|

|
فصل : في ذكر شيءٍ من شجاعته(1)
|
|
أمّا شجاعته فكانت ظاهرةً على أعطافه ، مشهورةً(2) معروفةً من نعوته وأوصافه، وأول ذلك : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لمّا بايع طائفةً من الأنصار بيعة العقبة الاُولى (3)وكانوا ستّة(4) أنفسٍ،منهم: بشير بنسعد(5)، وحارثة بن النعمان(6)، وسعد بنعبادة الصامت(7) ، وعبداللَّه بن رواحة(8) .
فلمّا كان في العام القابل(9) أقبل اُولئك الستّة ومعهم ستّة آخرون ، وهم(10) : بشير بنزيد(11) ، والبرّاء بن معرور(12) ، وعبداللَّه بن أنيس(13) ، وسهل بن زيد(14)، وعبادة بن الصامت(15) ، والهيثم(16) . فلقوا النبيّصلى الله عليه وآله عند العقبة ، وبايعوه (17)على أنّهم لا يُشركون باللَّه شيئاً ، ولا يسرقون ، ولا يزنون ، ولا يقتلون النفس الّتي حرّم اللَّه إلّا بالحق ، ولا يأتون ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ، ولا يعصونه في معروف ، فقالوا: يا رسول اللَّه ، إن تركنا من هذه الشرائع واحدةً ماذا يكون ؟ فقال النبيّ : يكون الأمر في ذلك إلى اللَّه عزّوجلّ : إن شاء عفا وإن شاء عذّب . فقالوا : رضينا يا رسول اللَّه فابعث معنا رجلاً من أصحابك يقرأ علينا القرآن ، ويعلّمنا شرائع الإسلام ، فبعث معهم النبيصلى الله عليه وآله مصعب بن عمير(18) بن هاشم ليقرئهم القرآن ويعلّمهم شرائع الإسلام،والناس يؤمنون الواحد بعد الواحد، والرجل بعد الرجل ، والمرأة بعد المرأة.
فلمّا كان فى العام الثالث(19) - وهي(20) البيعة الأخيرة الّتي بايعه فيها منهم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان - بايعوا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على أن يمنعوه ممّا يمنعون نساءهم وأبناءهم وأنفسهم ، فاختار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله منهم اثني عشر نقيباً ، وانصرفوا إلى المدينة ، فصار كلّما اشتدّ البلاء على المؤمنين بمكّة يستأذنون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في الهجرة إلى المدينة فيأذن لهم ، فيخرجون أرسالاً متسلّلين أوّلهم فيما قيل : أبو سلمة بن عبدالأسد المخزومي(21) ، وقيل : أوّلهم مصعب بن عمير(22) ، فعند قدومهم المدينة على الأنصار أكرموهم وأنزلوهم في دورهم ، وآووهم ونصروهم وواسوهم .
فلمّا علم المشركون بذلك وأ نّه صار للمسلمين دار هجرة وأنّ أكثر من أسلم قد هاجر إليها شقّ عليهم ذلك ، فاجتمع رؤساء قريش بدار الندوة(23) وكانت موضع مشورتهم لينظروا ما يصنعوا بالنبيّ ، وكانوا عشرة(24) ، وهم : شيبة(25) وعتبة(26) ابنا ربيعة ، ونبيه(27) ومنبّه(28) ابنا الحجّاج ، واُبيّ(29) واُمية(30) ابنا خلف ، وأبو جهل ابن هشام(31) ، ونضر(32) بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط(33) ، فهؤلاء العشرة(34) اجتمعوا للمشورة . فجاءهم إبليس في صورة الشيخ النجدي عليه جبّة صوف وبرنس أخضر ، وفي يده عكاز يتوكّأ عليه ، فقال لهم : قد بلغني اجتماعكم لمشورتكم فأحببت أن أحضركم فما تعدمون منّي رأياً حسناً ، فأدخلوه معهم .
وأوّل(35) من تكلّم عتبة بن ربيعة(36) ، فقال : الرأي أن تحبسوا محمّداً في بيتٍ مغلق ، ليس لها غير طاقة واحدة(37) ، يدخل منها طعامه وشرابه ، وتربّصون(38) به ريب المنون . فقال الشيخ النجدي : ليس هذا برأي(39) ، فإنّ له عشيرة ، فتحملهم الحميّة على أن لا يمكّنوا من ذلك فتتقاتَلوا ، فقالوا : صدق الشيخ .
فقال شيبة بن ربيعة : الرأي أن تركبوا محمّداً جملاً شروداً قد شددتموه بالافشاع(40) عليه ، وتطلقوه نحو البادية ، فيقع على أعراب جفاة ، فيكدر عليهم بما يقول ، فيكون هلاكه على يد غيركم ، فتستريحون منه . فقال الشيخ النجدي : بئس الرأي ، تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم وجهّالكم فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم ويستعذبهم(41) بعذوبة لفظه وطلاقة لسانه ؟ ! لئن فعلتم ليجمعنّ الناس عليكم جمعاً ، ويقاتلكم بهم ، ويخرجكم من دياركم ، فقالوا : صدق الشيخ .
فقال أبو جهل : لاشيرنّ عليكم برأي لا رأي غيره ، وهو أن تأخذوا من كلّ بطن من قريش غلاماً وسطاً ، وتدفعوا إلى كلّ غلامٍ سيفاً ، فيضربوا محمّداً ضربة رجل واحد ، فإذا قتلوه يفرّق دمه في قبائل قريش كلّها فلا يقدر بنو هاشم على حرب قريش كلّها ، فيرضون بالعقل فيعطوهم عقله ، وتخلصوا منه . فقال الشيخ النجدي : هذا هو الرأي وقد صدق فيما قال وأشار به ، وهو أجود آرائكم ، فلا تعدلوا عنه ، فتفرقّوا على رأي أبي جهل ، مجتمعين على قتل النبيّ صلى الله عليه وآله .
فأتى جبرئيل عليه السلام إلى النبىّ صلى الله عليه وآله وأخبره بذلك ، وأمره ان ( لا ) يبيت في موضعه الّذي كان ينام فيه ، وأذن اللَّه تعالى في الهجرة ، فعند ذلك أخبر عليّاً باُمورهم ، وأمره أن ينام عوضه في(42) مضجعه على(43) فراشه الّذي كان ينام فيه ، وقال له : لن يصل إليك منهم أمرٌ تكرهه(44) ، ووصّاه بحفظ ذمتّه وأداء أمانته ، ظاهراً على أعين الناس ، وكانت قريش تدعو النبيّ صلى الله عليه وآله في الجاهلية بالأمين .
وأمره أن يبتاع رواحل له وللفواطم : فاطمة بنت النبي(45) صلى الله عليه وآله ، وفاطمة بنت أسد(46) اُمّ عليّ كرّم اللَّه وجهه ، وفاطمة بنت الزبير بن عبدالمطّلب(47) ، ولم يهاجر معه من بني هاشم ومن ضعفاء المؤمنين ( أحد )وقال لعليّ : إذا أبرمت ما أمرتك به كن على أهبّة الهجرة(48)إلى اللَّه ورسوله ، وسر لقدوم كتابي عليك(49) . ثمّ خرج عنه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقال له : إذا جاءك أبو بكر فوجّهه خلفي نحو بئر اُمّ ميمون وكان ذلك في فحمة العشاء ، والرصد من قريش قد أطافوا بالدار ينتظرون أن ينتصف الليل وينام الناس ، فأخذ النبيّ صلى الله عليه وآله قبضة من تراب وقرأ عليها(50) . وحثاها في وجوههم ، فخرج فلم يروه .
ونام عليّ عليه السلام على فراشه . فدخل عليه أبو بكر ( رض ) وهو يظنّه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال له عليّ إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله خرج نحو بئر اُمّ ميمون(51) وهو يقول لك : أدركني فلحقه ، أبو بكر ( رض ) ومضيا جميعاً يتسايران حتّى أتيا جبل ثور فدخلا الغار واختفيا فيه وجاءت العناكب الذكور والإناث من أسفل الغار يستقبل بعضها بعضاً حتّى نسجت على الغار نسج أربع سنين في ساعة واحدة ، وأقبلت حمامتان من حمام مكة حتّى سقطتا جميعاً على باب الغار وباضت الاُنثى منهما من ساعتها بقدرة اللَّه وحضنت على البيض. وذهب من الليل ما ذهب وعليّ ( رض ) نائم على فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والمشركون يرجمونه(52) ، فلم يضطرب ولم يكترث ، ثمّ أ نّهم تسوّروا عليه ودخلوا شاهرين سيوفهم ، فثار في وجوههم فعرفوه فقالوا : هو أنت ؟ ! أين صاحبك(53) ؟ فقال : لا أدري ، فخرجوا عنه وتركوه ، ولم يصل إليه منهم مكروه وكفاه اللَّه شرّهم .
قال بعض أصحاب الحديث : وأوحى اللَّه تعالى إلى جبرئيل وميكائيل أن انزلا إلى عليّ عليه السلام واحرساه في هذه الليلة إلى الصباح ، فنزلا إليه وهما يقولان : بخٍ بخٍ مَن مثلك يا عليّ قد باهى اللَّه تعالى بك ملائكته(54) .
وأورد الإمام حجّة الإسلام أبو حامد محمّد ابن الغزالي(55) رحمه اللَّه تعالى في كتاب «إحياء علوم الدين» أنّ ليلة بات عليّ بن أبي طالب على فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أوحى اللَّه تعالى إلى جبرئيل وميكائيل : أنيّ آخيت بينكما ، وجعلت عُمْرَ أحدكما أطول من عُمْرَ الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختارا كلاهما الحياة وأحبّاها ، فأوحى اللَّه تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب حين آخيت بينه وبين محمّدٍ فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه ، وكان(56) جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ينادي ويقول : بخٍّ بخٍّ مَن مثلك يا ابن أبي طالب ؟ يباهي اللَّه بك الملائكة ، فأنزل(57) اللَّه عزّوجلّ : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفُ بِالْعِبَادِ) (58) .
وفي تلك الليلة أنشأ عليّ كرّم اللَّه وجهه يقول(59) :
وقيتُ بنفسي خيرَ من وطئ الثرى
وأكرم خلقٍ طاف بالبيت والحجر
وبِتُّ اُراعي منهُمُ ما يسوؤني
وقد صَبَرت نفسي على القتل والأسر
وباتَ رسول اللَّهِ في الغار آمناً
ومازال في حفظ الإله وفي السرّ
(60)
فهذا ممّا يشهد له بقوّة جنانه ، وثبات أركانه ، وتبريزه على نظرائه(61) وأقرانه ، من أبطال الحرب وشجعانه .
ومن كلام بعضهم : واعجباه ! هذا فداه بنفسه من الكفّار ، وهذا ساواه بنفسه في الغار ، وهذا آنسه في مسيره ، وهذا بات على سريره ، وهذا أنفق ماله عليه ، وهذا بذل مهجته بين يديه ، وكلّ(62) منهما سعيه مشكور ، وفضله مشهور ، وهو على صنيعه مثاب ومأجور(63) .
قال(64) : وأصبحت(65) قريش وقد خرجوا في طلب النبيّ صلى الله عليه وآله يقصون أثره في شعاب مكّة وجبالها ، فلم يتركوا موضعاً ، حتّى أ نّهم وقفوا على باب الغار الّذي فيه النبيّ صلى الله عليه وآله ، فوجدوا العنكبوت ناسجاً على بابه ، ووجدوا حمامتين وحشيّتين قد نزلتا بباب الغار ، وباضتا وفرختا ، فقال لهم عتبة بن ربيعة : ما وقوفكم هاهنا ، لو دخل محمّد هذا الغار لخرق هذا النسج الّذي ترون ولطارت الحمامتان ، وجعل القوم يتكلّمون . فحزن أبو بكر وخاف ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله : يا أبا بكر ، نحن اثنان واللَّه
ثالثنا ، فما ظنّك باثنين اللَّه ثالثهما ؟ لاتحزن إنّ اللَّه معنا ، وسيُقتل عامّة
من ترى ببدر
إن شاء اللَّه تعالى(66) . فضرب اللَّه على وجوه القوم فانصرفوا .
نقل المسعودي - في شرحه لمقامات الحريري(67) عند ذكره طوق الحمامة في المقامة الأربعين - عن أبي مصعب المكي قال : أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة رضي اللَّه عنهم ، فسمعتهم يتحدّثون في أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ليلة الغار ، فقالوا : بعد أن دخل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الغار ( و ) معه أبو بكر أمر اللَّه سبحانه وتعالى شجرةً فَنَبَتَتْ على فم الغار قبالة وجه النبيّ صلى الله عليه وآله ، وأمر حمامتين وحشيّتين فنزلتا بباب الغار ، وأقبل فتيان قريش من كلّ بطنٍ رجل بعِصيّهم وبهراواهم(68) وسيوفهم على عواتقهم ، حتّى إذا كانوا قريباً من الغار ونظروا إلى الحمامتين بباب الغار فرجعوا ، وقالوا : لا ننظر بالغار غير حمامتين وحشيّتين ، ولو كان به أحد لطارتا ، فسمت(69) النبيّصلى الله عليه وسلم حينئذٍ على الحمَام ، وفرض جزاءهنّ في قتلهنّ في الحرم ، فكنّ في الحرم آمنات .
قوله : «سمت على الحمَام» يعني : قال لهنّ : بارك اللَّه عليكنّ ، يقال : سمت له أي إذا دعا له بالبركة(70) ، انتهى .
وما أحسن قول الفيّومي(71) في تخميسه للبردة :
هذا الحمَام بباب الغار قد نزلا
والعنكبوت حكت من نسجها حللا
فالصاحبان هنا يا قوم ما دخلا
ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت علا
خير البريّة لم تنسج ولم تحم
قال : وأقام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ثلاثة أيّام بلياليها في الغار ، وقريش يطلبونه فلا يقدرون عليه ، ولا يدرون أين هو ؟ وأسماء بنت أبي بكر تأتيهما ليلاً بطعامها وشرابهما .
قال : فلمّا كان بعد الثلاثة الأيام أمرها النبيّ صلى الله عليه وآله ( أن تذهب ) إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال لها : أخبريه بموضعنا ، وقولي له يستأجر لنا دليلاً ، ويأتينا معه بثلاثة من الإبل بعد مضيّ من الليلة الآتية . قال : فجاءت أسماء إلى عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه فأخبرته بذلك ، فأستأجر لهما عليّ رضى الله عنه عند ذلك رجلاً يقال له : الاُريقط بن عبداللَّه الليثي ، وأرسل معه بثلاثٍ من الإبل ، فجاء بهنّ إلى أسفل الجبل ليلاً ( بعد ما مضى من الليلة الآتية(72) قليلاً ) .
قال : وسمع النبيّ صلى الله عليه وآله برغاء الإبل ، فنزل من الغار هو وأبو بكر إليه فعرفاه ، فعرض عليه النبيّصلى الله عليه وسلم الإسلام ، فقيل : أسلم . وقيل : إنّه لم يسلم ، وجعل يشدّ على الإبل أرحالها(73) وهو يرتجز ويقول :
شدّا العرى على المطيّ وأخرما
(74)
وودّعا غاركما والحرما
وشمّرا هديتما وسلّما
للَّه هذا الأمر حقّاً فاعلما
سينصر اللَّه النبيّ المسلما
قال : وركب النبيّصلى الله عليه وسلم وركب أبو بكر وركب الدليل وساروا ، فأخذ بهم الدليل أسفل مكّة ، ومضى بهما على طريق الساحل ، فاتصل الخبر بأبي جهل ( في )
ثاني يوم ، فنادى في أهل مكّة فجمعهم ، وقال : إنّه بلغني أنّ محمّداً قد مضى نحو
يثرب على طريق الساحل ومعه رجلان آخران ، فأيّكم يأتيني بخبره ؟ قال : فوثب سراقة بن مالك بن جعثم المدلجي أحد بني كنانة فقال : أنا لمحمّد يا أبا الحكم .
ثمّ إنّه ركب راحلته واستجنب فرسه ، وأخذ معه عبداً له أسود ، كان من الشجعان الموصوفين المشهورين ، فسار( ا ) في أثر النبيّصلى الله عليه وسلم سيراً عنيفاً نحو الساحل فلحقا به . قال : فالتفت أبو بكر فنظر إلى سراقة بن مالك مقبلاً ، فقال : يا رسول اللَّه قد دُهِينَا ، هذا سراقة بن مالك قد أقبل في طلبنا ومعه غلامه الأسود المشهور فلان ، فلمّا أبصرهم سراقة نزل عن راحلته وركب فرسه ، وتناول رمحه ، وأقبل نحوهم ، فلمّا قرب منهم قال النبيّصلى الله عليه وسلم : اللّهمّ أكفنا أمر سراقة بما شئت وكيف شئت وأ نّى شئت . قال : فساخت(75) قوائم فرسه في الأرض حتّى لم يقدر الفرس أن يتحرّك .
قال : فلمّا نظر سراقة إلى ذلك هاله فرمى بنفسه عن الفرس إلى الأرض ورمى برمحه وقال : يا محمّد أنت آمِن أصحابك فادعُ ربّكَ أن يطلق لي جوادي ولك عليّ عهد وميثاق أن أرجع عنك ولا عليك منّي ( فزع ) فرفع النبيّ صلى الله عليه وآله يديه إلى السماء وقال : اللّهمّ إن كان صادقاً فيما يقول فأطلق له جواده .
قال : فأطلق اللَّه تعالى قوائم فرسه حتّى وقف على الأرض صحيحاً سليماً ، فأخرج سراقة سهماً من كنانته ودفعه إلى النبيّصلى الله عليه وسلم وقال : يا محمّد خذ هذا السهم معك فإنّك ستمرّ بإبل لي فيها غلام لي يرعاها ( أمامك )خذ منها ما شئت فادفع إليه السهم واستعر من أباعري بعيراً أو بعيرين ما أردت توصل به ، ولي غنم أيضاً ترعى أمامك خذ منها ما شئت فاذبحه ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله : على أنك تؤمن باللَّه وتشهد بشهادة الحقّ في وقتك هذا ، فقال : يا محمّد أما الآن فلا ، ولكنّي أصرف عنك الناس ، فقال النبيّصلى الله عليه وسلم : إذا بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في مالك(76) .
