرالمؤمنين ؟ فقال : هؤلاء بالأمس كانوا معنا واليوم فارقونا ، أتسأل عن أحوالهم فهم إخوانٌ لا يتزاورون وأودّاء لا


565
يتعاودون . ثمّ خلع نعليه وحسر عن ذراعيه وقال : يا جابر اعطوا من دنياكم الفانية لآخرتكم الباقية ، ومن حياتكم لموتكم ، ومن صحّتكم لسقمكم ، ومن غناكم لفقركم ، اليوم أنتم في الدور وغداً في القبور (وإلى اللَّه تصير الاُمور) .
ثمّ انشأ يقول :

سلام على أهل القبور الدوارس
كأنهم لم يجلسوا في المجالس
ولم يشربوا من بارد الماء شربة
ولم ياكلوا ما بين رطب ويابس
ألا فاخبروني أين قبر ذليلكم
وقبر العزيز الباذخ المتنافس
وله عليه السلام‏(35) :
واللَّه لو عاش الفتى من دَهره
ألفاً من الأعوام مالك أمره
متلذذاً (36) فيها بكل هنيئة
ومبلغاً كلّ المنى من دهره
لا يعرف الآلام فيها مرّة
كلّا ولا جرت الهموم بفكره
ما كان ذاك يفيده من عظم ما
يلقى بأوّل ليلة في قبره
وله أيضاً عليه السلام (37) :
أيّ يوم من الموت أفر
يوم لا يقدر أو يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه
ومن المقدور لا ينجو(38) الحذر
وله عليه السلام أيضاً(39) :
إذا عقد القضاء عليك أمراً
فليس يحلّه غير(40) القضاء


566

فما لك قد أقمت بدار ذلٍّ
وأرض اللَّه واسعة الفضاء
ومن نظمه (رضي اللَّه عنه وأرضاه‏(41)) :
صُن النفسَ واحمِلْها على ما يَزينُها
تَعِش سَالماً والقولُ فيكَ جميل
ولا ترين الناس إلّا تجمُّلا
نبا بك دهرٌ أو جفاك خليل
وإن ضاق رزقُ اليوم فاصبر إلى غدٍ
عسى نكباتُ الدهر عنكَ تزول
يعزّ غنيّ النفس إن قلّ ماله
ويغني فقير النفس وهو ذليل
وما أكثر الإخوان حين تعدّهم
ولكنّهم في النائبات قليل
وروي أيضاً(42) عنه أ نّه أتاه رجل وقال له يا عليّ : أخبرني‏(43) ما واجب وأوجب؟ وعجيب وأعجب؟ وصعب‏(44) وأصعب؟ وقريب وأقرب ؟ فأجابه بقوله :
فرضٌ على الناس أن يتُوبُوا
لكِنَّ تَركَ الذُنوب أوجب
والدهرُ في صرفهِ عجيْبٌ
وغَفْلَةُ الناس فِيه أعجب
والصبرُ في النائباتِ صعبٌ
لكنَّ فَوتَ الثوابِ أصعب
وكلّما يُرتَجى‏ قَريبٌ
والموتُ مِن كُلّ ذَاكَ أقرب

(1) انظر روائع الحكم في أشعار الإمام عليّ عليه السلام تقديم وضبط وشرح عبود أحمد الخزرجي : 63 و 64 منشورات الشريف الرضي الطبعة الاُولى‏ .
(
2) في (ب) : وكن .
(
3) في (ج) : لازماً .
(
4) في (ج) : علمت .
(
5) في (ب ، د) : وأحبّ .
(
6) في (ب) : أنت نازع .
(
7) في (ب) : مقارباً .
(
8) في (ب) : أنت راجع .
(
9) روائع الحِكم في أشعار الإمام عليّ عليه السلام : 63 و 64 .
(
10) في (ب) : هدياً ، وفي (د) : شيمتي .
(
11) في (ب) : فان الناس .
(
12) في (أ) : لقد .
(
13) في (ج) : فمن .
(
14) في (أ) : شئت ، وكذلك في عجز البيت .
(
15) في (أ) : معوسج .
(
16) ديوان الإمام عليّ عليه السلام : 176 .
(
17) المصدر السابق : 146 .
(
18) المصدر السابق : 136 .
(
19) المصدر السابق : 147 .
(
20) انظر روائع الحِكم في أشعار الإمام عليّ عليه السلام : 84 .
(
21) في (ج) : دنياك .
(
22) في (أ) : نعمة .
(
23) في (ج ، ب) : فلم يشعر الناس حتّى .
(
24) انظر مناقب الخوارزمي : 369 ، وديوان الإمام عليّ عليه السلام : 117 و 120 .
(
25) في (د) : عليك .
(
26) في (أ) : فضلها .
(
27) في (ب ، ج) : دنياك .
(
28) في (أ) : العرض .
(
29) في (ج ، د) : الحبّة .
(
30) في (ب) : ثقة .
(
31) في (أ) : فإنّ ذلك .
(
32) في (أ) : ألا .
(
33) في (ب) : ترى .
(
34) في (ج) : في الدين .
(
35) انظر ديوان الإمام عليّ عليه السلام : 109 . وفي (أ) : وقال .
(
36) في (أ) : متلذذ .
(
37) ديوان الإمام عليّ عليه السلام : 116 .
(
38) في (أ) : يرجى .
(
39) ديوان الإمام عليّ عليه السلام : 200 .
(
40) في (أ) : إلّا .
(
41) انظر ديوان الإمام عليّ عليه السلام : 104 ، وكذلك من روائع الحكم في أشعار الإمام عليّ عليه السلام : 19 ، وقد وردت أيضاً في ديوان الشافعي : 70 مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ مثل : «تولين» بدل «ترين» كما في نسخة (ب) ، و «دهراً» بدل «دهرٌ» كما في نسخة (د) .
(
42) انظر روائع الحِكم في أشعار الإمام عليّ عليه السلام : 177 ، ديوان الإمام عليّ عليه السلام : 96 .
(
43) في (أ) : أخبر .
(
44) في (أ) : صعيب .

الصفحة السابقة

الفُصُولُ المُهمّة 1

طباعة

الصفحة اللاحقة