|
بمناسبة انعقاد مؤتمر الأقا حسين الخوانساري في صيف العام
الحالي [1999م]، قامت مجلة علوم الحديث وباقتراح من رئيس المؤتمر آية الله
أستادي ـ بتخصيص عددها التاسع للتعريف بالخدمات والأعمال العلمية والمؤلفات
الحديثية لأسرة الخوانساري.
وبهذه المناسبة، أجرينا حديثاً مع رئيس المؤتمر وطرحنا
عليه أسئلة في مجال علوم الحديث والمؤلفات الحديثية لأسرة الخوانساري. وفي
ما يلي نص هذا الحوار.
علوم الحديث: شكراً لإتاحة هذه الفرصة للحديث معكم. كسؤال
أول ما هي برأيكم أهمية السنة في تبيين معارف الدين؟ وكذلك ما هو موقع
السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم؟
آية الله أستادي: بسم الله الرحمن الرحيم. وأنا أشكر
لمجلة علوم الحديث تعاونها مع المؤتمر، كما أشكركم على إجراء هذا اللقاء
لكي نوضّح من خلاله بعض الأمور حول المؤتمر ونتناول بعض موضوعات الحديث.
أتصور أن أهمية الحديث في تبيين المعارف الإسلامية واضح
جداً. ومع ذلك سأذكر بعض الأمور كدليل ومؤيّد على أن الحديث هو عِدل القرآن
الكريم.
من القضايا التي يطرحها الإسلام ويعترف بها كل مسلم واعٍ
هو شمولية هذا الدين، فإذا أراد أحد وضع الحديث جانباً (ويريد بذلك مثلاً
تكريم القرآن والاقتصار عليه في كل ما يتعلق بالإسلام من موضوعات)، فإنه
سيجد القليل من الموضوعات التي تتصف بالشمول. وهذا بحد ذاته أكبر دليل على
أننا بحاجة ماسة إلى الحديث. وفي حدود اطلاعي، يمكنني القول إن من النادر
وجود موضوع نقتصر في بحثه على القرآن وندعي في آخره بأن هذا هو ما قاله
الإسلام بكل شموليته، بل سيبقى الكثير من أبعاد الموضوع من دون بحث.
من اليوم الأول الذي أُطلق فيه شعار "حسبنا كتاب الله"
(لأي دافع كان)، رفض الشيعة وشخصيات المذهب جميعاً هذا الشعار. هذا وإنْ
تصور بعضهم أن هذا الشعار إنما رُفض لانطوائه على غرض ومعنى خاص، ولكني
أتصور أن الأمر ليس كذلك، بل إنه لم يكن مقبولاً بالأساس بالمعنى العام
للكلمة. وإذا ساغ لأحد أن يقبله في ذلك البعد الذي أرادوا، فإنه لا يمكن
قبوله في كل الأبعاد بحال من الأحوال.
الشاهد الآخر على أهمية الحديث هو أن أهل البيت (ع)
أنفسهم وعلماءنا تبعاً لهم قد أولوا الحديث أهمية كبيرة، اهتموا بحفظ
الحديث ونشره أولاً، وفوق ذلك بذلوا كل ما في وسعهم من أجل صيانته من
التحريف والإساءة إلى معناه ثانياً، فلو لم يكن للحديث هذا الدور في تبيين
معارف الدين لما لزم كل هذه التدقيق والاهتمام في تبيين معانيه (والذي
يُعرف بـ "فقه الحديث").
وكذا لو لم يكن للحديث دور مهم في معارف الدين فما هي
الحاجة إلى كل هذا الاهتمام به سواء في نشره أو حفظة وصيانته أو تبيين
معانيه. فإذا وضعنا كل هذه الأمور إلى جانب بعض ـ ولا سيما الأمر الأول
الذي ذكرته ـ سيتضح تقريباً أن حاجتنا إلى الحديث هي كحاجتنا إلى القرآن في
تبيين معارفنا (المعارف بمعناها العام أو الخاص)، في أخلاقنا، في فقهننا،
وفي كل الأبعاد التي تقتضيها شمولية الإسلام.
علوم الحديث: ما هو رأيكم في الأحاديث الموضوعة، ما هي
أسبابها ودوافعها وأرضياتها؟ فعلى كل حال، إحدى الظواهر المشؤومة للغاية في
تاريخ المسلمين هي ظاهرة وضع الحديث هذه.