قال : وانصرف سراقة راجعاً إلى مكة ، وسار النبيّصلى الله عليه وسلم يريد يثرب ، فلمّا رجع سراقة إلى مكّة اجتمع إليه أهلها وقالوا : أخبرنا ما وراءك يا سراقة ؟ فقال : ما رأيت لمحمّد أثراً ولا سمعت عنه(77) خبراً ، والإبل الّتي بلغتكم أ نّها متوجّهة نحو يثرب إبللعبد القيس ، فقال أبو جهل : أما واللات يا سراقة، إنّ نفسي تحدّثني أ نّك رأيت محمّداً ولحقت به، ولكنّه خدعك فانخدعت، ودعاك فأجبت ، قال : فتبسّم سراقة من قول أبي جهل وقال : أما إنّك لو عاينت من فرسي هذا ما عاينت لصرفت عنّي كلامك ، ونهض عنهم قائماً.
ثمّ إنّه بعد ذلك أخبرهم بقصّته مع النبيّصلى الله عليه وسلم قال : ومضى النبيّصلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر والدليل بين أيديهما حتّى أخذ بهما أسفل عسفان ، ثمّ خرج بهما على قديد ، ثمّ على الفجاج ، ثمّ سار بهما إلى أن قربا من المدينة ، والأوس والخزرج قد بلغهم خروج النبيّصلى الله عليه وسلم من مكة يريد يثرب . وكانوا يخرجون كلّ يوم إذا صلّوا الظهر (78)إلى ظاهر الحرّة يجلسون هناك ينتظرون قدومهصلى الله عليه وسلم فلا يزالون كذلك حتّى يبلغ منهم حرّ الشمس ، فإذا لم يروا شيئاً رجعوا إلى منازلهم .
قال : فوصل رسول اللَّهصلى الله عليه وسلم إلى قبا يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل ، ونزل على كلثوم بن الهرم(79) أخي بني عمرو بن عوف وقال قوم : نزلوا على سعد بن خيثمة ، والصحيح أ نّه نزل على كلثوم بن الهرم ، غير أ نّه كان إذا خرج
من منزل كلثوم يجلس للناس في منزل سعد بن خيثمة وراودوه الدخول إلىالمدينة فقال : ما أنا بداخلها حتّى يقدم ابن عمّي وابنتي - يعني علياً وفاطمة رضي اللَّه عنهما - .
قال أبو اليقظان : ولمّا وصل رسول اللَّهصلى الله عليه وآله وسلم إلى قبا حدّثنا بما أرادت به قريش من المكر ، ومن مبيت عليّ على فراشه ، وبين مؤاخاة اللَّه بين جبرئيل وميكائيل ، وجعل عُمْرَ أحدهما أطول من عمر الآخر . . . الحديث المقدّم بتمامه كما ذكره صاحب الكشّاف أيضاً .
قال : وكتب النبيّ صلى الله عليه وآله إلى عليّ عليه السلام يأمره بالمسير إليه والمهاجرة هو ومَن معه ، وكان عليّ كرّم اللَّه وجهه بعد أن توجّه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قام صارخاً بالأبطح ينادي : مَن كان له قِبل محمّد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أمانة فليأت تردّ إليه أمانته وقضى حوائجه وجميع اُموره . وابتاع ركايب وأجمالاً بسبب المهاجرة ، ولم يكن ينتظر غير ورود كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فلمّا ورد عليه الكتاب خرج بالفواطم وخرج معه أيمن بن اُمّ أيمن مولى النبيّ صلى الله عليه وآله وجماعة من ضعفاء المؤمنين ومعهم ( اُمّ ) أيمن أيضاً ، فأتوا النبيّصلى الله عليه وآله وسلم وهو نازل بقبا على بني عمرو بن عوف لم يدخل المدينة .
فلما أن جاؤوا خرج من قبا يوم الجمعة بجمع من بني سالم ومَن معه من المسلمين وهم يومئذٍ مائة رجل ، ثمّ ركب ناقته وجعل الناس يكلّمونه فى النزول عليهم ويأخذون بخطام الناقة فيقولصلى الله عليه وسلم : خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة . فبركت عند موضع مسجد (80)رسول اللَّهصلى الله عليه وسلم وهو يومئذٍ يصلّي فيه رجال من المسلمين وهو مِرْبَد(81) لسهل وسهيل غلامين من بني مالك بن النجّار اشتراه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بعشرة دنانير ، وقيل : امتنعوا من بيعه وبذلوه للَّه عزّوجلّ ، وهو الصحيح ، فاتخذه رسول اللَّهصلى الله عليه وسلم مسجداً(82)
وهو مكان مسجده اليوم . وهذا تفصيل شيء من مواقف أبي الحسنرضى الله عنه ومواطن جهاده الّتي قام فيها بالفروض والسنن .
فمنها : ما كان مع رسول اللَّهصلى الله عليه وآله وسلم وذلك ( كانت ) على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدمه(83) إلى المدينة الشريفة وَعُمرُ عليّ ( رض ) إذ ذاك سبع وعشرة(84) ، سنة فاتفقت غزوة بدر الّتي أردت بالشرك فَقَصَمتْ مطاه وفصمت عراه ، فيومها يوم خصّه اللَّه تعالى بإبدار بدره ، وبشّرت بالنصر تباشير فجره ، ونزلت فيه الملائكة المسمومة لامداد نصره ، وانقسمت جموع المشركين يومئذٍ إلى مجدول بقتله(85) ومخذول بأسره . فكان عليّ ( رض ) خائضاً لجج غمراته بقلب لا ينحرف ، وقدم إقدام لا ينصرف ، يَقُطُّ بشبا(86) سيفه رقاب الهامّ قَطَّ الأقلام .
فكان عدّة من قَتل عليّ كرّم اللَّه وجهه من مقاتلة المشركين على ما قيل في المغازي أحداً وعشرين قتيلاً ، منهم مَن اتفق الناقلون على انفراده بقتله وهم تسعة : وليد بن عتبة بن ربيعة ، خال معاوية بن أبي سفيان قتله مبارزةً وكان شجاعاً جريئاً(87) فتّاكاً(88) وقّاحاً تهابه الأبطال ، والعاص بن سعيد بن العاص بن اُمية وكان هولاً عظيماً من الرجال المعدودين ، وعامر بن عبداللَّه ، ونوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش وكان من أشدّ الناس عداوةً للنبيّصلى الله عليه وسلم ، وكانت قريش تقدّمه وتعظّمه(89) ولمّا عرف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حضوره سأل اللَّه أن يكفيه أمره ( وقال صلى الله عليه وآله : اللّهمّ أكفني نوفلاً )
فقتله عليّ بن أبي طالب ( رض ) ، ومسعود بن اُمية بن المغيرة ، وأبو قيس بنالفاكه(90) ، وعبداللَّه بن المنذر بن أبي رفاعة ، والعاص بن منبّه بن الحجّاج ، وحاجب بن السائب(91) .
وأمّا الّذين شارك(92) في قتلهم غيره فهم أربعة : حنظلة بن أبي سفيان بن حرب أخو معاوية، وعبيدة بنالحارث، وزمعة(93) وعقيل ابنا(94) الأسود بن ( عبد )المطّلب(95) . وأمّا المختلف فيهم فسبعة وهم(96) : طعيمة(97) بن عدي بن نوفل وكان من رؤوس أهل الضلال ، وعمر بن عثمان بن عمر ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو العاص بن قيس ، وأوس الجمحي ، وعقبة بن أبي معيط ( صبرا ) ، ومعاوية بن عامر .
فهذه عدّة من قتله عليّ كرّم اللَّه وجهه يوم بدر . وأجمع أهل الغزوات على أنّ عدّة من قُتل من مقاتلة المشركين يوم بدر سبعون رجلاً(98) .
وروي عن أبي رافع مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : لمّا أصبح الناس يوم بدر اصطفّت قريش أمامها عتبة بن ربيعة وأخاه شيبة وابنه الوليد ، فنادى عتبة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ( فقال ) : يا محمّد،أخرج إلينا أكفاءنا من قريش ، فبدر إليه(99)
ثلاثة من شبّان الأنصار(100) ، فقال لهم عتبة : من أنتم ؟ فانتسبوا له ، فقال لهم : لا حاجة لنا (101)إلى(102) مبارزتكم ، إنّما طلبنا بني عمّنا ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله للأنصار : ارجعوا إلى مواقفكم ، ثمّ قال : قم يا عليّ ، قم يا حمزة ، قم يا عبيدة ، قاتلوا على حقّكم الّذي بُعث به نبيّكم . إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور اللَّه ، فقاموا فصفّوا ( للقوم ) في وجوههم وكان على رؤوسهم(103) البيض ، فلم يعرفوهم .
فقال لهم عتبة : يا هؤلاء تكلّموا ، فإن كنتم أكفاءنا قاتلناكم ، فقال حمزة : أنا حمزة بن عبدالمطّلب أسد اللَّه وأسد رسوله ، فقال عتبة : كفوّ كريم . وقال عليّ : أنا عليّ بن أبي طالب ( بن عبدالمطّلب ) وقال عبيدة : أنا عبيدة بن الحارث بن عبدالمطّلب ، فقال عتبة لابنه الوليد : قم يا وليد ، ابرز لعلي ( فبرز إليه ) وكانا إذ ذاك أصغر الجماعة سنّاً ، فاختلفا بضربتين(104) ، أخطأت ضربة الوليد ووقعت ضربة عليّ ( على ) اليد(105) اليسرى من الوليد فأبانتها ، ثمّ ثنّى عليه باُخرى فجدله صريعاً(106) .
وروي عن عليّ عليه السلام أ نّه كان إذا ذكر(107) بدراً وقتله
الوليد قال في حديثه : كأ نّي أنظر إلى وميض خاتمه في شماله ، عندما اُبينت يده
منه وبها أثر من خَلوق فعلمت أ نّه قريب عهدٍ بعرس(108) .
ثمّ بارز(109) عتبة حمزة فقتله حمزة ، وبارز(110) عبيدة شيبة وكانا من أسنّ القوم، فاختلفا بضربتين فأصاب ذبال(111) سيف شيبة عضلة ساق عبيدة فقطعتها ، فاستنقذه عليّ وحمزة منه وقتلا شيبة ، فحُمل عبيدة ( من مكانه )فمات بالصفراء رحمه اللَّه تعالى .
ومنها : غزوةاُحد(112) في شوّال سنة ثلاث منالهجرة ، وتلخيص القول في هذهالقصّة : أنّ أشراف قريش لمّا كُسِروا يوم بدر وقُتِلَ بعضهم واُسِرَ بعضهم دخل الحزن على أهل مكة بقتل رؤسائهم وأشرافهم ، فتجمّعوا وبذلوا أموالاً ، واستمالوا جمعاً من الأحابيش من كنانةَ وغيرهم ليقصدوا النبيّ صلى الله عليه وآله بالمدينة لاستيصال المسلمين ، وتولّى ذلك أبو سفيان بن حرب فجنّد الجنود وحشّد وقصد المدينة ، فخرج
النبيّ صلى الله عليه وآله بالمسلمين فاتفق(113) النفاق بين جماعة من الّذين خرجوا مع النبيّ صلى الله عليه وآله ، فرجع قريب من ثلثهم(114)، وبقى مع النبيّ صلى الله عليه وآله سبعمائة(115) من المسلمين .
وهذه القصّة ذكرها اللَّه تعالى في سورة آل عمران في قوله تعالى : ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (116) ) إلى آخر ستين آية ، واشتدّت الحرب ودار( ت ) رحاها واضطرب المسلمون ، واستشهد حمزة وجماعة من المسلمين وقُتل من مقاتلة المسلمين ، اثنان وعشرون قتيلاً .
ونقل أصحاب المغازي(117) أنّ علياً قتل منهم سبعة هم : طلحة بن
أبي طلحة بن عبدالعزّى ، وعبداللَّه بن جميل من بني عبدالدار ، وأبو الحكم بن
الأخنس ، وسباغ بن عبدالعزّى ، وأبو اُمية بن المغيرة ، هؤلاء الخمسة متفق على
أنّ علياً قتلهم . وأبو سعد طلحة بن طليحة ، وغلام(118)
حبشي مولى لبني عبدالدار مختلف فيهما . وعاد أبو سفيان ومن معه من المشركين
طالبين مكة(119) .ودخل(120) النبيّ صلى الله عليه وآله المدينة فدفع سيفه ذا الفقار(121) إلى فاطمة رضي اللَّه عنها فقال : اغسلي عن هذا دمه يا بنية ، فواللَّه لقد صدقني اليوم . وناولها عليّ ( رض ) ( سيفه (122)) وقال لها مثل ذلك(123) .
وروى محمّد بن إسحاق أنّ علياً ( رض ) لمّا فرغ من القتال ناول سيفه فاطمة وأنشد يقول(124) :أفاطم هاكِ السيف غيرَ ذَميم
فلستُ برعديدٍ ولا بمُليم
(125)
لَعَمري لقد أعذَرْتُ في نصر أحمدٍ
وطاعة ربٍّ بالعباد عليم
(126)
وقال ابن إسحاق : ( و ) في هذا اليوم هاجت ريح فسمع هاتفاً يقول(127)
:
لا سيف إلّا ذوالفقار
ولا فتى إلّا علي
فابكوا الولي ابن الولي
وأنشد الخطيب ضياء الدين أخطب خوارزم الموفق بن أحمد الخوارزمي ، ثمّ المكّي رحمة اللَّه تعالى عليه(129):
أسد الإله وسيفه وقناته
كالظفر يوم صياله والناب
جاء النداء من الإله وسيفه
بدم الكماة يسح في تسكاب
لا سيف إلّا ذوالفقار ولا فتى
إلّا عليّ هازم الأحزاب
فكان السيف لمنبه بن الحجّاج السهمي ، كان مع ابنه العاص بن منية يوم بدر ، فقتله عليّ ( رض ) وجاء بالسيف إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فأعطاه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله علياً بعد ذلك فقاتل به دونه يوم اُحد .
ويروى أنّ بلقيس أهدت إلى سليمان عليه السلام سبعة أسياف كان ذوالفقار منها ، وقد جاء في بعض الروايات عن عليّ بن أبي طالب ( رض ) أ نّه قال : جاء جبرئيل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله فقال له : إنّ صنماً باليمن مفغر في الحديد فابعث إليه فادققه وخذ حديده(130) . وقال عليّ ( رض ) : فدعاني رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وبعثني إليه فذهبت ودققت الصنم وأخذت الحديد فجئت به إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله واستضرب(131) منه سيفين ، فسمّى أحدهما ذوالفقار ، والآخر مخذماً ، فتقلّد رسول اللَّه ذوالفقار وأعطاني مخذماً ، ثمّ أعطاني بعد ذلك ذوالفقار فرآني وأنا اُقاتل به دونه يوم اُحد فقال :
لا سيف إلّا ذوالفقار
قال الواقدي في المغازي(133) :
إنّه لمّا سافر(134) الناس يوم اُحد ما زال النبيّ صلى الله عليه وآله شبراً واحداً ، بل مرّة يرمي عن قوسه ، ومرّة يضرب بسيفه ، ومرّة يرمي بالحجارة(135) .
وصبر معه أربعة عشر رجلاً ، سبعة من المهاجرين ، وسبعة من الأنصار . أبو بكر ، وعبدالرحمن بن عوف ، وعليّ بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيداللَّه ، وأبو عبيدة بن الجرّاح ، والزبير بن العوّام ، فهولاء من المهاجرين . ومن الأنصار : الحباب بن المنذر ، وأبو دجانة ، وعاصم بن ثابت ، والحارث بن الصمت ، وسهل بن حنيف ، واُسيد(136) بن حضير(137) ، وسعد(138)
بن معاذ(139) . ويقال : ثبت ابن سعد بن عبادة ، ومحمّد بن مسلمة .
وبايعه يومئذٍ ثمانية على الموت ، ثلاثة من المهاجرين ، وخمسة من الأنصار : الزبير ، وطلحة ، وأبو دجانة ، والحارث بن الصمت ، وحباب بن المنذر ، وعاصم بن ثابت ، وسهل بن حنيف ، ولم يقتل منهم أحد ، واُصيبت(140) يومئذٍ عين قتادة بن النعمان حتّى وقعت على خدّه قال : فجئت إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وقلت : يا رسول اللَّه! إنّ تحتي امرأة شابّة جميلة اُحبّها وتحبّني وأنا أخشى أن تقذر مكان عيني . قال : فأخذها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فردّها فأبصرتُ بها ، وعادت أحسن ممّا كانت . لم تؤلمني ساعة من الليل أو نهار ، وكان يقول بعد ما أن أسنّ هي أقوى عينيَّ وأحسنهما(141) .
وعن ابن عباس ( رض ) قال : خرج طلحة بن أبي طلحة يوم اُحد وكان(142) صاحب لواء المشركين فقال : يا أصحاب محمّد! تزعمون أنّ اللَّه يعجّلنا بأسيافكم إلى النار ، ويعجّلكم بأسيافنا إلى الجنة فأيّكم يبرز إليَّ ؟ فبرز إليه عليّ بن أبي طالب وقال له : واللَّه لا اُفارقك حتّى اُعجلك بسيفي إلى النار ، فاختلفا بضربتين فضربه عليّ على رجله فقطعها وسقط إلى الأرض ، فأراد عليّ أن يجهز عليه فقال : اُنشدك اللَّه والرحم يابن عمّ ، فانصرف عنه إلى موقفه ، فقال المسلمون : هلا أجهزت عليه ، فقال : أنشدني(143) اللَّه ولن يعيش ، فمات من ساعته . وبُشّرَ النبيّ صلى الله عليه وآله بذلك ، فَسُرَّ وسُرَّ المسلمون ( ثمّ قال : ) قال ( محمّد ) بن إسحاق : كان الفتح يوم اُحد بصبر(144) عليّ عليه السلام وعنائه وثباته وحسن بلائه(145) .
