فمنها : علم الفقه الّذي هو مرجع الأنام ومجمع الأحكام ومنبع الحلال والحرام . فقد كان عليّ عليه السلام مطّلعاً على غوامض أحكامه ، منقاداً له جامحاً بزمامه ، مشهوداً له فيه بعلوّ محلّه ومقامه ، ولهذا خصّه رسول اللَّهصلى الله عليه وسلم بعلم القضاء ، كما نقله الإمام أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي رحمة اللَّه عليه في كتابه المصابيح مرويّاً عن أنس بن مالك : أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ( لمّا ) خصّص جماعةً من الصحابة كلّ واحدٍ بفضيلة خصّ(1) عليّاً بعلم القضاء ، فقال : وأقضاكم عليّ(2) .
197
ومن ذلك : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان جالساً في المسجد وعنده اُناس(3) من الصحابة إذ جاءهصلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان ، فقال أحدهما : يا رسول اللَّه ، إنّ لي حماراً ولهذا (4)بقرة ، وإنّ بقرته نطحت(5) حماري فقتلته ، فبدر(6) رجل من الحاضرين فقال : لا ضمان
198
على البهائم ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : اقضِ بينهما يا عليّ ، فقال لهما عليّ كرّم اللَّه وجهه : أكان الحمار والبقرة موثّقَين أم ( كانا ) مرسَلين ، أم أحدهما موثّقاً والآخر مُرسَلاً(7) ؟ فقالا : كان الحمار موثّقاً والبقرة مرسلة وكان صاحبها معها ، فقال عليه السلام : على صاحب البقرة الضمان ، وذلك بحضرة النبيّ صلى الله عليه وآله ، فقرّر صلى الله عليه وآله حكمه وأمضى قضاءه(8) .
ومن ذلك : ما يروى أنّ رجلاً اُتي به إلى عمربن الخطّاب ( رض ) ، وكان صدر منه أ نّه قال لجماعةٍ من الناس وقد سألوه كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت اُحبّ الفتنة ، وأكره الحقّ ، واُصدّق اليهود والنصارى ، واُؤمن بما لم أره ، واُقرّ بما لم يُخلق ، فرفع إلى عمر ( رض ) فارسل إلى عليّ كرّم اللَّه وجهه ، فلمّا جاءه أخبره بمقالة الرجل قال : صدق ، يحبّ الفتنة ، قال اللَّه تعالى : (إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ(9) ) . ويكره الحقّ ( يعني ) الموت ، قال اللَّه تعالى : (وَ جَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ
199
بِالْحَقِّ)(10) . ويصدّق اليهود والنصارى ، قال اللَّه تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْءٍ وَ قَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ)(11) . ويؤمن بما لم يره ، يؤمن باللَّه عزّوجلّ ، ويُقرّ بما لم يُخلق ، يعنى الساعة ، فقال عمر ( رض ) : أعوذ من معضلةٍ ، لا عليّ لها(12)(13).
201
وقال سعيد بن المسيّب : كان عمر يقول : اللّهمّ لا تبقني لمعضلةٍ ليس فيها أبو الحسن ، وقال ( رض ) مرّةً : لولا عليّ لهلك عمر(14) .
ومن ذلك : أ نّه عليه السلام وقعت له واقعة حارت علماء عصره(15) في(16) حكمها ، وهي : أنّ رجلاً تزوّج بخنثى ولها فرج كفرج الرجال(17) وفرج كفرج النساء (18)وأصدقها جاريةً كانت له ، ودخل بها(19) ، فحملت منه الخنثى وجاءته(20) بولد . ثمّ إنّ الخنثى وطأت الجارية الّتي أصدقها زوجها(21) ، فحملت منها(22) وجاءت بولد ، فاشتهرت قصّتهما
202
ورفع أمرهما(23) إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فسأل عن حال الخنثى ، فأخبر أ نّها تحيض وتطأ وتوطأ وتمني من الجانبين وقد حبلت وأحبلت فصار الناس مُتَحَيّري الأفهام في جوابها ! وكيف الطريق إلى حكم قضائها وفصل خطابها ؟
فاستدعى أمير المؤمنين ( غلامين ) يرفا وقنبراً وأمرهما أن يعدّا أضلاع الخنثى(24) من الجانبين وينظرا ، فإن كانت متساويةً فهي امرأة ، وإن كان الجانب الأيسر أنقص من أضلاع الجانب الأيمن بضلعٍ واحدٍ فهو رجل ، فدخلا(25) على الخنثى كما أمرهما أمير المؤمنين عليه السلام وعدّا أضلاعها من الجانبين فوجدا أضلاع الجانب الأيسر تنقص(26) عن(27) أضلاع الجانب الأيمن بضلع ، فأخبراه بذلك وشهدا عنده به ، فحكم على الخنثى بأ نّها رجل ، وفرّق بينها وبين زوجها .
ودليل ذلك : أنّ اللَّه تعالى لمّا خلق آدم عليه السلام وحيداً أراد سبحانه وتعالى لإحسانه إليه ولخفيِّ حكمته فيه أن يجعل له زوجاً من جنسه ليسكن كلّ واحدٍ منهما إلى صاحبه ، فلمّا نام آدم عليه السلام خلق اللَّه تعالى من ضلعه القصير(28) من جانبه الأيسر حوّاء ، فانتبه فوجدها جالسةً إلى جانبه كأحسن ما يكون من الصوَر ، فلذلك صار الرجل ناقصاً من جانبه الأيسر على المرأة بضلعٍ واحدٍ والمرأة كاملة الأضلاع من الجانبين ، والأضلاع الكاملة من الجانبين أربعة وعشرون ضلعاً في كلّ جانبٍ اثنا عشر ضلعاً ، وهذا في المرأة . وأمّا الرجل فثلاثة وعشرين ضلعاً ، اثنا عشر من اليمين ، وأحد عشر من اليسار . وباعتبار هذه الحالة قيل : للمرأة ضلع أعوج ، وقد صرّح النبيّ صلى الله عليه وآله - على مصدرٍ - بأنّ المرأة خُلقت من ضلعٍ أعوج ، إن ذهبت تقيمها
203
كسرتها ، وإن تركتها استمتعت بها على عوج(29) .
وقد نظّم بعض الشعراء(30) فقال :
فانظر رحمك اللَّه إلى استخراج أميرالمؤمنين عليّعليه السلام بنور علمه وثاقب فهمه ما أوضح به سبيل السداد وبيّن به طريق الرشاد ، وأظهر به جانب الذكورة(33)الاُنوثة من مادّةٍ الايجاد ، وحصلت له هذه المنّة الكاملة والنعمة الشاملة بملاحظة النبيّ له وتربيته وحنوّه عليه وشفقته(34) ، فاستعدّ لقبول الأنوار وتهيّأ لفيض العلوم والأسرار ، فصارت الحكمة من ألفاظه ملتقطة ، والعلوم الظاهرة والباطنة بفؤاده مرتبطة ، لم تزل بحار العلوم تتفجّر من صدره ويطفى(35) عبابها ، حتّى قال صلى الله عليه وآله : أنا مدينة العلم