آية الله أستادي: في خصوص وضع الحديث والأحاديث الموضوعة،
كانت لي من السابق أفكار حول ذلك يُهيّئ سؤالكم هذا أجواء طرحها. هذه
الأفكار (التي تتعلق بوضع الحديث على النطاق الشيعي) من المحتمل أن تُنتقد
أو يتصور بعضهم في بادئ الأمر أنها كلام باطل من الأساس، ولكن لا بد بالطبع
من أن نستقبل النقد والبحث العلمي.
من المشهور أن هناك الكثير من الأحاديث الموضوعة بين
أحاديثنا. أنا شخصياً أرى هذا الأمر خلاف الواقع جداً. هناك عبارة مروية عن
النبي (ص) أنه قال: "كثُرت عليّ الكذّابة". وبرأيي أن هذا العبارة أُسيء
فهمها، ذلك أن "كثرت" تعطي معناها في كل مكان بما يناسبه.
فافرضوا مدينة يبلغ عدد نفوسها المليون، حيث لا بد من أن
يسودها الأمن وينام أهلها ليلاً مطمئنين وإذا أرادوا السفر لا يقلقهم
احتمال السطو على دورهم. في مدينة كهذه، إذا حدثت خلال سنة واحدة عشرون
حالة سرقة صحّ أن يقال بكثرة السرقة في هذه المدينة. هذا الأمر لا تصل
كثرته إلى عشرة آلاف أو عشرين ألفاً أو ثلاثين ألفاً، لأن البلد الذي تقوم
فيه حكومة قوية لا ينبغي أن تنتشر فيه السرقات وينعدم فيه الأمن.
أو في مدينة كبيرة جداً، تحدث بعض قضايا الفاحشة (نعوذ
بالله) مرتين أو ثلاث أو أربع مرات خلال الشهر، فهذه ستكون مدار حديث
الناس. في الشوارع والأزقة يتحدث الناس عن أن الأوضاع سيئة للغاية وأن
الأفعال المنكرة أخذت تتزايد بشكل كبير!
في قضية وضع الحديث (مع ما ذكرته من أهمية الحديث)، إذا
وُضع في زمن النبي (ص) حديثان أو ثلاثة أو عشرة أو عشرون وإلى مئة كحد
أعلى، لصدقت هذه العبارة (كثرت علي الكذابة) ولا يكون معناها أنهم ـ مثلاً
ـ نسبوا إلى رسول الله ألف كذبة، لأن النبي (ص) هو الدين نفسه، كيان الدين.
إذا نسبوا الكذب إلى رسول الله في عشر حالات لصدق قوله: "كثرت علي
الكذابة". هذه الملاحظة أوردتها لكي لا يتخذ أحد هذا الحديث دليلاً على
كثرة الوضع ويقول إنه نفسه قال بكثرته.
وأما الروايات التي تحدد عدداً للأحاديث الموضوعة، فإني
أعتقد أنه لا أساس لها، يعني الروايات التي تقول إن وضّاع الحديث أدخلوا
ثلاثين أو أربعين أو ستين ألف رواية في الأحاديث، فإنها غير مقبولة بالنسبة
إلى من عمل على الحديث. ذلك أن وضع الحديث بهذه السعة غير ممكن. بالإضافة
إلى أنه يُعزى إلى شخص واحد أحياناً أنه أدخل آلاف الروايات الموضوعة في
أحاديثنا. هذا غير ممكن أصلاً. بمعنى أن نصوص الحديث ونصوص أقوال الرسول
والأئمة المعصومين لا تتناسب وكثرة الوضع.