وفي ذلك يقول الحَجّاج بن عِلاط السُلَمي شعراً(146) : جادت يداك له بعاجل طعنة
تركت طليحة للجبين مجدّلاً
للَّه أيّ مُذبِّبٍ عن حزبه
(147)
أعني ابن فاطمة المُعمّ المُخوّلا
(148)
وشددت شدّة باسل فكشفتهم
(149)
وعللتَ سيفك بالدماء ولم تكن
(152)
لتردّه حرّان
(153) حتّى ينهلا
وروى الحافظ محمّد بن عبدالعزيز الجنابذي في كتاب معالم العترة النبوية(154) مرفوعاً إلى قيس بن سعد عن أبيه انه سمع علياً يقول:أصابتني يوم اُحد ست عشرة ضربة ، سقطت إلى الأرض في أربع منهنّ(155) فجاء(156) رجل حسن الوجه طيّب الريح فأخذ بضبعي فأقامني ، ثمّ قال : أقبِل عليهم فإنّك في طاعة اللَّه ورسوله وهما عنك راضيان، قال عليّ: فأتيت رسول اللَّهصلى الله عليه وآله فأخبرتهفقال: يا عليّ أقرّ اللَّه عينيك(157) ذاك جبرئيل(158).
ومنها : غزوة الخندق(159) ، وهي أنّ قوماً تجمّعت وقائدهم أبو سفيان بن
حرب(160) ، وأنّ غطفان تجمّعت وقائدهم عُيَينة(161) بن حصن(162) بن حذيفة بن
بدر(163) ، واتفقوا مع بني النضير من اليهود على قصد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وحصار المدينة ، أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في حراسة المدينة بحفر(164) خندق عليها ، وعمل صلى الله عليه وآله فيه بنفسه الشريفة (165)فاحكمه في أيام ، وكان في حفر الخندق آيات من معجزات رسول اللَّهصلى الله عليه وآله شاهدها المسلمون نذكرها ليزداد من وقف عليها ، إيماناً باللَّه ( تعالى )وتصديقاً لرسوله صلى الله عليه وآله .
منها : ما رواه ( سعد بن معاذ ) ابن مساءة أنّ ابنة بشير(166) بن سعد هي(167) اُخت النعمان بن بشير قالت : دعتني اُمّي ( عَمْرَة ) بنت رواحة فاعطتني حفنة من تمر في ثوبي ثمّ قالت : اذهبي إلى أبيك وخالك عبداللَّه بن رواحة بغدائهما ، قالت : فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأنا ألتمس أبي وخالي فقال ( لي ) : تعالي يا بنية ما هذا معك ؟ قالت : قلت(168) : يا رسول اللَّه صلى اللَّه عليك وآلك قليل من التمر بعثتني به اُمّي إلى بشير بن سعيد(169) وخالي عبداللَّه بن رواحة يتغديان به ، قال صلى الله عليه وآله : هاتيه فصببته في كفّي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فأملأها(170) ثمّ أمر صلى الله عليه وآله بثوب فبسطه(171) ثمّ دحى بالتمر عليه وغطّاه بثوبٍ آخر وقال لإنسان عنده : اصرخ في أهل الخندق أن هلمّوا(172) إلى الغداء ، فاجتمع أهل الخندق عليه ، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتّى صدر أهل الخندق عنه وأنه يسقط من أطراف الثوب(173) .
ومنها : ما رواه جابر بن عبداللَّه الأنصاريرضى الله عنه قال : اشتدّت عليهم في الخندق كوديه عجز(174) حافروها عنها فشكوها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فدعا بإناء فيه ماء فتفل فيه ثمّ دعا بما شاء اللَّه تعالى أن يدعو به ثمّ نضح الماء على تلك الكوديه فقال من حضرها ( من المسلمين ) ، والّذي بعث محمّداً بالحقّ نبياً لقد انهالت حتّى عادت كالرمل لا يرد فأساً ولا مسحاة(175) .
ومنها : ما رواه جابر أيضاً قال : كان عملنا مع رسول اللَّه في الخندق وكانت عندي شويهة قال : فقلت : لو صنعناها(176) لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله . قال : فأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئاً من شعير فصنعت لنا خبزاً وذبحت تلك الشويهة(177) وصفعتها لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله . قال : وأمسينا وذلك أنا كنّا نعمل في الخندق نهاراً فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلنا فقلت : يا رسول اللَّه إنّي قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئاً من خبز هذا الشعير واُحبّ أن تنصرف معي إلى منزلي وإنّما أردت ان ينصرف معي(178) رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وحده . قال : فلمّا أن قلت له ذلك أمر صارخاً فصرخ أن انصرفوا ( بأجمعكم ) مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى بيت جابر بن عبداللَّه . قال : قلت : إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون . قال : فأقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وأقبل الناس معه ، فجلس وأخرجنا ذلك إليه فبرك صلى الله عليه وآله عليه وسمّى اللَّه تعالى وأكل ، وتواردها الناس كلّما فرغ قوم جاء قوم غيرهم حتّى صدر أهل الخندق بأسرهم وفضل الطعام(179) .
ولمّا فرغ رسول اللَّهصلى الله عليه وآله من حفر الخندق أقبلت قريش بجيوشها(180)
وأتباعها من كنانة وأهل تهامة في عشرة آلاف(181) ، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد، فنزلوا من فوق المسلمين ومن أسفلهم كما قال اللَّه تعالى : ( إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ) (182) فخرج(183) النبيّصلى الله عليه وآله بالمسلمينوهم ثلاثةآلاف (184)وجعلوا الخندقبينهم، واتفق المشركون مع اليهود على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقد ذكر اللَّه تعالى هذه القضية(185) في سورة الأحزاب(186) ، وطمع المشركون بكفرهم ومعاقبة ( موافقة ) اليهود لهم في استيصال المسلمين .
واشتدّ الأمر على المسلمين فركب فوارس من قريش(187) منهم
عمرو بن عبد ودّ وكان من مشاهيرهم وأبطالهم ، وعِكرمة بن أبي جهل(188) ، وأقبلوا تتعثّر (189)بهم خيولهم حتّى وقفوا على الخندق ثمّ قصدوا مكاناً ضيّقاً منه وضربوا خيولهم فاقتحمته وجالت خيولهم(190) بين الخندق و(بين) المسلمين(191).
فلمّا رأى عليّ بن أبي طالب عليه السلام ذلك خرج ومعه نفر من المسلمين وبادروا الثغرة(192) الّتي دخلوا منها ، وأخذ عليهم المضيق الّذي دخلوا منه واقتحموه ، ووقف فيه وخرج عمرو بن عبد ودّ من بينهم ومعه ولده حنبل(193) وقد كان عمرو جعل له علامة(194) يشتهر بها وليعرف مكانه ويظهر شأنه ( على عليّ ومن معه من النفر الّذين خرجوا معه )فقال : هل من مبارز(195) ؟ فقال عليّ عليه السلام : أنا(196)
له ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله : إنّه(197) عمرو ، فسكت ، فنادى عمرو الثانية والثالثة فقال : هل من مبارز ؟ ثمّ جعل يؤنّبهم(198) ويقول : اين ( حميّتكم ) أين جنّتكم الّتي تزعمون أنّ من قُتل دخلها ؟ أفلا يبرز إليَّ رجل منكم ، ثمّ ارتجل يقول شعراً(199) :ولقد بححت من النداء بجمع
كم هل من مبارز
متسرّعاً قبل الهزاهز
(203)
إنّ الشّجاعة في الفتى
(204)
والجود من خير الغرائز
فقال عليّ عليه السلام : أنا له يا رسول اللَّه ، فقال صلى الله عليه وآله :
إنّه عمرو ، فقال : وإن كان عمرو ؟ !
فأذن له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في مبارزته(205) وقال له : أدنُ منّي يا عليّ ، فدنا منه ، فَنَزع عِمامتَه من رأسه صلى الله عليه وآله وعمّمه بها ، وأعطاه سيفه وقال ( له ) : امض لشأنك ، ثمّ قال : اللّهمّ ( أعنه (206)) ، ( و ) قد خرج عليّ عليه السلام وهو يقول :
لا تعجلنّ فقد أتا
ك مجيب صوتك غير عاجز
والصدق منجي كلّ فائز
(208)
عليك نائحة الجنائز
قى ذكرها عند الهزائز
(211)
ثمّ قال له : يا عمرو إنك أخذت على نفسك عهداً أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين(212) إلّا أجبته إلى واحدةٍ منهما(213) ، قال له : أجل ، فقال له عليّ رضى الله عنه : فإنّي أدعوك إلى اللَّه تعالى ورسوله وإلى الإسلام ، فقال : أما هذه فلا حاجة لي فيها ، فقال له عليّ : فإذا كرهت هذه فإنّي أدعوك إلى النزال : قال ( له ) : ولِم يا ابن أخي فما اُحبّ أن أقتلك ولقد كان أبوك خِلاًّ لي ، فقال ( له )عليّ : ولكنّى واللَّه اُحبّ أن أقتلك . فحمى عمرو وغضب من كلامه، فاقتحم عن فرسه إلى الأرض وضرب وجهها ، ونزل عليّرضى الله عنه عن فرسه ، وأقبل كلّ واحدٍ منهما نحو الآخر فتصاولا وتجاولا ساعةً ثمّ ضربه عليّرضى الله عنه على عاتقه بالسيف ورمى جثّته إلى الأرض وتركه قتيلاً . ثمّ ركب عليّ رضى الله عنه على فرسه وكرّ على ابنه حنبل(214) بن عمرو فقتله ، فخرجت خيولهم منهزمة ورمى عِكرمة بن أبي جهل رمحه وفرّ منهزماً مع مَن انهزم من أصحابه(215) ، فرجع عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه وهو يقول :
أَعَلَيَّ تقتحم
(216) الفوارسُ هكذا
اليومَ تَمْنَعُني الفِرارَ حَفيظتي
ومُصَمّمٌ في الرأس ليس يناب
أرْدَيْتُ عَمْراً إذ طغى بمهنّد
(219)
صافي الحَديد مُجرّب قَصّاب
هذا ابن عبد الودّ كذب قوله
وصدقت فاستمعوا إلى الكذّاب
نصرَ الحجارة من سفاهة رأيه
ونصرتُ دين محمّدٍ بصواب
وغدوت
(220) حين تركته مُتَجَدّلاً
كالعير
(221) بين دَكادِكٍ وروابِ
وعَفَفتُ عن أثوابه لو أ نّني
لا تحسبنّ اللَّه خاذل دينه
ونبيّه يا معشر الأحزاب
(224)
ولمّا قُتل عمرو وولده حنبل(225) وانهزم عِكرمة ومن معه من فوارس قريش الّذين اقتحموا الخندق أرسل اللَّه تعالى الريح على قريش(226) وغطفان ووقع الاختلاف والاضطراب بينهم فولّوا راجعين (وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَ كَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) (227) .
(1) إنّ أرفع درجات الإيثار هي إيثاره عليه السلام بنفسه حفاظاً على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فإنّه آثر بها في موارد كثيرة لسنا بصدد بيانها ، وما أحسن المرء أن يجود بنفسه من أجل غيره ، ويؤثر الآخرين على نفسه كما وصفه سبحانه وتعالى (وَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (الحشر : 9) وغيرها من الآيات كما يأتى بحثها إن شاء اللَّه تعالى .
(2) في (ج) : معلومة .
(3) البيعة لغةً : صفق اليد على اليد ، وهي علامة على وجوب البيع ، وأصبحت في الإسلام علامة معاهدة المبايع المبايع له أن يبذل له الطاعة في ما تقرّر بينهما . ويقال : بايعه عليه مبايعة : عاهده عليه . وقد ورد في القرآن الكريم قوله (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) (الفتح : 10) .
إنّ أول بيعة في الاسلام هي بيعة العقبة الاُولى ، أخبر عنها عبادة بن الصامت وقال : وافى موسم الحجّ من الأنصار اثنا عشر رجلاً ممّن أسلم منهم في المدينة وقال عبادة : بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب ، على أن لا نشرك باللَّه شيئاً ، ولا نسرق ، ولا نزنى ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف ، فإن وفيتم فلكم الجنّة ، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفّارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى اللَّه عزّوجلّ ، إن شاء عذّب ، وإن شاء غفر . (انظر سيرة ابن هشام : 2 / 40 - 42) .
أمّا ابن الأثير في : 2 / 67 ذكر في الهامش تعليقاً على سيرة ابن هشام بأنهم سبعة وسابعهم عقبة بن عامر . ومنهم أسعد بن زرارة بن عدس أبو اُمامة ، وعوف بن الحرث بن رفاعة وهو ابن عفراء ، كلاهما من بني النجّار ، ورافع بن مالك بن عجلان ، وعامر بن عبد حارثة بن ثعلبة بن غنم ، وكلاهما من بني زريق ، وقطبه بن عامر بن حديدة بن سواد من بني سلمة ، وعقبة بن عامر بن نائي من بني غنم ، وجابر ابن عبداللَّه بن رياب من بني عبيدة .
أمّا البيعة الثانية الكبرى بالعقبة . فسيأتي بيانها بعد قليل إن شاء اللَّه .
أمّا البيعة الثالثة وهي الّتي تسمى ببيعة الرضوان ، أو بيعة الشجرة . فسيأتي بيانها أيضاً .
(4) سيرة ابن هشام : 2 / 40 - 42 .
(5) بشير بن سعد : هو بشير بن سعد بن ثعلبة بن فلاس بن زيد بن الحارث بن الخزرج . يكنّى أبا النعمان بابنه النعمان بن بشير ، شهد العقبة الثانية وبدراً واُحداً ، قُتل يوم عين التمر سنة (12 ه) وهو أوّل من بايع أبا بكر يوم السقيفة من الأنصار . (اُسد الغابة : 1 / 231 تحت رقم 459) .
(6) حارثة بنالنعمان: هو حارثة بن النعمان بن نقع بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجّار الأنصاري الخزرجي، شهد بدراً واُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . (اُسد الغابة : 1 / 429 تحت رقم 1003) .
(7) سعد بن عبادة الصامت بن دلُيم من بنى ساعدة ، من الخزرج ، يكنّى أبا ثابت ، وكان يكتب بالجاهلية ، ويُحسن العوم والرمي ، وكان صاحب راية الأنصار يوم بدر ، وأمير المؤمنين عليه السلام صاحب لواء رسول اللَّه صلى الله عليه وآله اجتمعت الأنصار إليه وكان مريضاً فجاءوا به إلى السقيفة وأرادوا تأميره ، ولما تمّ الأمر لأبي بكر امتنع عن مبايعته فاُرسل إليه ليبايع فقال : لا واللَّه حتّى أرميكم بما في كنانتي ، واُخضب سنان رمحي واضرب بسيفي ما أطاعني ، وقاتكلم بأهل بيتى ومن تبعني ، ولو اجتمع معكم الجن والانس ما بايعتكم حتّى اعرض على ربي ، فقال عمر : لا تدعه حتّى يبايع ، فقال بشير بن سعد : إنه قد لجّ وليس بمبايع لكم حتّى يُقتل ، وليس بمقتول حتّى يقتل معه أهله وطائفة من عشيرته . وخرج إلى الشام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وتوفّي في خلافة عمر بن الخطّاب ، وله موقف سنذكره فيما بعده .
انظر ترجمته في العقد الفريد : 4 / 259 الطبعة الثانية بمصر و 251 ط اُخرى ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 1 / 131 ط بمصر ، الغدير : 5 / 370 ، مروج الذهب : 2 / 301 ، والامامة والسياسة : 1 / 27 - 28 ، المعارف : 259 .
(8) عبداللَّه بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري من الخررج (ت 7 ه) صحابي ، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار ، وكان أحد النقباء الاثني عشر ، وشهد بدراً واُحداً والخندق والحديبية ، وكان أحد الاُمراء في وقعة مؤتة ، وبها قُتل .
انظر تهذيب التهذيب 5 : 212 ، إمتاع الأسماع : 1 / 27 ، الإصابة : تحت رقم 4667 ، صفة الصفوة : 1 / 191 ، حلية الأولياء : 1 / 118 ، ابن عساكر : 7 / 387 ، طبقات ابن سعد : 3 / 79 ، الكامل لابن الأثير 2 / 86 ، المحبر : 119 و121 و123 .
(9) ويقصد بها المصنّف بيعة العقبة الاُولى فبايعوه بيعة النساء كما يقول ابن الأثير : 2 / 67 وهم : أسعد بن زرارة ، وعوف ومعاذ ابنا الحرث وهما ابنا عفراء ، ورافع بن مالك بن عجلان ، وذكوان بن عبد قيس من بنى زريق ، وعبادة بن الصامت من بنى عوف بن الخزرج ، ويزيد بن ثعلبة بن خزمة أبو عبدالرحمن حليف لهم ، وعباس بن عبادة بن نضله من بني سالم ، وعقبة بن عامر بن ( نابي ) نائي ، وقطبة بن عامر بن حديدة ، وهؤلاء من الخزرج . وشهدها من الاُوس أبو الهيثم بن التيهان - مالك - حليف بني عبد الأشهل وعويم بن ساعدة حليف لهم فانصرفوا عنه وبعث صلى الله عليه وآله معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار ، وأمره أن يقرئهم القرآن ، وهو أول من تسمّى بالمقرئ .(انظر صحيح البخاري : 4 - 6 / 70 ط دار إحياء التراث العربي بيروت) .
بيعة العقبة الثانية : روى كعب بن مالك وقال : خرجنا من المدينة للحجّ وتواعدنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله العقبة أواسط أيّام التشريق ، وخرجنا بعد مضيّ ثلث الليل متسلّلين مستخفين حتّى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان (اُمّ عمارة - نسيبة بنت كعب المازنية ، واُمّ قنيع من بني سلمة) . وذكر ابن الأثير في الكامل : 2 / 98 بدلاً منهما (اُمّ عمارة وأسماء اُمّ عمرو بن عدي من بني سلمة) . فجاء رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ومعه عمّه العبّاس ، فتكلّم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فتلا القرآن ودعا إلى اللَّه ورغب في الاسلام ثمّ قال : ابايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون نساءكم وأبناءكم . فأخذ البرّاء بن معرور بيده ثمّ قال : نعم والّذي بعثك بالحقّ لنمنعنّك ممّا نمنع به اُزُرَنا - أي نساءنا كناية عن المرأة - فبايعنا يا رسول اللَّه فنحن واللَّه أهل الحروب . . .
