وسمّيته ب «الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة» رضوان اللَّه عليهم أجمعين ، أجبت في ذلك سؤال الأعزّة من الأصحاب والخلّص من الأحباب(20) ، بعد أن جعلت ذلك لي عند اللَّه ذخيرة ورجاء في التكفير(21) لما أسلفته من جريرة واقترفته من صغيرةٍ أو كبيرة ، وذلك لما اشتمل عليه هذا الكتاب في ذكر مناقب أهل البيت الشهيرة ومآثرهم الأثيرة ، ولربَّ ذي بصيرةٍ قاصرة وعينٍ من إدراك الحقايق حاسرة يتأمّل ما ألّفته ويتعرّض(22) ماجمعته ولخّصته ، فحمله(23) طرفه المريض وقلبه المهيض إلى أن ينسبني في ذلك إلى الترفّض(24) .
5) نسب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
هو : محمّد بن عبداللَّه بن عبدالمطّلب بن هاشم بن عبد منافٍ بن قصيّ بن كلابٍ بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدركة بن الياس بن مضر بن نِزار بن مَعدّ بن عدنان .
واسم عبدالمطّلب : عامر ، و يقال : شيبة الحمد ، واسم أبيه عمرو ، ويسمّى هاشماً لهشم الثريد وإطعامه ، ويقال له الفيّاض لجوده ، ولذا قال الشاعر :
عمرو الّذي هشم الثريد لقومه
ورجالُ مكّة مسنتون عجاف
سنّت إليه الرحلتان كلاهما
سفر الشتاء ورحلةُ الأصياف
واسم عبد مناف : المُغيرة . واسم قصي : زيدٌ ، ويُدعى : مجمِّعاً ، لأنه جمع قبائل قريش وأنزلها مكة . وفيه قال الشاعر :
قصي لعمري كانيدعى مجمِّعا
بهِ جمع اللَّه القبائلَ من فهر
كان لعبدالمطّلب بن هاشم من الولد لصلبه : عشرة من الذكور ، ومن الإناث سِت بنات .
فالذكور : عبداللَّه وهو أبو النبي صلى الله عليه وآله ، والزبير ، وأبو طالب بن عبد المطلّلب ، واسمه : عبدمناف ، والعبّاس ، وضرار ، وحمزة ، والمقوِّم ، وأبو لهب واسمه عبدالعُزّى ، والحارث ، والغيداق واسمه حَجل ويقال : نوفل .
والإناث : عاتكة ، واُميمة ، والبيضاء وهي اُمّ حكيم ، وبَرّة ، وصفية ، وأَروى .
انظر : المعارف لابن قتيبة تحقيق ثروة عكاشة : 1 / 117 ط قم منشورات الشريف الرضي ، البداية والنهاية : 4 / 255 ، تهذيب التهذيب : 2 / 98 ، اُسد الغابة : 1 / 286 ، الإصابة : 1 / 248 ، طبقات ابن سعد : 4 / 28 ، شرح النهج لابن أبي الحديد : 3 / 407 ، صفة الصفوة : 1 / 208 ، الاستيعاب : 1 / 81 ، حلية الأولياء : 1 / 114 ، معجم ما استعجم للبكري : 1 / 77 ، صبح الأعشى للقلقشندي : 1 / 355) .
(6) يقصد بذلك آل الرسول صلى الله عليه وآله الّذين خصّهم اللَّه بالمكارم والفضائل ، ونزّههم عن النقائص بقوله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) الأحزاب : 33 . وفرض مودتهم على جميع المسلمين بقوله تعالى : (قُل لَّآ أَسَْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى ) الشورى : 23 .
وما أحسن قول الصاحب بن عبّادٍ فيهم حيث قال : هم - واللَّه - الشجرة الطيبة ، والغمامة الصيّبة ، والعلم الزاخر ، والبحر الّذي ليس يدرك له آخر الفضل العلوي ، والفخر الحسني ، والإباء الحسيني ، والزهد الزينبي ، والعلم الباقري ، والحديث الصادقي ، والحلم الكاظمي ، والتفنّن الرضوي ، والمعجز الجوادي ، والبرهان الهادي ، وخذ إلى الحسن وابنه من روح الفضل وغصنه ، إمام بعد إمام ، يعتمّ بالنبوة ، ويتقمّص بالإمامة ، ويتمنطق بالكرامة (ينابيع المودّة : 1 / 4 ط 7 قم منشورات الشريف الرضي) .