أنا أتصور أن أي شخص مهما كان كذّاباً، لا بد له من أن
يأتي بشيء مشابه لما قاله الرسول (ص) والأئمة، وكثرة هذا الفعل ـ ولا سيما
من فرد واحد ـ يعتبر أمراً غير ممكن. وما قادتني إليه المتابعة والتفكير هو
أن الوضع موجود ونحن لدينا "أحاديث موضوعة"، إلا أن عدد هذه الأحاديث قليل
جداًً. أجل، المشكلة التي في الأحاديث هي مسألة "الرواية بالمعنى" والأخطاء
التي حدثت من هذه الناحية ولم تكن ظروف ذلك الزمان تقتضي شيئاً غير ذلك. بل
لم يكن من سبيل سوى ذلك. إذا أرادوا أن يقولوا آنذاك لا تكتفوا بحافظتكم،
إذا أرادوا أن يقولوا لا ترووا بالمعنى وارووا عين ما نقول، سيتخلفون عن
هدفهم الأساسي ولَمَا رُوي الحديث. بعض الرواة ـ كما لاحظتم أو سمعتم ذلك
بالتأكيد ـ أرادوا الاحتياط شيئاً ما والإتيان بالأحاديث بعينها، ولذلك
صارت رواياتهم من مئة إلى ثمانين، من ثمانين إلى خمسين، من خمسين إلى سبع
عشرة، وقالوا نحن لا نروي أكثر من هذه أبداً. هذان الأمران (الوضع والرواية
بالمعنى) اختلطا مع بعضهما، يعني الإرباك (أو الوثوق بعدم إمكان مطابقة بعض
الروايات للواقع) جاء بالدرجة الأولى من جهة الرواية بالمعنى. وشاهدي
العملي والتاريخي على أن الأحاديث الموضوعة لا يمكن أن تكون كثيرة ـ كثيرة
بالمعنى الذي يجري على الألسنة اليوم ـ هو أن مؤلفي كتب الأحاديث الموضوعة
لم يتمكنوا من الإتيان بالكثير منها. فمن يرى هذه الكتب يجد أنها في العادة
تكرار لمكررات، أي أن الأول يكتب عدداً من الأحاديث ويقول إنها موضوعة
ويأتي الثاني ليزيد على تلك أو يقللها وهكذا الثالث وهلم جراً.
ما يدور في الأذهان من أنه يجب أن نبحث باستمرار لنعثر
على أحاديث موضوعة جديدة وإذا كنا إلى العام الماضي قد عثرنا على عشرة
أحاديث موضوعة، فلنبحث هذا العام لنعثر على البقية، شيء من هذا لا وجود له
أصلاً.
في مقالة كتبتها حول كتاب المرحوم العلامة الشوشتري
(وطبعت) قلت لا توجد لدينا شخصية كرّست وقتها وتعاملت مع الحديث أكثر من
الحاج الشيخ محمد تقي الشوشتري رحمه الله. فكثرة تعامله مع الحديث ولاسيما
أحاديثنا الفقهية (بشرحه لـ "اللمعة") واضح جلي. فهو على مدى سنين طوال،
كان يراجع أحاديث الفقه وغير الفقه، ومع دقته وجرأته استطاع بشكل عام جمع
ألف رواية تحت عنوان "الأخبار الدخيلة"، ومن هذه الألف ـ إذا حققت في الأمر
ـ ستجد (كما هو نفسه يقول) أن خمسها من الممكن أن يكون موضوعاً أو (بحسب
تعبيره) موضوعة قطعاً. وأما البقية فهو يقول توجد فيها إضافة أو سقوط أو
تصحيف (وما إلى ذلك). وهذا نفسه شاهد علمي وتاريخي على أنه ليس لنا أحاديث
موضوعة بهذا الحجم الكبير. طبعاً كانت في السابق أكثر إلى حد ما ـ كما يشير
إلى ذلك الشيخ الأنصاري في "الرسائل" ـ حيث تم حذف تلك الأحاديث الموضوعة
في فترة تهذيب الحديث (في الفترة التي جهد فيها أمثال الشيخ الكليني ـ ره ـ
لتنظيم وتدوين وتبويب الكتب). من هنا إذا تحدثنا الآن عن الأحاديث الموضوعة
على النطاق الشيعي فلا بد من الانتباه حقاً إلى أن عددها قليل جداً ولا
يمكننا أن ننسب بسرعة الوضع إلى حديث من الأحاديث.
ولذلك، فإن ما يفعله بعضهم بمجرد مواجهته لمشكلة في فهم
حديث ما من التشبث بمسألة كثرة الأحاديث الموضوعة ولعلّ هذا الحديث هو
أحدها، فهذا نابع من قلة تحملهم ومحاولتهم حل المشكلة بسرعة، وإلا فإن
الحديث الموضوع ـ بالمعنى الذي أشرت إليه، لا بمعنى الخطأ في الرواية
بالمعنى ـ قليل جداً في المصادر الشيعية.
وأما إذا تحدثنا على نطاق أحاديث أهل السنة فإن وضع
الحديث هنا هو أمر طبيعي. لماذا؟... قلنا إن المسلمين جميعاً، الشيعة منهم
أو السنة، يشعرون بحاجة إلى الحديث، أي أنه لا يمكن للقرآن وحده أن يسد
حاجاتهم. وخلال تلك السنين المئة التي منعت فيها كتابة الحديث، كان شيء منه
قد كُتب على أي حال. وبعد ذلك، عندما أُلغي المنع نلاحظ أن الناس جميعاً
توجهوا إلى جمع الحديث وكتابته. فإذا كانت هناك حاجة إلى الحديث ولم يكن
هؤلاء يريدون التوجّه إلى أهل البيت (ع)، فطبعاً سيذهبون إلى بيوت أخرى
ليسدوا حاجاتهم. ونتيجة ذلك أنهم وقعوا في حبائل الوضع أحياناً.