فقال أبو الهيثم بن التيهان : يا رسول اللَّه إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً ، وإنّا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك اللَّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسّم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ثمّ قال : بل الدم الدم ، والهدَم الهدَم ، أنتم منّي وأنا منكم ، اُسالم من سالمتم ، واُحارب من حاربتم - أي : ذمّتي ذمّتكم وحرمتي حرمتكم - (الكامل لابن الأثير :2 / 69) .
وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم . فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً ، تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس ، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : أنتم على قومكم بما فيكم كفلاء ككفالة الحواريّين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيل على قومي ، قالوا : نعم . واختلفوا فيمن كان أوّل من ضرب على يده ، أسعد بن زرارة أم أبو الهيثم بن التيهان . (انظر سيرة ابن هشام : 2 / 47 - 56 الكامل لابن الأثير : 2 / 97 - 100 وهذه هي البيعة الثانية على إقامة الدولة الاسلامية بعد أن كانت البيعة الاُولى على الاسلام . وهذه البيعة على حرب الأحمر والأسود .
(10) في (أ) : منهم ، وفي (د) : هم .
(11) انظر ترجمته في السيرة الحلبية : 2 / 243 ، وراجع المصادر السابقة .
(12) هو البرّاء بن معرور بن صخر الخزرجي الأنصاري صحابي من العقلاء المقدّمين ، شهد العقبة وكان أحد النقباء الاثني عشر من الأنصار ، وهو أول من تكلّم منهم ليلة العقبة حين لقي السبعون من الأنصار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وبايعوه وأول من مات من النقباء ، توفي قبل الهجرة بشهر واحد . (انظر الإصابة : 1 / 144 ، صفة الصفوة : 1 / 203 ، الأعلام للزركلي : 2 / 47) .
(13) هو عبداللَّه بن أنيس ، أبو يحيى من بني وبرة ، من قضاعة ، ويعرف بالجهني ، صحابي ، من القادة الشجعان من أهل المدينة ، كان حليفاً لبني سلمة من الأنصار ، صلّى إلى القبلتين وشهد العقبة . وفي نسخة (ج) : بن الصامت بدل أنيس . (انظر إمتاع الأسماع للمقريزي : 1 / 254 و271 ، الإصابة الترجمة 4541 ، الأعلام للزركلي : 4 / 73) .
(14) انظر السيرة الحلبية : 2 / 242 بالإضافة إلى المصادر السابقة .
(15) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي صحابي ورع ، شهد العقبة ، وكان أحد النقباء ، وبدراً وسائر المشاهد . ثمّ حضر فتح مصر ، روى 181 حديثاً ، وكان من سادات الصحابة . (تهذيب التهذيب : 5 / 111 ، الإصابة : ترجمة 4488 ، تهذيب ابن عساكر : 7 / 206) .
(16) أبو الهيثم مالك بن التيهان بن عتيك بن عمرو بن عبدالأعلم الأنصاري الأوسي ، كان أول من بايع رسول اللَّه ليلة العقبة وحضر الحروب مع الرسول صلى الله عليه وآله وشهد صفين مع الإمام عليّ عليه السلام وقُتل فيها . (انظر الدرجات الرفيعة في طبقات الشافعية : 320 بدري ، وانظر ترجمته في اُسد الغابة :4 / 274 و 5 / 318 ، أنساب الأشراف : 2 / 319 ، الإصابة : 4 / 212 ، الاستيعاب بهامش الإصابة : 4 / 200) .
(17) وفي (ب) : فبايعوه .
(18) في (أ) : عمرو .
(19) هذه هي البيعة الثانية الّتي يقصدها المصنف والّتي تمّت في دار عبدالمطّلب عند العقبة ، وفيها أن يصبروا على حرّ السيوف ، واختار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله منهم اثنا عشر نقيباً ، تسعة من الخزرج منهم : أسعد بن زرارة والبراء بن معرور ، وثلاثة من الأوس وهم : أبو الهيثم بن التيهان ، واُسيد بن حضير ، وسعد بن خيثمة (انظر سيرة ابن هشام : 2 / 49 ، المناقب لابن شهرآشوب : 1 / 181 ، البحار : 19 / 8 ، الكامل لابن الأثير : 2 / 98) .
هذا ، وتوجد روايات كثيرة وردت في البيعة وطاعة الامام . فمنها رواية ابن عمر (كما جاء في صحيح البخاري باب البيعة ح 5 ، وصحيح مسلم أيضاً باب البيعة ح 90) قال ابن عمر : كنّا نبايع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على السمع والطاعة ثمّ يقول لنا «فيما استطعت» وفي رواية الإمام عليّ عليه السلام «ما استطعتم» وفي رواية اُخرى «قل : في ما استطعت» وروى الهرماس بن زياد قال : مددت يدي إلى النبي صلى الله عليه وآله وأنا غلام ليبايعني ، فلم يبايعني» وفي صحيح مسلم : ح 1839 وسنن ابن ماجة : ح 2863 و 2865 ومسند أحمد : و : 1 / 400 ، و : 2 / 17 و 142 ، و : 5 / 325 عن ابن عمر قال : قال صلى الله عليه وآله : على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره ، إلّا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة . وفي وتهذيب ابن عساكر : 7 / 215 «لا تضلّوا بربكم» عن عبادة بن الصامت .
(20) في (د) : ومن .
(21) تقدّمت ترجمته .
(22) تقدّمت ترجمته آنفاً .
(23) دار الندوة : هي دار قصي بن كلاب الّذي كانت له رئاسة عامّة ، وزعامة مطلقة على قريش ، فاتخذوا داره مركزاً لهم ، واستمرّوا على ذلك بعد وفاته ، وقيل : إنها أول دار بنيت بمكة ، وسمّيت بالندوة لانهم كانوا ينتدون بها - أي يجتمعونفيها للخير والشرّ - وفيها تقضي قريش اُمورها، فما تنكح امرأة ولا تدرع جارية ولا يتزوج رجل من قريش ولا يتشاورون في أمرٍ نزل بهم إلّا فيها . (انظر طبقات ابن سعد : 1/70 و 77 ، السيرة لابن هشام : 1 / 130 ، فتوح البلدان للبلاذري : 70 ، تاريخ الطبري : 2/ 258) .
وقيل : كان اجتماعهم هنا أربعين رجلاً ، وقالوا بأجمعهم : أن يجتمع من كلّ بطن من بطون قريش رجل شريف ويكون معهم من بني هاشم واحد فيأخذون حديدة أو سيفاً ويدخلون عليه فيضربونه كلّهم ضربةً واحدة فيتفرّق دمه في قريش كلّها فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه ، فاختاروا خمسة عشر رجلاً فيهم أبو لهب على أن يدخلوا على رسول اللَّه فيقتلونه ، فأنزل اللَّه سبحانه وتعالىرسوله
( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (الأنفال : 30) . فأمر رسول اللَّهصلى الله عليه وآله أن يفرش له وقال لعليعليه السلام : يا عليّ أفدني بنفسك ، قال : نعم يا رسول اللَّه ، قال له : نم على فراشي والتحف ببردي . فنام عليّعليه السلام على فراش رسول اللَّهصلى الله عليه وآله والتحف ببردته .
وقيل : إنّ اللَّه أوحى في تلك الليلة إلى جبرئيل وميكائيل : إنّي قضيت على أحدكما بالموت فأيكما يواسي صاحبه فاختار الحياة كلاهما . . . وساق الحديث وخرج رسول اللَّهصلى الله عليه وآله عليهم وهو يقرأ «يس» إلى قوله ( وَ جَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) (يس : 9) . وأخذ تراباً بكفّه ونثره عليهم وهم نيام ومضى . فقال له جبرئيل : يا محمّد خذ ناحية ثور - وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور - فمرّ رسول اللَّه وتلقّاه أبو بكر في الطريق فأخذ بيده ومرّ به فلما انتهى إلى ثور دخل الغار . (انظر الدرّ المنثور : 4 / 202 وأخرج عبدالرزاق وابن المنذر عن الزهري ، وانظر تفسير الميزان للسيّد محمّد حسين الطباطبائي : 9 / 306 ، إعلام الورى للطبرسي : 63 ط النجف ، المسترشد في الإمامة لمحمّد بن جرير الطبري الإمامي (ق 5) : 434 ، الغدير : 2 / 48 ، و : 8 / 41 ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : 40 ، والطرائف لابن طاووس : 407 : الشافي للسيّد المرتضى : 4 / 25) .
وروى ابن الأثير في الكامل : 2 / 73 : أنه سأل اُولئك الرهط علياً عن النبيصلى الله عليه وآله فقال : لا أدري أمرتموه بالخروج فخرج ، فضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثمّ تركوه ، ونجّى اللَّه رسوله من مكرهم وأمره بالهجرة ، وقام عليّ يؤدّي أمانة النبيصلى الله عليه وآله ويفعل ما أمره . ونحن لا نريد التعليق على كلام ابن الأثير بل نقول له : ماذا تقول لرواة حديث : اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه ، كان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ينادي ويقول : بخٍ بخٍ مَن مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللَّه بك الملائكة ؟ وقد رواه الثعلبي في الكشف والبيان . وماذا تقول لنفسك عندما رويت الحديث في اُسد الغابة : 4 / 18 و 19 و 25 فهل هو التناقض الّذي وقعت فيه أم التعصّب الّذي أعماك ؟
(24) في (ج) : فكانوا .
(25) انظر سيرة ابن هشام : 2 / 237 حقّقها الشيخ مصطفى السقا وإبراهيم الابياري وعبدالحفيظ شلبي الطبعة الاُولى 1995 دار إحياء التراث العربي ، اُسد الغابة : 2 / 534 .
(26)راجع المصدر السابق
(27) راجع المصدر السابق
(28) راجع المصدر السابق
(29) راجع المصدر السابق
(30) راجع المصدر السابق
(31) راجع المصدر السابق
(32) راجع المصدر السابق
(33) راجع المصدر السابق .
(34) لقد عدّ المصنّف هنا تسعة وقد سقط العاشر من المصدر. وهو العاص بن وائل ، وقيل : هو أبو سفيان . (انظر أمالي الشيخ الطوسي نقلاً عن أعيان الشيعة : 1 / 375) ، أمّا ابن الأثير في الكامل : 2 / 71 فقد ذكرهم هكذا : عتبة ، وشيبة ، وأبو سفيان ، وطعيمة بن عدي ، وحبيب بن مطعم ، والحرث بن عامر ، والنضر بن الحرث ، وأبو البختري بن هشام ، وربيعة بن الأسود ، وحكيم بن حزام ، وأبو جهل ، ونبيهاً ومنبهاً ابني الحجّاج ، واُمية بن خلف ، وغيرهم .
(35) في (د) : فأوّل .
(36) وقيل : وأول من تكلّما العاص بن وائل واُمية بن خلف .
(37) في (د) : واحد .
(38) في (ب ، ج) : وتربّصوا .
(39) في (د) : ما هذا لكم .
(40) في (ب) : الاتساع ، وفي (د) : الاشساع .
(41) في (أ) : ويستتبعهم .
(42) في (ب) : على .
(43) في (د) : في .
(44) إنّا لا نسلّم بهذه الزيادة - أي قوله : لن يصل إليك منهم أمرٌ تكرهه - وإنّ الّذين رووا المبيت رووا بدون زيادة ، والّذي أورد هذه الزيادة هو الجاحظ المعروف بعداوته للإمام عليّ عليه السلام وهي دعوى لو سلّمنا بها لم تنقص من مكانته وشجاعته عليه السلام لأنه مصدّق من وعده بالسلامة من الأذى غير متهم ولا متردّد ، فعل العارف المحقّق والمسلم المصدّق ، بخلاف الّذي لا يصدّق قوله صلى الله عليه وآله ويشكّك ويجادل . هذا بالإضافة إلى ما لقاه عليه السلام من المشركين من أذى ، ولم يجزم الرسول صلى الله عليه وآله بحياطته من المشركين وسلامته بل بناه على مشيئة اللَّه عزّوجلّ . وهذا ما أكده ابن عباس كما في مسند أحمد بن حنبل : 1 / 330 بأنّ المشركين رموا علياً بالحجارة وهو يتضوّر قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتّى اُهيج ، ثمّ كشف .
وروى ذلك أيضاً المتقى الهندي في كنز العمّال : 8 / 333 ، والمحبّ الطبري في الرياض النضرة : 2 / 203 ، والهيتمي في مجمع الزوائد : 9 / 119 والحاكم في المستدرك : 3 / 4 .
وقال صلى الله عليه وآله : قتل عليّ لعمرو بن عبدودّ أفضل من عبادة الثقلين . (السيرة الحلبية : 105) .
وقال صلى الله عليه وآله : ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من أعمال اُمتي إلى يوم القيامة . (ينابيع المودّة : 95) .
وقال صلى الله عليه وآله : ضربة عليّ خير من عبادة الثقلين . (المواقف للقاضى الإيجي : 617) .
وقال صلى الله عليه وآله : لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبدودّ يوم الخندق أفضل من أعمال اُمّتي إلى يوم القيامة . (المستدرك على الصحيحين : 3 / 32 . وروي ذلك أيضاً في تاريخ بغداد : 13 / 9 ، وأرجح المطالب : 481 وشرح النهج لابن أبي الحديد : 4 / 334 ، وكنز العمّال : 3 / 154 ، وذخائر العقبى : 74 . وهذا لم يكن إلّا كمن يقول هذه الشمس ليل ، والليل نهار ، والحجر رخو ، والماء صلب ، والنار باردة ، والثلج حار . . .
(45) تأتي ترجمتها في الفصل القادم إن شاء اللَّه .
(46) سبق وأن ترجمنا لها .
(47) انظر ترجمتها في السيرة لابن هشام : 2 / 236 .
(48) الهجرة معناها الانتقال من بلدٍ إلى آخر ، أو من مكان إلى غيره ، فراراً بالدين ، ورهبةً وخوفاً وحفظاً وصيانةً للنفس من أن تصيبها مضرّات من قِبل الظلمة وحكّام الجور أعداء اللَّه ورسوله .
وفعلاً هاجر الصادق الأمين صلى الله عليه وآله في بداية دعوته إلى شعب أبي طالب وعبدالمطّلب - وكانوا جميعاً هم بنو هاشم - وهم السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار . وكان عليّعليه السلام أعظمهم مؤاساةً لعظيمهم صلى الله عليه وآله حيث كان عليه السلام يرقد في فراشه كلّ ليلة مدّة ثلاث سنين بأمرٍ من أبيه شيخ الأبطح خوفاً من الفتك والغيلة أو الغفلة والغفوة . وكان عليه السلام ممتثلاً لأمر شيخ الأبطح ، وهو امتحان عسير يعجز القلم عن وصفه ، وكأنه الامتحان الّذي ابتلى به اللَّه إسماعيل حين صاراً ذبيحاً لأبيه إبراهيم كما في قوله تعالى (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَابُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) الصافّات : 102 .
ورغم التوافق والمشابهة بين القضيتين غير أنّ هنالك فارق بينهما ، لأن قضية إبراهيم عليه السلام مع ابنه يبقى الحنان الأبوي مهما كان نوع القتل فيه شفقة ورحمة بخلاف ما لو قدر للأعداء الشرسين الكفرة المجرمين كما فعلوا بابن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام وأولاده وأصحابه وسبى نساءه . ولسنا الآن بصدد المقارنة .
أمّا الهجرة الثانية : فهي الهجرة إلى الحبشة والّتي أمر بها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله اثنان وثمانون رجلاً مع جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، ولسنا بصدد بيانها الآن أيضاً .
أمّا الهجرة الثالثة : فهي للأنصار الأوّلين وهم العقبيّون بإجماع أهل السِير والتاريخ وكانوا سبعين رجلاً ، وأول من بايع فيها أبو الهيثم بن التيهان .
أمّا الهجرة الرابعة : فهي للمهاجرين إلى المدينة ، والسابق فيها : مصعب بن عمير ، وعمّار بن ياسر ، وأبو سلمة المخزومي ، وعامر بن ربيعة ، وعبداللَّه بن جحش ، وابن اُمّ مكتوم ، وبلال ، وسعد ، ثمّ ساروا إرسالاً . ولسنا بصدد بيانها أيضاً .
إنّ الحديث الّذي رواه الغزالي في كتابه المذكور : 3 / 238 ، تحت عنوان «بيان الإيثار وفضيلته» من كتاب ذمّ المال رواه مرسلاً، لكن الحديث رواه كثير من أصحاب التفسير والحديث والسِير ، فرواه الثعلبي في تفسير الآية الكريمة من تفسير الكشف والبيان ، ورواه ابن البطريق في خصائص الوحي المبين : 59 ، والفيض في المحجة البيضاء : 6 / 80 ، والأميني في الغدير : 2 / 48 ط بيروت ، والطوسي في الأمالي : 16 ، والرازي في تفسيره : 2 / 152 ، مرسلاً ، وابن الأثير في اُسد الغابة : 4 / 25 و 18 و19 وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ : 141 ط بيروت ، وابن شهرآشوب في المناقب : 2 / 65 ، والبحراني في تفسيره البرهان : 1 / 207 ح 11 الطبعة الثانية ، ورواه صاحب غاية المرام : باب 45 ص 346 ، والإربلي في كشف الغمّة : 1 / 310 ط بيروت ، والحافظ الكنجي في كفاية الطالب : باب 62 ص 239 ، ورواه في تعليقه على إحياء العلوم : 3 / 238 ، والشبلنجي في نور الأبصار : 77 و 86 ، والحاكم في المستدرك : 3 / 133 ، وابن عساكر في تاريخه / ترجمة الإمام عليّ عليه السلام : 1 / 202 ح 248 و249 الطبعة الثانية ، والطبراني في المعجم الكبير : 3 / 168 ، والنسائي في خصائصه : 23 ط النجف ، والبلاذري في أنساب الأشراف : ح 41 من ترجمة الإمام عليّ ، وابن سعد في طبقاته : 3 / 21 ، و : 8 / 35 و162 ط بيروت ، مسند أحمد بن حنبل : 1 / 330 ح 1266 الطبعة الاُولى و 373 ط اُخرى ، وص 348 وكذلك ح291 ، مسند أبي داود الطيالسي : 360 ح 2753 .