إنّ التصلية والتسليمة على الآل ثابتة في كتاب اللَّه وقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقول الأصحاب الكرام . قال تعالى : (انّ اللَّه والملائكته يصلون على النبيّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَ سَلِّمُواْ تَسْلِيمًا )الأحزاب : 33 ، فقالوا : يا رسول اللَّه كيف نصلّي عليك ؟ فقال صلى الله عليه وآله : «قولوا اللّهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، و بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم . (صحيح البخاري : 6 / 217 و291) .
وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره : 7 / 391 أنّ أهل البيت ساووا النبيّ صلى الله عليه وآله في خمسة أشياء : في الصلاة عليه وعليهم في التشهد ، وفي السلام ، و في الطهارة ، و في تحريم الصدقة ، وفي المحبّة .
وقال صلى الله عليه وآله : معرفة آل محمدٍ براءة من النار ، وحبّ آل محمدٍ جواز على الصراط ، والولاية لآل محمدٍ أمان من العذاب . (ينابيع المودّة : 1 / 21 في المقدّمة نقلاً عن ذخيرة المآل ط 7 قم) .
وقال صلى الله عليه وآله : لا تصلوا عليّ الصلاة البتراء ، قالوا : وما الصلاة البتراء يا رسول اللَّه ؟ قال : تقولون : اللّهمّ صلِّ على محمدٍ وتسكتون ، بل قولوا : اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد . (الصواعق المحرقة لابن حجر : 131 ، فتح القدير للشوكاني : 4 / 280 نقله عن صحيح مسلم ، تفسير الخازن : 5 / 259) .
وقد أشار إلى فرض مودّتهم كثير من العلماء والفقهاء ، كما قال الإمام الشافعي :
يا آلَ بيتِ رسول اللَّه حبكمُ
فرضٌ من اللَّه في القرآنِ أنزلَه
كفاكمُ من عظيمِ القدرِ أنكمُ
من لم يصلِّ عليكم لا صلاةَ له
(الصواعق المحرقة : 146 ، نور الأبصار : 105 ، إسعاف
الراغبين : 118 ، شرح المواقف للزرقاني : 7 / 7) .
وقال شمس الدين ابن العربي :
رأيتُ ولائي آل طه فريضة
على رغمِ أهلِ البعدِ يورثني القربى
فما طلبَ المبعوثُ أجراً على الهدى
بتبليغِهِ إلّا المودةَ في القربى
(الصواعق المحرقة : 168) .
ومن أبياتٍ لأبي نؤاس (الحسن بن هاني) :
مطهّرونَ نقيّات ثيابُهُم
تجري الصلاةُ عليهم أينما ذُكروا
(ينابيع المودّة : 1 / 4 المقدّمة ط 7 قم) .
وفسّر الإمام الحسن عليه السلام قوله تعالى : (من يقترف حسنةً نزد لهُ فيها حسناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) الشورى : 23 قال : إنّ اقتراف الحسنة هو مودّتهم عليهم السلام . (مقاتل الطالبيّين : 52 ، ذخائر العقبى : 138) .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسير (إِنَّ اللَّهَ وَ مَلَل-ِكَتَهُو يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ ) قال : الصلاة من اللَّه عزّوجلّ رحمة للنبي صلى الله عليه وآله ومن الملائكة تزكية ومدحهم له ، ومن المؤمنين دعاء منهم له . (ينابيع المودّة : 1 / 6) .
وعن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في تفسير قوله تعالى : (سَلَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) . قال : حدّثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : ياسين محمّد صلى الله عليه وآله ونحن آل ياسين . (المصدر السابق) .
وعن مجاهد وأبي صالح عن ابنِ عباس قال : آل ياسين آل محمّد ، وياسين اسم من أسماء محمدٍصلى الله عليه وآله وسلم . (المصدر السابق : 1 / 8 ، وانظر الفخر الرازي في تفسيره : 27 / 166 ، نظم درر السمطين للزرندي : 111 ، الصبّان في إسعاف الراغبين : 116) .