وإليك بعض نماذج الحديث ، فمثلاً الفخر الرازي في تفسيره الكبير قال في ذيل الآية : نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام بات على فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . . . ثمّ قال : إنه لمّا نام على فراشه قام جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخٍ بخٍ مَن مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللَّه بك الملائكة . وفي اُسد الغابة لابن الأثير 4 : 25 روى بسنده عن الثعلبي قال : فأوحى اللَّه إلى جبريل وميكائيلعليهما السلام : وانّي آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر . . . أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب . . . وجبريل ينادي : بخٍ بخٍ مَن مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللَّه عزّوجلّ بك الملائكة . . .
وذكر المناوي في كنوزالحقائق:أنّ اللَّهيباهي بعلّيعليه السلام كلّ يومالملائكة. ورواه صاحب الرياض النضرة المحبّ الطبري : 2 / 203 ، وذخائر العقبى : 60 و 86 ، ومجمع الزوائد : 7 / 27 ، و : 9 / 119 ، وكنز العمّال : 3/155 ، و : 8/333 ، وتاريخ بغداد: 13/191 ، شواهد التنزيل تحقيق المحمودي : 123 - 133 ح 133 - 143 ، وهذه الأحاديث تذكر الحديث وسبب نزول الآية الكريمة أيضاً . ورواه الصفوري في نزهة المجالس : 2 / 209 ، وابن هشام في السيرة : 2 / 291 ، العقد الفريد : 3 / 290 ، مناقب الخوارزمي : 75 ، ورواه اليعقوبي في تاريخه : 2 / 39 منشورات الشريف الرضي مطبعة أمير قم الطبعة الاُولى .
أمّا سبب نزول الآية : فإنّها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام كما نقل أكثر جهابذة التفسير والمحدّثين والمؤرّخين على الرغم من أنّ الشواذّ منهم قال : إنها نزلت في صهيب ، وقال آخر : إنّها نزلت في الزبير والمقداد ، ولايهمّنا هذا الاختلاف بعد أن أورد الثعلبي في تفسيره «الكشف والبيان» وغيره من أعيان الأمة عن ابن عباس أنها نزلت لمّا هرب ( هاجر )النبيّ صلى الله عليه وآله من المشركين إلى الغار خلّفه لقضاء دَينه وردّه ودائع الناس ، فبات عليّ على فراش النبيّصلى الله عليه وآله وأحاط المشركون بالدار ، فأوحى اللَّه إلى جبريل وميكائيل : أني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة . . . وقد ذكرنا مصادر الحديث آنفاً فراجع .
إذن ، سبب نزول الآية في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب حين بات على فراش النبيّ صلى الله عليه وآله عند الهجرة ، ولسنا بصدد الدفاع والبيان بمن نزلت وعند مَن نزلت بل إنّ الفدائي الأوّل هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام كما تشير المصادر التالية الّتي حصّلنا عليها ، ونحن نذكرها على سبيل المثال لا الحصر :
إحياء علوم الدين للعلّامة الغزالي : 3 / 238 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 13 / 261 - 267 ط مصر تحقيق محمّد أبو الفضل ، تاريخ دمشق لابن عساكر / ترجمة الإمام عليّ : 1 / 137 ح 187 و188 و184 ح 249 و186 ح 250 و190 ح 251 .
شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني : 1 / 96 حديث 133 - 137 و139 - 142 . و123 تحقيق المحمودي ، مجمع الزوائد : 6 / 51 ، و :7 / 27 ، و :9 / 120 ، ذخائر العقبى : 87 ، الرياض النضرة : 2 / 271 و272 الطبعة الثانية و269 و270 الطبعة الثانية ، بحار الأنوار : 36 / 48 - 49 و63 ، و38 / 289 ، و :39 / 85 ، خصائص الوحي المبين : 94 ح 64 و98 ، العمدة لابن بطريق : 240 - 242 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 1 / 228 ، و : 8 / 52 و223 ، الغدير للأميني : 1 / 50 و51 ، و : 2 / 47 ، و :3 / 197 ، كفاية الطالب : 239 و240 ط الحيدرية و114 - 115 ط الغري ، تذكرة الخواص 35 - 200 ط الحيدرية و21 و115 ط آخر ، تفسير الفخر الرازي : 5 / 223 ط البهية ، و : 2 / 283 ط الطباعة بمصر .
أمّا في اُسد الغابة : 4 / 25 و 95 ط المكتبة الإسلامية للحاج رياض الشيخ قام بتصوير الكتاب بالاُوفست فقد حرّف الحديث مع الأسف الشديد وجنى على اللَّه ورسوله والإسلام جناية كبرى لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية والبشرية معاً ، بل محرّفها فَقَدَ أدنى مستويات الخُلق البشري والإنساني وتدنّا إلى المستوى الحيواني - إن صحّ التعبير - فقد بدّل كلمة «بات على فراشه» بكلمة يندى لها جبين الإنسانية ونحن نقولها من باب اطّلاع الكاتب والمؤرّخ والمحقّق المنصف على هذا المستوى ثمّ يُحكّم عقله في مثل هذه النقولات وهي «بال على فراشه» بينما يوجد الحديث صحيحاً في اُسد الغابة لابن الأثير : 4 / 25 ط المطبعة الوهبية بمصر ، وفضائل الخمسة : 1 / 230 ، و : 2 / 309 ، نور الأبصار : 78 ط السعيدية وص 78 ط العثمانية وص 96 ط دار الفكر ، ينابيع المودّة : 34 و35 و92 ط اسلامبول و105 و386 ط الحيدرية ، و : 1 / 273 ط اُسوة ، السيرة النبوية لزين دحلان بهامش السيرة الحلبية : 1 / 306 ، إحقاق الحقّ للتستري : 8 / 335 ط طهران ، و : 3 / 189 .
وكذلك في مروج الذهب: 2/285، الكافي : 8/280 ح 536 ، دلائل الصدق للشيخ المظفر: 2 / 127 و538 و539 ، و : 2 : 82 ط قم بصيرتي ، إعلام الورى : 191 ، الطرائف : 33 ، تفسير الحاكم الحسكاني: 1/96 و133 - 142 ، تفسير الثعلبي : 799 ، مسند أحمد : 5 / 25 ح 3062 بسندٍ صحيح ط دار المعارف بمصر ، تفسير الطبري ، تفسير القرطبي «الجامع لأحكام القرآن» ، تفسير النيسابوري، البحر المحيط لأبي حيان المغربي : 2 ، روح المعاني للآلوسي : 2، المستدرك للحاكم : 3 : 4 و 133 و132 ، تلخيص المستدرك للذهبي وصحّحه في ذيل المستدرك .
وأيضاً في تاريخ الطبري : 2 / 99 ، الكامل في التاريخ : 2 / 103 ، العقد الفريد : 5 / 99 الطبعة الثانية ، تاريخ اليعقوبي : 2 / 29 ط الغري ، سيرة ابن هشام : 2 / 91 ، المناقب لابن شهرآشوب : 2 / 57 ، فرائد السمطين : 1 / 328 ح 255 و330 ح 256 خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 6 - 64 ط الحيدرية و15 ط بيروت و70 تحقيق المحمودي . الإصابة : 2 / 509 ، أنساب الأشراف : 2 / 106 ح 43 ، المناقب للخوارزمي : 72 و127 فصل 12 ح 141 .
(49) انظر تاريخ دمشق : 1 / 153 - 155 ، تاريخ بغداد : 13 / 191 ، اُسد الغابة : 4 / 19 ، تاريخ اليعقوبي : 2 ر 39 ، المستدرك على الصحيحين : 3 / 4 ، مسند أحمد : 1 / 348 ، التفسير الكبير للفخر الرازي : 15 / 155 ، ذخائر العقبى : 87 ، الخرائج والجرائح نقلاً عن الإحقاق : 3 / 44 ، البحار : 19 / 28 نقلها من كتب الشيعة والسنّة وبألفاظ مختلفة فلاحظ ذلك .
(50) قرأ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قوله تعالى : (يس * وَ الْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ) إلى قوله : (فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) (يس : 1-9) كما ذكرناه آنفاً .
(51) وفي حديث ابن عباس «بئر ميمون» رواه أحمد بن حنبل: 1 / 373 ط و 330 الطبعة الاُولى ، وشواهد التنزيل: 1 / 125 ح 134 ، ومسند أبي داود الطيالسي: 360 ح 2753 ، تاريخ دمشق: 1 / 71 الطبعة الثانية .
(52) في (ب) : يرجمون .
(53) انظر شواهد التنزيل : 1 / 129 ح 139 ، تفسير الثعلبي رواه العلّامة الحلبي : 16 / 86 .
(54) انظر تذكرة الخواصّ : 41 ، السيرة الحلبية بهامش السيرة النبوية : 2 / 27 ، ينابيع المودّة : 94 ، المناقب لابن شهرآشوب : 2 / 65 ، البحار : 19 / 39 و 64 ، كنز الفوائد : 1 / 55 .
(55) أبو حامد محمّد الغزالي الطوسي (450 - 505 ه) مولده ووفاته في الطابران - قصبة طوس بخراسان - رحل إلى نيسابور ، ثمّ إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر ، وعاد إلى بلدته . نسبته الى صناعة الغزل أو إلى غزالة من قرى طوس . له كتب كثيرة منها : إحياء علوم الدين ، راجع : 3 / 154 ، تهافت الفلاسفة ، المنقذ من الضلال . . . . انظر ترجمته في كتاب رجال الفكر والدعوة في الاسلام : 206 ، الكويت سنة 1969 ، المنتظم لابن الجوزي : 9 / 169 ط دائرة المعارف حيدرآباد .
(56) في (د) : فكان .
(57) في (ب) : وأنزل .
(58) البقرة : 207 . وراجع المصادر السابقة .
(59) قال ابن عبّاس : أنشدني أمير المؤمنين شعراً قاله في تلك الليلة ، ثمّ ذكر الأبيات . (راجع الغدير : 2 / 48 ، و : 8 / 41 ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : 40 ، بحار الأنوار : 19 / 28 و 39 و 64 . تاريخ اليعقوبي : 2 / 33 ، الطّرائف لابن طاووس : 407 ، الشافي للسيّد المرتضى : 4 / 25 ، دلائل الصدق للشيخ المظفر : 2 / 404 ، اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي :1 / 130 ، شواهد التنزيل : 1 / 131 تحقيق المحمودي ، وأعيان الشيعة : 1 / 337 بتفاوتٍ بسيط ، السيرة الحلبية بهامش السيرة النبوية : 2 / 27 ، كنز الفوائد : 1 / 55 .
وقيل إنّ الشعر ورد هكذا :
وقيتُ بنفسي خير من وطئ الثرى الحصى
ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إلهٍ خاف أن يمكروا به
فنجّاه ذو الطول الإله من المكر
وبات رسول اللَّه في الغار آمناً
موقّى وفي حفظ الإله وفي الستر ستر
وبتّ اُراعيهم وما يبيتونني( يثبتونني ) ( ولم يتهمونني)
وقد وطئت( وطَنت ) نفسي علىالقتل والأسر
هكذا وردت في المناقب للخوارزمي : 127 فصل 12 ح 141 ، المستدرك : 3 / 4 ، فرائد السمطين : 1 / 330 باب 60 ح 256 . ووردت بألفاظ اُخرى قريبة جداً من هذه الألفاظ المشار إليها سابقاً عن الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام . (انظر ينابيع المودة : 92 ، الحاكم : 3 / 4 وكذلك قيلت أشعار اُخرى من قِبل الشعراء كابن علوية في قوله :
أمّن شرى للَّه مهجة نفسه
دون النبيّ عليه ذا تكلان
هل جاد غير أخيه ثمّ بنفسه
فوق الفراش يغطّ كالنعسان
وقول العوني والصاحب بن عبّاد والحميري كما ورد في المناقب لابن شهرآشوب : 2 / 60 ط ايران ، وابن الطوطي والزاهي وابن دريد الأسدي ودعبل الخزاعي ومهيار الديلمي والعبدي والمرتضى وابن حمّاد وخطيب خوارزم . انظر المناقب أيضاً : 1 / 339 ط النجف الاشرف .
(60) في (د) : الستر .
(61) في (أ): نظائره .
(62) في (ب) : فكلّ .
(63) لا نريد التعليق على هذا الكلام الّذي ينقله ابن الصبّاغ عن الغزالي «ومن كلام بعضهم . . .الخ» ولكن نسأل القائل ما وجه المقارنة هنا بين المساواة في الغار والاُنسة في المسير وبين الفداء بنفسه والّذي نزل بحقّه (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفُ بِالْعِبَادِ ) والّتي أطبق المؤرّخون على أنها نزلت في عليّ عليه السلام ، وسبق وأن دللنا على ذلك بالمصادر الّتي ذكرناها سابقاً كشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني : 1 / 123 ح 133 وما بعده ، والثعلبي في الكشف والبيان : 1 / 117 ، والرازي في تفسيره : 2 / 152 ، وغيرهم كثير .
إذاً أوّل من شرى نفسه للَّه عزّوجلّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقد ذكر أبو جعفر الإسكافي على ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة : 1 / 789 ط الحديثه ببيروت قال : وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ )وأنّ الآية الثانية هي في ابن ملجم وهي قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ) فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاث مائة ألف فلم يقبل ، فبذل أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك . فلاحظ بعض مخازي سمرة في الشرح المختار المذكور : 792 ، فإذا كانت المقارنة من هذا الباب فلا عتب ولا استدلال . هذا أوّلاً .
وثانياً : يقول صاحب كتاب مطالب السؤول نقلاً عن الإحقاق : 3 / 45 بأنه عليه السلام بات في المضطجع والمشركون مجمعون على أخذه وقتله ، ولم يضطرب لذلك قلبه ولا اكترث بهم . . . وأقام بمكة وحده بينهم ثلاث ليالٍ بأيامها يردّ الودائع . . . ثمّ خرج وحده من مكّة مع شدّة عداوتهم . فلو لم يكن اللَّه تعالى قد خصّ قلبه بقوّة وجنانه بثبات ونفسه بشهامة لاضطرب في هذا المقام . والنبيّ موسى عليه السلام مع درجة النبوّة لكن لمّا أمره بإلقاء عصاه فألقاها فلمّا صارت حيّة خاف واضطرب وولّى مدبراً كما قال تعالى : (أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ ) القصص : 31 . فلم يمكنه أن يخالف الأمر ، وكان عليه كساء فلفّ طرف الكساء على يده ليأخذها فقال : مالك يا موسى ؟ أرأيت لو أذن اللَّه تعالى لها في أذاك أرادّ عنك كساءك ؟ فقال : لا ، ولكنّي ضعيف ومن ضعفٍ خُلقت ، فالنفس البشرية هذا طبعها .
وكذلك اُمّ موسى عليه السلام لولا أن ربط اللَّه على قلبها فلم تنطق مع اضطراب القلب . فلولا أنّ اللَّه تعالى منح علياً عليه السلام قلباً متصفاً بالقوّة الثابتة لكان مع امتثال أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وأمنه من تطرّق الأذى إليه لقول النبيّ صلى الله عليه وآله يضطرب بالنفس البشريّة ، وهذا لما حدث لغيره (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) التوبة : 40 . فانظر المحاججة الّتي أقامها المأمون على فقهاء عصره بقصّة ليلة المبيت في الإحقاق : 3 / 189 وغيره من الكتب الّتي أشرنا إليها سابقاً .
وثالثاً : روى في المناقب لابن شهرآشوب : 2 / 58 وغيره عن مجاهد قال : فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في الغار ، فقال عبداللَّه بن شدّاد بن الهاد : فأين أنتِ من عليّ بن أبي طالب حيث نام في مكانه ، ويرى أ نّه يُقتل ؟ فسكتت ولم تحر جواباً . وشتّان بين قوله (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ) وبين قوله (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) وكان النبيّ معه يقوّي قلبه ، ولم يكن مع عليّ ، وهو لم يصبه وجع وعليّ يرمى بالحجارة ، وهو مختفٍ بالغار وعليّ ظاهر للكفار .
وانظر المسترشد في إمامة أمير المؤمنين : 433 ، الخصائص لابن البطريق : 98 ، كشف اليقين : 90 ، بحار الأنوار : 38 / 289 ، و : 36 / 48 و 49 ، إعلام الورى : 191 ، الطرائف : 33 ، العمدة : 340 ، دلائل الصدق : 2 / 538 ، الشافي للسيّد المرتضى : 4 / 25 ، الغدير : 2 / 48 ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : 40 ، تاريخ اليعقوبي : 2 / 33 ، الطرائف لابن طاووس : 407 ، اختيار معرفة الرجال : 1 / 130 ، كفاية الطالب : 115 ينابيع المودّة : 105 .
وهاهو شعر الصاحب بن عبّاد الّذي شرحه القاضي جعفر بن أحمد البهلولي اليماني : 85 ط بغداد :
قالت : فَمن بات من فوق الفراش فدىً
فَقُلْتُ : أثبَتُ خَلْقِ اللَّه في الوَهَل
ورابعاً : قال الإسترآبادي في هامش رجال الكشّي : 1 / 131 : إنّ همّه و حزنه وفزعه وانزعاجه وقلقه حين إذ هو مع النبيّ صلى الله عليه وآله المأمور من تلقاء ربه الحفيظ الرقيب بالخروج والهجرة والموعود من السماء على لسان روح القدس الأمين بالتأييد والنصرة ممّا يكشف عن ضعف يقينه وركاكة إيمانه جداً .
وخامساً : انّ إنزال اللَّه السكينة عليه صلى الله عليه وآله فقط لا على صاحبه ولا عليهما جميعاً مع كون الصديق أحوج إلى السكينة ، حينئذٍ فقلقه وحزنه يدلّ على أنه لم يكن أهلاً لذلك ، وإرجاع الضمير في «عليه» على أبي بكر كما يقول البيضاوي هو فرق لاتفاق المفسّرين ، وذلك لأن الضمير في «أيّده» و «عليه» في الجملتين المعطوفة والمعطوفة عليها يعودان إلى مفاد واحد . (انظر للمزيد كتاب الاحتجاج : 2 / 499 - 501 ، وكنز الفوائد للكراجي : 2 / 48 ، والكشكول للبحراني : 2 / 5) .
(64) يعني الغزالي .
(65) في (أ) : وأصبح .
(66) انظر المصادر السابقة في قصة الغار وقصة مبيت الإمام عليّ عليه السلام في فراش النبيّ صلى الله عليه وآله ليلة الهجرة ، وكذلك انظر شواهد التنزيل : 1 / 277 ح 283 و 285 - 288 ، وأمالي الشيخ الطوسي : 1 / 458 .
(67) هو الشيخ أبو محمّد القاسم بن عليّ بن محمّد بن عثمان الحريري البصري .
(68) في (أ ، ب) : وهراولهم .
(69) في (أ) : سمت ، وفي (ب) : فستمت ، وفي نسخة اُخرى : شمت .
(70) المقامات الحريرية : 2 / 83 ط بولاق - مصر .
(71) الفيّومي : شمس الدين محمّد ، له كتاب تخميس الكواكب الدرية في مدح خير البرية المعروفة بالبردة ، ط مطبعة الشرقية ، 1308ه : 42 .
(72) في (د): الرابعة .
(73) في (ب) : أجلاسها .
(74) في (أ) : أخرا .
(75) في (ب): فغاصت .
(76) انظر السيرة لابن هشام : 2 / 137 ، الكامل في التاريخ : 2 / 105 ، فرائد السمطين : 1 / 330 / 256 ، تاريخ اليعقوبي : 2 / 40 ، تذكرة الخواصّ : 41 ، السيرة الحلبية بهامش السيرة النبوية : 2 / 27 ، ينابيع المودّة : 92 ط اسلامبول ، كنز الفوائد : 1 / 55 ، البحار : 19 / 67 ، المناقب لابن شهرآشوب : 2 / 184 و 58 ، مروج الذهب : 2 / 85 ، الإحقاق : 3 / 45 ، معجم البلدان : 5 / 41 الكافي : 8 / 263 .
(77) في (د) : له .
(78) في (ب ، د) : الصبح .
(79) في (ب ، د) : الهدم .
(80) في (أ) : قبر .
(81) في (أ) : مؤبد . والمربد : مجلس الإبل وما شاكلها .
(82) في (أ) : تسجداً وهو تصحيف أو خطأ من النسّاخ .
(83) في (د) : قدومه .
(84) في (أ) : سبع وعشرون .
(85) في (ج) : بقلبه ، وهو تصحيف أو خطأ من النسّاخ .
(86) في (ب) : بسنا ، وفي (ج ، د) : بشبابيب .
(87) في (أ) : جرياً .
(88) في (ج) : فاتكا .
(89) في (ج) : وتطيعه .
(90) في (أ) : الفاكهة .
(91) يزعم بعض ذوي النفوس المريضة أنّ الرسول صلى الله عليه وآله أكره الناس على قبول الإسلام ونشره في السيف ، لكن هذا الزعم يخالف صريح قوله تعالى (لَآ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ ) البقرة : 256 . ومن هذا نفهم أنّ الإسلاموجد طريقهإلى القلوب عن طريق الحجّ مثلاً، ومكاتبةالملوك والاُمراء في عصرهصلى الله عليه وآله، واحترام الحرّيات الدينية ، والمحافظة على ميزان العدل بين العرب والفرس والروم وغيرهم . وقد مكث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس بالحجّة والموعظة الحسنة رغم ما أذاق من قريش هو وأصحابه الأذى والتشريد والحصار والتجويع والتهجير ، لكنه صلى الله عليه وآله ضرب المثل الأعلى في الصبر والتحمّل كما قال تعالى (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ لَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ) الأحقاف : 35 .
ولكن لمّا تفاقم الأمر أذن اللَّه لرسوله صلى الله عليه وآله وللمؤمنين بأن يقاتلوا في سبيل اللَّه كما في قوله تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ) الحجّ : 39 - 40 ، وقوله تعالى : (وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ - إلى قوله : - فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) البقرة : 190 - 193 ، وقوله تعالى (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ . . . ) النساء : 75 ، وقوله تعالى (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ) التوبة : 36 ، وغير ذلك من الآيات كما في سورة الأنفال : 58 و 15 - 16 ، والنساء : 74 و 104 ، ولسنا بصدد بيان وشرح ذلك ، هذا أوّلاً .
وثانياً : هنالك غزوات وسرايا لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله . والغزوة هي ما خرج فيها الرسول صلى الله عليه وآله مع المقاتلين ، والسريه هي مالم يخرج فيها بنفسه صلى الله عليه وآله فقد يعقد اللواء فيها لرجل من أصحابه ، وقد يُطلق على السَريّة غزوة كما في غزوة مؤتة ، وذات السلاسل ، وقد اختلف المؤرّخون في عدد الغزوات كما اختلفوا في عدد السَرايا ، وكذلك اختلفوا في مَن هي أول غزوة وتاريخها وترتيبها ، فمثلاً قال الواقدي في مغازيه : 2 / 580 : كانت أول السرايا بقيادة حمزة بن عبدالمطّلب وفي شهر رمضان من السنة الاُولى للهجرة . أمّا الطبري في تاريخه : 4 / 259 وابن هشام في السيرة : 2 / 243 فقالا : إنّ أول سرية هي لعبيدة بن الحارث بن عبدالمطّلب إلى ماء بالحجاز . وقيل : إنّ أول غزوة كانت في صفر من السنة الثانية .
أمّا غزوة بدر الكبرى فقد كانت في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة لسبع عشرة ليلة خلت منه ، والّتي ندب الرسول صلى الله عليه وآله نفراً من المسلمين لاعتراض قافلة قريش القادمة من الشام ، ولمّا علم أبو سفيان بذلك غيّر طريقه وتوجّه إلى البحر وسار بحذائه ثمّ انسل إلى مكة . . .
وقد التقى الرسول صلى الله عليه وآله بقريش عند ماء بدر (قال أبو اليقظان : إنّه - بدر - رجل من غفار رهط أبيذرّ الغفاري.وقالالشعبي : بدر بئر كانت لرجل يسمى بدراً) وهي أول حرب كان فيها الامتحان حيث قال تعالى : (كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . . . ) (الأنفال : 5 و 6) . وهي كما ذكر الماتن كانت على رأس ثمانية عشر شهراً من قدومه المدينة ، وعمر عليّ سبع وعشرون سنة . ولكن هذا غير متفق عليه ، فقد وجدنا في كتاب كشف اليقين لابن المطهّر الحلّي أنّ عمر الإمام عليّ عليه السلام سبع عشرة سنة في نسخة من النُسخ الموجودة في المكتبة المركزية بجامعة طهران تحت رقم (503) وكذا الحال بالنسبة إلىنسخة اُخرى تحت رقم (1627).
وكان عدد المشركين يتراوح بين 900 و 1000 كما جاء في تاريخ الطبري : 4 / 267 والسيرة لابن هشام : 2 / 354 ، وفيهم العباس بن عبدالمطّلب وأبو جهل ، وقتل من المشركين 70 من رجالاتهم وساداتهم ، أمّا المسلمون فقد استشهد منهم أربعة عشر . وهي الواقعة الّتي قال فيها ضمضم بن عمرو الغفاري - كما نقل ابن الأثير في الكامل : 2 / 116 - بعد أن جدع بعيره وحوّل رحله وشقّ قميصة - : اللطيمة اللطيمة ، يا معشر قريش أحوالكم مع أبي سفيان قد عرض له محمّد وأصحابه ، لا أدري إن تدركوها ، الغوث الغوث . . . فتجهّزت قريش ولم يتخلّف من أشرافها إلّا أبو لهب ، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة . وكانت خيل قريش فيها مائة فرس ومعهم سبعمائة بعير .
أمّا أصحاب رسول اللَّهصلى الله عليه وآله فقد نصّ المؤرّخون أنّ عددهم كان313 رجلاً ولم يكن فيهم إلّا فارسين: المقداد بن عمرو الكندي ، والزبير بن العوّام ، وكانت معهم 70 بعيراً وكانوا يتعاقبون على البعير بين الرجلين والثلاثة والأربعة ، فمثلاً كان بين النبيّ صلى الله عليه وآله وعليّ وزيد بن حارثة بعير . وكانت راية النبيّ صلى الله عليه وآله مع عليّ عليه السلام كما جاء في الكامل لابن الأثير :2 / 116 والسيرة الحلبية بهامش السيرة النبوية : 2 / 143 .
وكان المشركون قد اُصرّوا على القتال لكثرتهم وقلّة المسلمين ولذلك تحدّتهم قريش بالبراز واقترحت الاكفاء ، وفي وقتها قال أبو جهل : ما هم إلّا اُكلة رأس ، لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذاً باليد . وقال عتبةبن ربيعة: أترى لهم كميناً أو مداد ؟ فبعثوا عمر بن وهب الجمحي وكان فارساً شجاعاً ، فجال بفرسه حتّى طاف على عسكر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ثمّ رجع فقال : مالهم كمين ولا مداد. (تاريخ دمشق : 1 / 143 / 302).
وقال : لمّا استعدّ الفريقان للحرب وبرز من صفّ المشركين عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة وقالوا : يا محمّد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش ، فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار وانتسبوا لهم ، فقالوا : ارجعوا إنّما نريد الأكفاء من قريش . ثمّ نادوا يا محمّد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فنظر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى عبيدة بن الحارث بن عبدالمطّلب وكان له يومئذٍ سبعون سنة فقال : قم يا عبيدة ، ونظر إلى حمزة فقال : قم يا عم ، ثمّ نظر إلى عليّ عليه السلام فقال : قم يا عليّ - وكان أصغر القوم - فاطلبوا بحقّكم الّذي جعله اللَّه لكم ، فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها ، تريد أن تطفئ نور اللَّه ، ويأبى اللَّه إلّا أن يتمّ نوره . ثمّ قال : يا عبيدة ، عليك بعتبة بن ربيعة ، وقال لحمزة : عليك بشيبة وقال لعليّ : عليك بالوليد ، فمرّوا حتّى انتهوا إلى القوم فقالوا : أكفاء كرام .
فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته ، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنّها فسقطا جميعاً واحتمل عبيدة حياً بعد أن قدّت رجله فمات بالصفراء ، ورثاه كعب بن مالك في أبيات قال فيها :
أيا عين جودي ولا تبخلي
بدمعك وكفاً ولا سرري
عبيدة أمسى ولا نرتجيره
لعُرفٍ غدا ولا منكر
انظر الأحكام السلطانية للماوردي : 2 / 38 .
وحمل شيبة على حمزة فتضاربا بالسيفين حتّى انثلما ، وحمل أمير المؤمنين عليه السلام على الوليد فضربه على عاتقه فأخرج السيف من ابطه . قال عليّ عليه السلام : لقد أخذ الوليد يمينه بشماله ، فضرب بها هامّتي ، فظننت أنّ السماء وقعت على الأرض . ثمّ اعتنق حمزة وشيبة ، فقال المسلمون : يا عليّ ، أما ترى الكلب نهز عمّك - أي دفعه - فحمل عليه عليّ عليه السلام فقال : يا عمّ ، طأطئ رأسك ، وكان حمزة أطول من شيبة ، فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه عليّ عليه السلام فطرح نصفه ، ثمّ جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه . ( انظر دائرة المعارف الإسلامية : 1 فصل غزوة بدر ، البحار : 19 / 223 ، الإرشاد للشيخ المفيد : 66 فصل 30 باب 2) .
وفي قتل عتبة وشيبة والوليد تقول هند بنت عتبة :
أيا عين جودي بدمع سرب
على خير خندف لم ينقلب
تداعا له رهطه غدوة
بنوهاشم وبنوالمطّلب
يذيقونه حدّ أسيافهم
يعرّونه بعد ما قد شجب
ونقل صاحب شواهد التنزيل : 1 / 512 ح 545 تحقيق المحمودي عن جابر بن عبداللَّه قال : لمّا قُتل عتبة بن ربيعة يوم بدر ندبته ابنته هند ، وندبت عمّها شيبة ، وندبت أخاها الوليد ، وهجت بني هاشم ، فلمّا جاء هجاؤها أراد حسّان أن يجيبها ، فأرسلت إليه عمرة اُخت عبداللَّه بن رواحه ؛ دعني حتّى أجيبها ، فكان هجاؤها :
إنى رأيت نساءً بعد إصلاح
في عبد شمس فقلبي غير مرتاح
هاجت لها أعين تترى وتتبعها
من رأس محزونةٍ ما إن لها لاح
لمّا تنادت بنو فهر على خنق
والموت بينهم يسعى لأرواح
ناديت أسداً لآساد خضارمة
إلى الكفاح فما آبوا بتفتاح
إلى أن قال : فأجابتها عمرة اُخت عبداللَّه بن رواحة :
يا هند صبراً فقد لاقيت مهبلة
يوم الأعنّة والأرماح في الراح
إذ الفوارس من أوس كأ نّهم
سرج أضاءت على خدر وألواح
تغدو بهم ضمر كمت مُسوَّمة
إلى الكفاح عليها كلّ كفاح
إلى أن قالت :
والداعيان عليّ وابن عمته
أمست جلايلهم منها بأتراح
يا هند إن تصبري فالقتل عادتنا
هذا أخوك على مدخوّة الداح
ولسنا الآن بصدد بيان الأشعار الّتي قيلت في يوم بدر .
ثمّ بارز عليّ عليه السلام العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه من سواه فلم يلبثه أن قتله ، وبرز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله ، وبرز إليه طعيمة بن عدىّ فقتله ، وقتل بعده نوفل بن خويلد . وكان الفتح لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله بسيف عليّ عليه السلام بمعونة اللَّه له وتأييده وتوفيقه ونصره ، وبهذا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لقريش بعد أن رمى كفّاً من الحصى في وجوههم : شاهت الوجوه ، كما جاء في تفسير الكشّاف للزمخشري والفخر الرازي في تفسيره لذيل الآية (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) الأنفال : 17 . وذكر ذلك السيوطي في الدرّ المنثور ، وأخرجه الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس . وقال تعالى : (وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَ كَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) الأحزاب : 25 . (انظر الإرشاد للشيخ المفيد : 61) .
وجاء في صحيح البخاري كتاب بدء الخلق وفي باب قتال أبي جهل ح 4428 وبشرح الكرماني : 17 / 216 ط بيروت ، و : 15 : 161 روى بسنده عن عليّ عليه السلام انّه قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة . قال : وقال قيس بن عباد : وفيهم نزلت (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ ) الحج : 19 . قال : هم الّذين تبارزوا يوم بدر : حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث ، وشيبة بن ربيعة وعتبة والوليد بن عتبة . وروى ذلك مسلم في صحيحه في كتاب التفسير للآية الكريمة : 8 / 245 / 3033 ، وابن ماجة أيضاً في صحيحه في أبواب الجهاد ، والحاكم في المستدرك على الصحيحين : ج 3 في تفسير سورة الحجّ ، والبيهقي في سننه : 3 / 276 ، ونور الأبصار للشبلنجي : 78 في ذكر قصّة مبارزة عليّ عليه السلام يوم بدر ، والسيوطي في الدرّ المنثور ، وحلية الأولياء : 9 / 145 روى بسنده عن محمّد بن إدريس الشافعي قال :
دخل رجل من بنى كنانة على معاوية بن أبي سفيان فقال له : هل شهدت بدراً ؟ قال : نعم ، قال : مثل مَن كنت ؟ قال : غلام قمدود ، مثل عطباء الجلمود ، قال : فحدّثني ما رأيت وحضرت ، قال : ما كنّا شهوداً إلّا كأغياب ، ومارأينا ظفراً كان أوشك منه ، قال : فصف لي ما رأيت ؟ قال : رأيت في سرعان الناس عليّ بن أبي طالب غلاماً شاباً ليثاً عبقرياً يفري الفرى لا يلبث له أحد إلّا قتله ، ولا يضرب شيئاً إلّا هتكه ، لم أر من الناس أحداً قطّ أنفق يحمل حملة ويلتفت التفاتة . . . وكان له عينان في قفاه وكان وثُوبه وثُوب وحش . . . وروى مبارزة عليّ عليه السلام يوم بدر كلّ من صاحب الرياض النضرة : 2 / 225 ، والطبري في تاريخه : 2 / 197 و 269 ، وكنز العمّال : 5 / 273 ، شواهد التنزيل : 1 / 503 و 532 - 545 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 3 / 17 ط بيروت ، وفى أمالي المحاملي : 2 / 24 ، أسباب النزول للواحدي : 231 ، المعجم الكبير للطبراني : 1 / 144 ، المناقب لابن المغازلي : 264 ح 311 .
وقفة وتأمّل :
رويت معركة بدر بعدّة طرق ولسنا بصدد بيانها بل نأخذ تفصيل الخبر من ابن هشام في سيرته :2 / 253 وصحيح مسلم كتاب الجهاد والسير : 3 / 1403 لنقطع دابر أصحاب النفوس المريضة والأقلام المأجورة المشكّكة في كلّ واقعة وفضيلة لأهل البيت عليهم السلام من أمثال : ابن كثير ، وابن تيمية ، وابن خلدون ، وابن القيّم الجوزية ، ومن تبعهم في ذلك المنهج المخالف لقوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ) .