فمن هذه الدلائل وغيرها ثبت أ نّه صلى الله عليه وآله أدخل نفسه في آله ، فمن صلّى أو سلّم على آله كأ نّهُ صلّى وسلّم عليه ، لأ نّه منهم وهم منه ، ومن صلّى أو سلّم عليه بضمّ آله فقد أكمل الصلاة والسلام عليه .
(24) الاُمة الإسلامية اُمة واحدة وإن تعددت مذاهبها ، تجتمع حول عقيدة واحدة ، ولكن لا أدري لماذا هذا المزج بين الحق والباطل بمجرّد تقديم أو مدح أو إطراء لأهل البيت ينسب صاحب عقيدة التوحيد إلى الترفّض وهو اللغز الّذي يطلق على الشيعة المتمسكين بولاء أهل البيت عليهم السلام وحبّهم والانحياز لهم استناداً إلى أحاديث نبوية وردت عنه صلى الله عليه وآله وتحثّ على حبّ آل البيت والسير على هداهم ، ولم يكن يطلق هذا اللفظ إلّا على طائفة من الصحابة كانت شديدة الاتصال بعلي عليه السلام كعمّار وسلمان و المقداد . أمّا انحرافمرضي في التفكير والتعقليدخل في باب الهوس الديني فنحنلسنا بصدد مناقشته ولسنا مدافعين عن صاحب هذا الكتاب وغيره كالإمام الشافعي عند ما يُتهم بالترفض . ولكن نقول : تبّاً لتلك العصبية الجاهلية فإنّها الداء الوبيل الّذي يجعل الكبار والفحول الأبطال أقزاماً صغاراً . ونتمثّل بقول السيّد العلّامة الشهير والمصلح الكبير - الّذي هو أحد روّاد التقريب - الأمينيّ رحمه الله حينما يقول في ردّه على السبكي :
لا تتّبع كُلّ من أبدى تعصّبه
لرأيه نصرة منه لمذهبه
بالرفض يرمى وليّ الطُهر حيدرةٌ
وذاك يُعرِبُ عن أقصى تنصّبه
كن دائماً لدليل الحقّ متّبعاً
لا للذي قاله الآباء وانتبه
إنّ السبابَ سلاح العاجزين وبالبر
هان - إن كان - يبدو كلّ مشتبه
والشتم لا يلحق المشتوم تبعته
لكنّه عائدٌ في وجهِ صاحبه
(أعيان الشيعة : 5 / 398)
ومع شديد الأسف نرى كيف يطلق خصوم الشيعة لفظ «الرافضة» عليهم من أجل الاستهانه بهم وتحقيرهم ، وذلك كما قلنا بسبب ولائهم لأهل البيت واعتقادهم بإمامتهم ، ولكن السؤال الّذي يطرح نفسه هو : هل أنّ من يوالي علياً وأهل بيته ويتمسّك بهم يعتبر رافضياً ؟ فإذا كان كذلك فهو نِعم الاسم لأ نّهم بيت النبوّة ، ونحن كما قال الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام إنّ سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون فآتوا موسى عليه السلام فلم يكن في قوم موسى أحد أشدّ اجتهاداً وأشدّ حبّاً لهارون منهم ، فسمَّاهم قوم موسى الرافضة ، فأوحى اللَّه تعالى إلى موسى عليه السلام أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة فإني نحلتهم ، وذلك اسم قد نحلكموه اللَّه (سفينة البحار : 3 / 384) . فنحن أيضاً نتمسك بهارون محمدٍ صلى الله عليه وآله وهو عليّ عليه السلام كما قال له صلى الله عليه وآله : أنت منّي يمنزله هارون من موسى إلّا أ نّه لا نبيّ بعدي .
ومن أعجب العجائب أنّ طائفةً بل طوائف من المسلمين يعدّون أنفسهم من اُمّة محمدٍ صلى الله عليه وآله يرمون ويتّهمون ويشتمون ويسبّون طائفةً اُخرى أيضاً من المسلمين بالضلال والكفر دون رويةٍ وتفكيرٍ ودون وازعٍ ديني أو ضميرٍ إنساني .
(