والملفت للنظر في هذه الوقفة هو قول المؤرّخ والاُستاذ صاحب تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي الدكتور حسن إبراهيم حسن والمدير السابق لجامعة أسيوط وخرّيج الجامعات الاُوربية والولايات المتحدة الامريكية يقول تحت عنوان «غزوة بدر الكبرى» : 1 / 107 ط 7 دار الأندلس بيروت في الهامش رقم 3 : إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أول من سمّى عبداللَّه بن جحش بأميرالمؤمنين ، وهو أول من سُمّي بهذا الاسم . . . ويسرد القصّة كاملة ولكن لم يشر إلى عليّ عليه السلام لامن بعيد ولا من قريب بل ذكر عذراً واهياً لمن تخلّف عن المعركة وهو عثمان بن عفّان كما جاء في ص 110 بأ نّه تخلّف بأمر الرسول صلى الله عليه وآله مع اُسامة بن زيد في المدينة لتمريض رقية بنت الرسول وزوجة عثمان الّتي فاضت روحها والمسلمون في المعركة ، وأتى البشير بالنصر وهم يوارونها في التراب . . . ثمّ يتكلّم عن الأنفال وتقسيم الغنائم وكأنّ كتابه جاء لشرح المبرّرات لأصحاب الأعذار وتقسيم الغنائم مع العلم أنه لم يذكر طلحة بن عبيداللَّه وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل وأبا لُبابة والحارث بن حاطب الأنصاريان ، وهؤلاء كلّهم من المتخلّفين عن معركة بدر . (انظر المعارف : 154) .
ولكنلا أقول لهإلّا ما ذكره هو في نفسالصفحة السطر الثاني حيثيقول : ونسي كلّ فريق من هؤلاء - الّذين أحاطوا بالرسول يحرسونه خشية أن يغتاله المشركون والّذين دخلوا في لهوات الحرب - نصيب الآخرين واستحقاقهم في النفل . . . وأقوال : فإنك اُيها الاُستاذ قد نسيت أو تجاهلت أو أنساك اللَّه جهاد وبطولات الإمام عليّ عليه السلام ولا اُريد أن اُذكّرك بقوله تعالى (نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ )بل اُورد لك ما قالته المصادر التاريخية فقط دون تعليق حفظاً للألقاب الّتي تحملها والموجودة على صفحات كتابك .
روى ابن هشام وقال : وأتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم ، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش ، فقام أبو بكر الصدّيق فقال وأحسن ، ثمّ قام عمر بن الخطّاب فقال وأحسن ، ثمّ قام المقداد . . . ثمّ ذكر ما قاله المقداد وما قالته الأنصار ، بينما لم يذكر ما قاله أبو بكر ثمّ عمر !
وفي صحيح مسلم : فتكلّم أبو بكر فاعرض عنه ، ثمّ تكلّم عمر فأعرض عنه ، فقام المقداد . . . لاحظ أنّ مسلماً هكذا ذكر أيضاً ، ولم يذكر ما تكلّم به أبو بكر ، وكلاهما لم يتمّا ذكر الخبر . . . ولكن نحن ننقل تمام الخبر من مغازي الواقدي : 1 / 48 - 49 ط اكسفورد ، وإمتاع الأسماع للمقريزي : 74 - 75 . قال الواقدي : قال عمر بن الخطّاب : يا رسول اللَّه ، إنّها واللَّه قُريش وعزُّها ، واللَّه ما ذَلَّت منذ عَزَّتْ ، واللَّه ما آمنت منذ كفرت ، واللَّه لا تُسلم عزّها أبداً ولتقاتلنّك ، فاتَّهب لذلك اُهْبَتَه وأعدَّ لذلك عُدَّته . ثمّ قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول اللَّه ، امض لأمر اللَّه فنحن معك ، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لنبيّها (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلَآ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) المائدة : 24 ، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ، والّذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى بِرْك الغِماد لسرنا معك . . . وقال سعد بن معاذ : والّذي بعثك بالحقّ لو استعرضت هذا البحر فخُضْتَه لخضناه معك ، ما بقي منّا رجل ، وَصِل من شئت ، واقطع من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وما أخذت من أموالنا أحبّ إلينا ممّا تركت .
هذا من جانب أيها الدكتور العزيز ، ومن جانب آخر فقد أثبت أهل السِير والتاريخ واتفق علماء الحديث من الفريقين أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله أعطى عليّاً عليه السلام رايته يوم بدر ، فهذا الطبري في تاريخه : 2 ص 138 قال : وكان صاحب راية رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عليّ بن أبي طالب عليه السلام وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة . وقال صاحب الاستيعاب بهامش الإصابة : 3 / 33 : . . . وأجمعوا على أنّ عليّاً عليه السلام صلّى القبلتين وهاجر وشهد بدراً والحديبية وسائر المشاهد ، وأ نّه أبلى ببدر وبأحد وبالخندق وبخيبر بلاءً عظيماً ، وأ نّه أغنى في تلك المشاهد ، وقام فيها المقام الكريم ، وكان لواء رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بيده في مواطن كثيرة ، وكان يوم بدر بيده . وقال ابن عباس : دفع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الراية يوم بدر إلى عليّ وهو ابن عشرين سنة . ( المصدر السابق ) .
وأمّا ابن عساكر في تاريخ دمشق : 1 / 142 ح 200 فقال : إنّ راية المهاجرين كانت مع عليّ عليه السلام في المواقف كلّها يوم بدر ، ويوم اُحد ، ويوم خيبر ، ويوم الأحزاب ، ويوم فتح مكّة ، ولم تزل معه في المواقف كلّها . وقال أيضاً في 145 ح 208 : إنّ عليّ بن أبي طالب كان صاحب لواء رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يوم بدر وفي كلّ مشهد .
أمّا تشكيك الطبري في : 4 / 226 من حضور العباس غزوة بدر فهو تشكيك في غير محله ولسنا بصدد مناقشة الطبري وأمثاله حتّى أنّ ابن قتيبة في معارفه : 154 أول ما ذكر العباس بن عبدالمطّلب ، وكذلك في سيرة ابن هشام : 22 / 321 بل نورد الأحاديث الّتي وردت من قِبله صلى الله عليه وآله بالنهي عن قتل العباس خاصةّ وقتل بني هاشم عامّة . وكذلك نهى عن قتل أبي البختري بن هشام بن الحارث بن أسد ، مع ملاحظة أنّ نهيه صلى الله عليه وآله عن قتل بني هاشم عامّة ونهيه عن قتل عمّه خاصة تاكيد وتشديد ومبالغة لما عنده من العلم بأنهم اُخرجوا كرهاً ولم يؤذوا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وكان يأمل توفيقهم وهدايتهم إلى اللَّه تعالى ورسوله ومع ذلك فقد أبي ابن البختري عند ما قال له المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله نهانا عن قتلك ، فقال ابن البختري : أنا وصاحبي - جنادة بن مليحة من بنى ليث ؟ قال له : لا واللَّه ما نحن بتاركي صاحبك وما أمرنا رسول اللَّه إلّا بك وحدك . . . فاختار القتال وقتله المجذر .
ومن أراد الاطّلاع على ذلك فليراجع المصادر مثل الكامل في التاريخ : 2 / 89 ، والطبري نفسه في تاريخه :2 / 282 ، والصحيح من سيرة النبيّ الأعظم : 3 / 172 ، والسيرة النبوية لابن هشام : 2 / 281 ، والسيرة الحلبية : 2 / 168 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 14 / 133 و183 ، والبداية والنهاية لابن كثير : 3 / 284 ، الدرجات الرفيعة : 80 ، ومجمع البيان : 4 / 559 ، وغيرها .
أمّا أنّ العباس قد اُسر فلا شكّ ولا ريب في ذلك ، وقد نصّ عليه كلّ من أرّخ وقعة بدر من أهل السِير والأخبار ، وهو صلى الله عليه وآله الّذي قال : سمعت تضوّر عمّي العباس في وثاقه فمنعني النوم ، فقاموا إليه فأطلقوه فنام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . ( ذكر ابن الأثير في الكامل : 2 / 89 ، والدرجات الرفيعة : 80 ، ومجع البيان : 4 / 559 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد : 14 / 182 ، وكنز العمّال : 5 / 272 ح 5391 ، والصحيح من سيرة النبيّ الأعظم : 3 / 520 ، والبداية والنهاية : 3 / 285 ، وصحيح مسلم : 6 / 157 . وقد ذكره الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل : 1 / 511 ح 541 وهو حديث طويل ولكن جاء في آخره : . . . فجاء رجل من الأنصار - أبو اليسر - كما ذكره الماوردي : 2 / 46 واسمه كعب بن عمرو .
وذكره أيضاً ابن قتيبة في المعارف : 155 ، قال العباس : يا رسول اللَّه إنّ هذا واللَّه أسرني بعدما أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً ، على فرس أبلق ما أراه فى القوم ، فقال الأنصاري أنا أسرته يا رسول اللَّه ، فقال : أسكت لقد أيّدك اللَّه عزّوجلّ بملك كريم ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله : كيف أسرت العباس يا أبا اليسر ، قال : يا رسول اللَّه لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قطّ هيئته كذا وكذا ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : لقد أعانك عليه ملك كريم . وقال للعباس : افْدِ نفسك ، وابني أخيك عقيل بي أبي طالب ، ونوفل بن الحارث ، وحليفك عتبة بن عمر ، فقال : يا رسول اللَّه إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني ، فقال
(92) في (أ) : شاركه ، وفي (ب) : شاركهم .
(93) في (أ) : ربيعة .
(94) في (د): أبناء.
(95) ذكرهمالشيخ المفيد في الإرشاد: 61و69 الفصل18و20 منالباب2، كشفالغمّة: 1/241 باب المناقب.
(96) منهم : طعيمة بن أبي عدي ، وعقبة بن أبي معيط ، قتلهم النبيّ صلى الله عليه وآله صبراً كما يقول ابن قتيبة في المعارف : 155 ، ولكن في 156 يقول : وقال بعضهم : قتله عليّ عليه السلام وقال بعضهم : قتله حمزة ، لكن في نسخة اُخرى غير النسخة الّتي حقّقها ثروة عكاشة بخطّ يوحنا بن يوسف من مخطوطات المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم 1465 يذكر ابن قتيبة فيها أنّ طعيمة بن عدي قتله عليّ عليه السلام يوم بدر . ويؤيد هذا القول الشيخ المفيد رحمه الله في الإرشاد : 69 فصل 20 من الباب 2 حيث قال : روي عن عروة بن الزبير أنّ علياً عليه السلام أقبل يوم بدر نحو طعيمة بن أبي عدي بن نوفل فشجره (فشجّه) بالرمح وقال له : واللَّه لا تخاصمنا في اللَّه بعد اليوم أبداً .
(97) في (أ): طعيم.
(98) قال الشيخ المفيد رحمه الله لقد أثبت الرواة من أهل السنّة والشيعة أسماء الّذين تولّى أمير المؤمنين عليه السلام قتلهم ببدر من المشركين على اتفاق فيما نقلوه من ذلك وهم : الوليد بن عتبة ، وكان شجاعاً جريئاً وقّاحاً فاتكاً ، يهابه الرجال . العاص بن سعيد ، وكان أمرؤاً عظيماً في شجاعته تهابه الأبطال . طعيمة بن عدي بن نوفل ، وكان من رؤوس أهل الضلال . نوفل بن خويلد ، وكان من أشدّ المشركين عداوةً لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله . زمعة بن الأسود ( الأسد - خ ل ) . الحارث بن زمعة . النضر بن الحارث بن عبدالدار . عمير بن عثمان بن كعب بن تيم عمّ طلحة بن عبيد اللَّه . عثمان بن عبيداللَّه . مالك بن عبيداللَّه أخوا طلحة بن عبيداللَّه . مسعود بن أبي اُمية بن المغيرة . قيس بن الفاكه بن المغيرة . حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة . أبو قيس بن الوليد بن المغيرة . حنظلة بن أبي سفيان . عمرو بن مخزوم . أبو المنذر ابن أبي رفاعة . منبّه بن الحجاج السهمي . العاص بن منبّه . علقمة بن كلدة . أبو العاص ابن قيس بن عدي .
معاوية بن المغيرة بن أبي العاص . لوذان بنربيعة . عبداللَّه بنالمنذر بن أبي رفاعة . مسعود بن اُمية بن المغيرة . حاجب بنالسائب بن عويمر . أوس بن المغيرة بن لوذان . زيد بن مُليص . عاصم بن أبي عوف . سعيد بن وهب حليف بني عامر . معاوية بن عامر بن عبد القيس . عبداللَّه بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد . السائب بن مالك . أبو الحكم ابن الأخنس . هشام بن أبي اُمية بن المغيرة . انظر المصادر السابقة والصحيح من سيرة النبيّ الأعظم : 3 / 192 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 14 / 208 ، المغازي للواقدي : 143 ، كشف الغمّة : 1 / 241 ، البحار : 19 / 240 وذكر المجلسي أنّ قتلى المشركين يوم بدر سبعون ، قتل منهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام سبعة وعشرين .
وقد أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن تطرح القتلى في القليب ، فطرحوا فيه ، ولمّا القوا في القليب وقف عليهم صلى الله عليه وآله وقال : يا أهل القليب بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم ! كذّبتموني وصدّقني الناس . ثمّ قال : يا عتبة ، يا شيبة ، يا اُميّة بن خلف ، يا أبا جهل بن هشام ، وعدّد من كان في القليب ، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّاً ؟ فإنّي وجدتُ ما وعدني ربّي حقّاً ، فقال له أصحابه : أتكلّم قوماً موتى ؟ فقال صلى الله عليه وآله : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني . . . ثمّ استوصى بالأسرى خيرا . (انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير : 2 / 129) .
(99) في (ب): إليهم .
(100) هم كما أشرنا سابقاً : عوف ومسعود ابنا عفراء ، وعبداللَّه بن رواحة . (انظر المصادر السابقة والأحكام السلطانية لأبي يعلى محمّد بن الحسين الحنبلي الفرّاء : 1 / 420 ، والأحكام السلطانية للماوردي : 2 / 38 تحقيق الدكتور محمّد حامد الطبعة الثانية منشورات مكتب الإعلام المركزي / قم ، المغازي للواقدي : 1 / 148 تحقيق الدكتور مارسدن جونس / نشر دانش اسلامي) .
(101) في (ب) : بنا .
(102) في (أ) : في .
(103) في (ب ، د) : عليهم .
(104) في (أ) : ضربتين .
(105) في (ج): بيده .
(106) في (ج) : قتيلاً .
(107) في (ب) : يذكر .
(108) روى الحديث الشيخ المفيد في الإرشاد : 66 فصل 30 باب 20 بهذا اللفظ : كأ نّي أنظر إلى وميض خاتمه في شماله ، ثمّ ضربته ضربة اُخرى فصرعته وسلبته ، فرأيت به ردعاً من خلوق ، فعلمت أ نّه قريب عهد بعرس . وروى الحسين بن حميد قال بإسناده إلى جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : لقد تعجّبت يوم بدر من جرأة القوم ، وقد قتلت الوليد بن عتبة وقتل حمزة عتبة وشركته في قتل شيبة ، إذ أقبل إليَّ حنظلة بن أبي سفيان ، فلمّا دنا منّي ضربته ضربة بالسيف فسالت عيناه فلزم الأرض قتيلاً . (الإرشاد : 74 ، ومن أراد المزيد فليراجع المصادر الّتي أشرنا إليها سابقاً) .
(109) في (أ) : وبارز .
(110) في (د) : مشى .
(111) في (أ) ذباب .
(112) اُحد: اسم جبل من جبال المدينة غير بعيد عنها سُمّيت باسمه المعركة المشهورة بين قريش والمسلمين، محاولة انتقام المشركين من المسلمين ثأراً لبدر . قُتل فيها حمزة ومصعب بن عمير وعبداللَّه بن جبير وغيرهم . وقعت في 7 شوال وقيل في 15 شوال يوم السبت سنة (3 ه) . وخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عصر الجمعة والقتال يوم السبت ، وكان عدد المشركين حوالي ثلاثة آلاف فارس وقائدهم أبو سفيان وزوجته هند بنت عتبة تدقّ الدفوف ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير . كما ذكر ابن الأثير في الكامل: 2 / 149 ، وفي كشف اليقين : 126 يذكر الواقعة في شوال سنة (3 ه) . المغازي للواقدي : 1 / 199 .
وعقد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ثلاثة ألوية على ثلاثة رماح : لواء المهاجرين بيد الإمام عليّ عليه السلام ، ولواء الأوس بيد اُسيد بن حضير ، ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر ، وقيل بيد سعد بن عبادة واعطى الراية - وهي العلم الأكبر واللواء دونها - لعلي بن أبي طالب عليه السلام كما ذكر ذلك صاحب أعيان الشيعة : 1 / 385 . وسارصلى الله عليه وآله من المدينة بعد العصر بألف رجل واستخلف على المدينة ابن اُمّ مكتوم. ولمّا وصل النبيّصلى الله عليه وآله إلى مكان يسمّى الشيخين عرض عسكره وبات هناك ثمّ سار إلى أن وصل إلى بستان يسمّى الشوط - بين المدينة واُحد - ومن هناك رجع عبداللَّه بن اُبيّ بن سلول مع ثلاثمائة منافق بعد أن قال : عصاني - يقصد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله - واتّبع الولدان . (تاريخ الإسلام) لحسن إبراهيم حسن : 1 / 111 نقلاً عن الطبري : 4 / 226 - 282 . ونقل ابن قتيبة في معارفه : 159 أنه قال : واللَّه ما ندري عَلامَ نقتل أنفسنا . وهم الّذين أشار إليهم المصنّف في قوله - فرجع قريب من ثلثهم وبقي مع النبيّ صلى الله عليه وآله سبعمائة من المسلمين . . .
وجعل صلى الله عليه وآله اُحد خلف ظهره بينما المشركون استقبلوا اُحداً ولواؤهم بيد طلحة بن أبي طلحة والّذي يُسمّى بكبش الكتيبة. (كما ذكر ذلك الطبري في تاريخه:2/187، والإرشاد للشيخ المفيد: 43، والمناقب لابن شهرآشوب : 1 / 191 ، وكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين لابن المطهّر الحلّي : 127 ، والكامل في التاريخ لابن الأثير : 2 / 150 ، ودائرة المعارف الشيعية لحسن الأمين : 1 معركة اُحد ، والواقدي في المغازي : 1 / 48 و208 ط اُخرى ط اكسفورد ، وإمتاع الأسماع للمقريزي : 74 و113 و118) .
وصفّ النبيّ صلى الله عليه وآله أصحابه ، وجعل الرماة خلف العسكر عند فم الشعب الّذي في جبل اُحد ، وكانوا خمسين رجلاً ، وأمّر عليهم عبداللَّه بن جبير ، وقيل عبداللَّه بن عمر بن خرم . (كما ورد في كشف اليقين : 126) . وقال له صلى الله عليه وآله : أثبت على مكانك إن كانت لنا أو علينا ، فإنّا لا نزال غالبين ما ملكتم مكانكم ، فإن أدخلناهم مكّة فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتّى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا ، والزموا مراكزكم . (انظر الكامل في التاريخ : 2 / 150) . وقيل : إنه قال لهم : لا تبرحوا من مكانكم وإن قتلنا عن آخرنا ، فإنّما نوتى من موضعكم هذا . (كشف اليقين فى فضائل أمير المؤمنين : 126) . وقيل : إنه صلى الله عليه وآله قال لعبداللَّه بن جبير : انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا ، واثبتوا مكانكم إن كانت لنا أو كان علينا ، فإنا إنما نؤتى من هذا الشِعب شِعب اُحد . (تاريخ اليعقوبي : 2 / 48) .
قال ابن عباس : لمّا كان يوم اُحد صعد أبو سفيان الجبل فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : اللّهمّ إنّه ليس لهم أن يعلونا. (انظر الكامل في التاريخ : 2 / 160 ، دائرة المعارف الشيعية : 1 / 257 باب معركة اُحد) . ومكث أبو سفيان ساعة وقال : يوماً بيوم ، إنّ الأيام دول وإنّ الحرب سجال ، فقال صلى الله عليه وآله : أجيبوه . فقالوا : لا سواء . قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال أبو سفيان : لنا عُزّى ، ولا عُزّى لكم . فقال صلى الله عليه وآله : اللَّه مولانا ولا مولى لكم ، فقال أبو سفيان : اُعلُ هبل فقال صلى الله عليه وآله اللَّه أعلى وأجلّ . (انظر المحاروة في البحار : 2 / 23 ، الكامل : 2 / 160 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 2 / 47 ، السيرة الحلبية : 2 / 245 ، و : 3 / 96 ، الدرجات الرفيعة : 66 ، فرائد السمطين : 1 / 257 ، تاريخ دمشق لابن عساكر : 1 / 148 ، المناقب لابن المغازلي : 197 ، ذخائر العقبى : 181) .
وصفّ المشركون صفوفهم وكانت لهم ميمنة وميسرة ، والتقى المسلمون المشركين واشتعلت الحرب وقامت هند بضرب الدفوف ومعها المعازف والخمر والقيان لإثارة حماستهم ، والتحم الجيشان وصمد بعضهما لبعض ، واتبع المسلمون خطّة الرسولصلى الله عليه وآله أول الأمر ، فكان النصر في جانبهم ، فقد حصدوا أعداءهم بالسيوف حتّى كشفوهم عن العسكر ، ولذا يقول الزبير بن العوّام حسب ما نُقل في سيرة ابن هشام : 2 / 224 و 245 : واللَّه لقد رأيتني انظر إلى خدم هند بنت عتبة مشمرات هوارب مادون أخذهنّ قليل ولا كثير .
ولمّا رأى المسلمون تقهقر المشركين وأهمل الرماة وصية الرسول صلى الله عليه وآله إياهم بالثبات في أماكنهم حتّى يعلن هو انتهاء الحرب ، واخذوا يجمعون ما تركه العدو وراءه من الغنيمة والاسلاب . وقد ذكّرهم أميرهم مرّات ومرّات وقال لهم : إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أمرني أن لا أبرح من موضعي . فقالوا : إنه قال ذلك وهو لا يدري أنّ الأمر يبلغ ما ترى . (انظر كشف اليقين : 127) . ومالوا إلى الغنائم وتركوه . فحمل عليه خالد بن الوليد فقاتله فقتله بعد أن فنيت نباله وطاعن بالرمح حتّى انكسر ثمّ كسر جفن سيفه وجاء من ظهر النبيّ صلى الله عليه وآله وقال لأصحابه : دونكم هذا الّذي تطلبون ، فحملوا عليه حملة رجل واحد ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح . ورمياً بالنبال ورضحاً بالحجارة ، وجعل أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقاتلون عنه حتّى قُتل منهم سبعون رجلاً . (انظر تاريخ الطبري : 2 / 131 ، مناقب ابن شهرآشوب : 1 / 187 ، و : 3 / 122 ، الأحكام السلطانية للماوردي : 2 / 40 ، الأحكام السلطانية للفرّاء : 1 / 42 .
قتل حمزة والتمثيل به :
حمزة بن عبدالمطّلب يكنى أبا عُمارة ، وأبا يعلى ، وهو أسد اللَّه وأسد رسوله صلى الله عليه وآله عمّ النبيّ قتله غلام يقال له وحشي مولى مطعم بن جبير ، وقد بعثه مولاه مع قريش وقال له : إن قتلت حمزة بعمّي طعيمة بن عدي فأنت عتيق ، وجعلت هند بنت عتبة لوحشي جعلاً على أن يقتل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أو عليّاً أو حمزة . فقال : أمّا محمّد فلاحيلة فيه ، لأنّ أصحابه يطوفون به . وأمّا عليّ فإنّه إذا قاتل كان أحذر من الذئب . وأمّا حمزة فأطمع فيه ، لأ نّه إذا غضب لا يبصر ما بين يديه ، فقتله وحشي ، وجاءت هند فأمرت بشقّ بطنه وقطع كبده والتمثيل به ، فجدعوا أنفه واُذنيه . وهي الّتي اتخذت من آذان الرجال وآنافهم وأصابع أيديهم وأرجلهم ومذاكيرهم قلائد ومعاضد ، واعطت وحشي معاضدها وقلائدها جزاء قتله حمزة فلاكة كبدة فلم تسفه فلفظته . (انظر الكامل في التاريخ : 2 / 111 ، الدرجات الرفيعة : 66 - 69 ، السيرة النبوية لابن هشام : 3 / 96 ، السيرة الحلبية : 2 / 246 ، كشف اليقين لابن المطهّر الحلّي : 128) .
وذكر أهل السِير والأخبار كإبن جرير وابن الأثير وابن كثير وصاحب العقد الفريد وغيرهم ما قد أخرجه أحمد بن حنبل : 2 / 40 عن ابن عمر أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لمّا رجع من اُحد جعلت نساء قريش يبكين على من قتل من أزواجهن . قال : فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : ولكن حمزة لا بواكي له ، قال : ثمّ نام فانتبه وهنّ يبكين ، قال فهنّ اليوم إذا يبكين يندبن حمزة .
وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلاً عن الواقدي بهامش الإصابة : 1 / 275 قال : لم تبك امرأة من الأنصار على ميت - بعد قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لكن حمزة لا بواكي له - إلى اليوم إلّا بدأن بالبكاء على حمزة . (انظر للمزيد اُسد الغابة ، والطبقات الكبرى : 2 / 44 ، و : 3 / 11 و17 - 19 ، ذخائر العقبى : 183 ، والسيرة النبوية لابن هشام : 3 / 104 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 15 / 42 ، الكامل في التاريخ : 2 / 113 ، الغدير : 6 / 165 ، مجمع الزوائد : 6 / 120 ، وسائل الشيعة : 2 / 922 كتاب الطهارة ب 88 من أبواب الدفن ح 3 .
كان حمزةرحمه الله يحمل على القوم ، فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد ، لكن غدر وحشي وحقد هند هما اللذان مكنّا حربة وحشي فأصابته في أربيته ، وانشغال المسلمون بهزيمتهم هي الّتي مكّنت هند من شقّ بطنه وقطع كبده والتمثيل به ، ولذا قال الشاعر كما ورد في كشف الغمّة: 1/258.
ولا عار للأشراف إن ظفرت بها
كلاب الأعادي من فصيح وأعجم
فحربة وحشي سقت حمزة الردى
وحتف عليّ من حسام ابن ملجم
وحين رآه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : لولا أن تحزن صفيّة أو تكون سنّة بعدي تركته حتّى يكون في أجواف السباع وحواصل الطير ، ولئن أظهرني اللَّه على قريش لأمثلهن بثلاثين رجلاً منهم . كما ذكر ابن الأثير في الكامل : 2 / 161 . وقال المسلمون : لنمثّلنّ بهم مُثلةً لم يمثلها أحد من العرب ، فأنزل اللَّه في ذلك (وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِى ) النحل : 126 . فعفا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصبر ونهى عن المثلة .
ولذا ورد في السيرة الحلبية عن ابن مسعود : 2 / 246 قال : ما رأينا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله باكياً أشدّ من بكائه على حمزة عليه السلام ووضعه في القبلة ، ثمّ وقف على جنازته وانتحب حتّى نشق - أي شهق - حتّى بلغ به الغَش ، يقول صلى الله عليه وآله : يا عمّ رسول اللَّه ، وأسد اللَّه ، وأسد رسول اللَّه ، يا حمزة فاعل الخيرات ، يا حمزة يا كاشف الكربات ، يا حمزة ياذابّ عن وجه رسول اللَّه . وقال صلى الله عليه وآله : جاءني جبريلعليه السلام وأخبرني بأنّ حمزة مكتوب في أهلالسماوات السبع : حمزة بن عبدالمطّلب أسد اللَّه وأسد رسوله . وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الزبير أن يرجع اُمّه صفية اُخت حمزة رحمه الله عن رؤيته ، فقال لها : يا اُمّه، إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يأمرك أن ترجعى ، فدفعت فى صدره وقالت : لِمَ وقد بلغني أنه مُثّل بأخي، وذلك في اللَّه قليل فما أرضاني بما كان في اللَّه من ذلك ، لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء اللَّه تعالى ، فجاء الزبير فأخبره صلى الله عليه وآله بذلك ؟ فقال صلى الله عليه وآله : خلّ سبيلها ، فجاءت واسترجعت واستغفرت له .
وفي رواية : كفّن حمزة بنمرة كانوا إذا مدّوها على رأسه انكشفت رجلاه ، وإن مدّوها على رجليه انكشف رأسه ، فمدّوها على رأسه وجعلوا على رجليه الأذخر ، وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله به فدُفن . ذكر ذلك صاحب السيرة الحلبية : 2 / 247 ، وابن الأثير في الكامل : 2 / 162 .
وذكر الواقدي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يومئذٍ إذا بكت صفية يبكي وإذا نشجت ينشج . قال : وجعلت فاطمة تبكي فلمّا بكت بكى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله .
وروى ابن مسعود قال : ما رأينا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله باكياً قطّ أشدّ من بكائه على حمزة بن أبي طالب لما قُتل - إلى أن قال : - ووضعه في القبر ثمّ وقف صلى الله عليه وآله على جنازته وانتحب حتّى نشغ من البكاء . ذكر ذلك صاحب الاستيعاب بهامش الإصابة : 1 / 275 الطبعة الاُولى ، والغدير : 6 / 165 ، والإمتاع للمقريزي : 154 ، والكامل في التاريخ : 2 / 170 ، ومجمع الزوائد : 6 / 120 ، والصحيح من سيرة النبيّ الأعظم : 4 / 307 و310 ، وذخائر العقبى : 180 ، وسيرة ابن هشام : 3 / 105 ، والسيرة الحلبية : 2 / 246 ، وشرح النهج : 15 / 387 و17 .
ولسنا بصدد بيان جواز أو حرمة البكاء على الميت ولكن نترك للقارئ الكريم مجال التفكير عند مراجعة المصادر التالية على سبيل المثال لا الحصر منذ بكاء آدم عليه السلام على ابنه هابيل إلى اليوم لأنّ البكاء سنّة طبيعية .
انظر العرائس للثعالبي : 64 ط بمبي و130 و155 ، الطبقات الكبرى لابن سعد : 1/123، و: 2/60 الطبعة الثانية ط بيروت، فرائد السمطين: 1/152 ح 114،و: 2/34 ح 271، والمصنّف لابن أبي شيبة: 6و12، كنزالعمّال: 13/112 الطبعة الثانية، و: 15/146، و : 6 / 223 الطبعة الاُولى ، تاريخ دمشق : 2 / 229 ح 367 و 327 ح 831 ، مجمع الزوائد : 9 / 118 و179 و189 الفضائل لأحمد بن حنبل : ح 231 ، المستدرك للحاكم : 3 / 139 ، و : 4 / 464 ، تاريغ بغداد : 12 / 398 ، و : 7 / 279 ، المناقب للخوارزمي : 26 ، ينابيع المودّة : 53 و135 .
سنن البيهقي : 4 / 70 ، سنن ابن ماجة : 2 / 518 ، ذخائر العقبى : 119 و147 و148 ، دلائل النبوّة للبيهقي في ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق : ح 622 و612 - 614 و626 - 630 ، المعجم الكبير للطبراني حياة الإمام الحسين عليه السلام : 122 ح 45 و48 و95 ، كفاية الطالب : 279 ، أعلام النبوّة للماوردي : 83 باب 12 ، نظم درر السمطين : 215 ، البداية والنهاية لابن كثير : 6 / 230 ، و : 8 / 199 ، الروض النضير : 1 / 89 و92 و93 ، و : 3 / 24 ، مروج الذهب : 2 / 298 ، اُسد الغابة 1 / 208 ، معراج الوصول للزرندي ، حلية الأولياء : 3 / 135 ، الرياضالنضرة : 2 / 54 الطبعة الاُولى .
واستشهد من المهاجرين يوم اُحد مع حمزة أسد اللَّه وأسد رسوله : عبداللَّه بن جحش ، ومصعب بن عمير ، وشماس بن عثمان بن الشريد ، واستشهد من الأنصار واحد وستون رجلاً . (انظر المعارف لابن قتيبة : 160) .
وروى ابن مسعود : أن النبيّ صلى الله عليه وآله صلّى على حمزة وبكى وقال كما أسلفنا سابقاً : يا حمزة يا عمّي ، . . . يا حمزة يا أسد اللَّه وأسد رسوله ، يا حمزة يا فاعل الخيرات ، يا حمزة يا كاشف الكربات ، يا حمزه يا ذابّ عن وجه رسول اللَّه . . . قال : وطال بكاؤه ، قال : ودعا برجل رجل حتّى صلّى على سبعين رجلاً سبعين صلاة وحمزة موضوع بين يديه . ذكر ذلك صاحب ذخائر العقبى : 181 .
أمّا الرواية الّتي نقلها صاحب الينابيع عن عبداللَّه بن مسعود فقد جاء فيها : لمّا قُتل حمزة وقُتل إلى جنبه رجل من الأنصار يقال له سهيل ، قال : فجيء بحمزة وقد مُثّل به . فجاءت صفية بنت عبدالمطّلب بثوبين لكفنه ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : دونك المرأة فردّها ، فأتاها الزبير بن العوّام - كما ذكرنا سابقاً - فدفعت الثوبين وانصرفت . فأقرع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بينه - حمزة - وبين سهيل فأصاب سهيلاً أكبر الثوبين - إلى ان قال : - فدعا برجل رجل حتّى صلّى عليه سبعين صلاة وحمزة على حالته . وأخرجه أحمد والبغوي وصاحب الصفوة والمحاملي وابن شاذان .
أمّا مقتل مصعب بن عمير : فإنّه لمّا علم صلى الله عليه وآله أنّ لواء المشركين مع طلحة من بني عبدالدار أخذ اللواء من عليّ عليه السلام ودفعه إلى مصعب بن عمير لأنه أيضاً من بني عبدالدار وقال : نحن أحقّ بالوفاء منهم . ورد ذلك في الكامل في التاريخ : 2/150 . وقال الطبري : 2/199 وابن الأثير أيضاً : 2/155 وأعيان الشيعة : 1 / 257 : قاتل مصعب بن عمير دون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ومعه لواؤه حتّى قُتل ، وكان الّذي أصابه وقتله ابن قميئة الليثي وهو يظنّ أ نّه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فرجع إلى قريش فقال : قتلتُ محمّداً ، فجعل الناس يقولون قُتل محمّد ، قُتل محمّد ، فلما قُتل مصعب بن عمير أعطى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله اللواء عليّ بن أبي طالب .
وتفرّق أكثر أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقصده المشركون وجعلوا يحملون عليه يريدون قتله ، وثبت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يرمي عن قوسه حتّى تكسّرت وقاتل قتالاً شديداً ورمى بالنبل حتّى فني نبله وانكسرت سية قوسه وانقطع وتره . (انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير : 2 / 154) .
وهنا انخلعت القلوب وأوغلوا في الهروب كما قال تعالى : (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّا بِغَمٍّ ) آل عمران : 153 والرسول صلى الله عليه وآله يدعوهم فيقول : إليَّ عباد اللَّه ، إليَّ عباد اللَّه ، أنا رسول اللَّه من كرّ فله الجنة . ولذا قال ابن جرير : 2 / 203 وابن الأثير في الكامل : 2 / 110 : وانتهت الهزيمة بجماعة المسلمين وفيهم عثمان بن عفان وغيره إلى الأعوص فأقاموا بها ثلاثاً ، ثمّ أتو النبيّ صلى الله عليه وآله فقال لهم حين رآهم : لقد ذهبتم فيها عريضة . ذكر هذا الحديث تاريخ الطبري : 2 / 203 ، الكامل لابن الأثير : 2 / 110 ، السيرة الحلبية : 2 / 227 ، البداية والنهاية : 4 / 28 ، السيرة النبوية لابن كثير : 3 / 55 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 15 / 21 ، الدرّ المنثور : 2 / 89 ، تفسير الفخر الرازي : 9 / 50 للآية المذكورة .
ولسنا بصدد بيان من فرّ ورجع ، وماذا قال وقيل له ، كأنس بن النضر عمّ أنس بن مالك حين قال لبعض المهاجرين حين ألقوا ما بأيديهم : ما يحبسكم قالوا : قتل النبيّ ، قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ موتوا