وفي مسألة الإمامة والخلافة ولا سيما من بني أمية فما
بعد، كانت دواعي الوضع أكثر وأرضياته أكبر. من هنا لا بد من القول إن وضع
الحديث على النطاق السني أكثر منه على النطاق الشيعي، إلا أنني لا أزال
أعتقد أن دائرة الوضع ليست بذلك الحجم الكبير.
لنفترض أنه على نطاق أهل السنة تم وضع فضائل لمن يحبون.
طيّب، هذه الفضائل ماذا يمكن أن تكون؟ كل ما قالوه موجود في الكتب،
وتقريباً مقدار من الفضائل التي نرويها نحن لأهل البيت (ع) هي نفسها التي
يرويها أهل السنة لهم. إذا قالوها مرتين أصبحت الثالثة والرابعة والخامسة
مكررة. أساساً، المسألة لا تتحمل أن يقال مثلاً إن أهل السنة وضعوا خمسين
ألف حديث في هذه المسألة. فهذا لا يمكن وضعه أساساً.
هناك موضوع فهمته من بعض كتب السيوطي ورأيت فيما بعد أنه
حقيقة. على مدى تاريخ الحديث، ولا سيما على النطاق السني، يعتبر الحفظ
والحافظ سمةً في غاية الأهمية والاحترام. هذا السمة المهمة إلى جانب بعض
الأغراض المادية التي تدفع بعضهم إلى الرغبة في أنْ يُعرف بكونه "حافظاً"
أدى بهم إلى وضع الأسانيد، ولذلك ازداد الوضع في أسانيد الأحاديث، أي أن
حديثاً واحداً يرد بثلاثين أو أربعين سنداً وعندما تتفحصها تجد أن واحداً
منها صحيح والبقية من وضّاع الأسانيد. الحديث واحد ـ ولعل متنه صحيح ـ
ولكنه يقول أنا أروي هذا الحديث بثلاثين سنداً (لكي يرتفع عدد أحاديثه بهذه
الأسناد الثلاثين أو الأربعين سريعاً إلى ستين أو سبعين ألف رواية ويصبح
حافظاً لستين أو سبعين ألف حديث). وعندما نتحقق من ذلك نجد بعض هؤلاء
الأشخاص (المذكورين في سلسلة السند) لا وجود لهم أساساً. وهذا ما قام به
العلامة العسكري بالنسبة إلى بعضهم وأوضحت دراسته جلياً أنهم كانوا يقومون
بوضع الأسناد، لا بوضع النصوص.
وضع السند سهل جداً. في وضع السند، يمكن ذكر أسماء
مختلفة. طبعاً انكشافه سريع أيضاً. فعندما يتعمّق باحث دقيق بعض الشيء
ويتابع الكتب يجد شخصاً ورد اسمه كأحد الرواة وهو ليس له وجود. فإذا حصل شك
في خمسة أو ستة رواة وتابعنا السند قليلاً يتضح أن سند الحديث ليس صحيحاً.
أنا أقول إن الأحاديث الموضوعة عند أهل السنة أكثر منها
عند الشيعة، ولكن بما أن عدداً من هذه الموضوعات يتعلق بمسألة الإمامة ولم
يكن عندهم ما يدعو إلى تهذيبها، فلذلك لم يكترثوا لها ولم يعد بالإمكان
القول إن علماء الحديث السنة جلسوا في وقت من الأوقات (كعلماء الحديث
الشيعة) ليهذبوا الحديث، لأن أغلب هذه الموضوعات تناسب توجهاتهم وتطابق
معتقداتهم.
وتحديداً للموضوع من غير الموضوع من الأحاديث، أعتقد أنه
ليس من سبيل سوى التقويم العام للأحاديث، بمعنى تقسيم الأحاديث إلى عدة
مجموعات. نحن نقضي في أحاديثنا وأهل السنة يقضون في أحاديثهم. نحن بإمكاننا
أن نتعامل مع الحديث بالشكل التالي: في الموضع الذي نعلم أن الحديث من رسول
الله والأئمة (ع) ليس لدينا مشكلة، وفي الموضع الذي لا نعلم فيه ذلك بل نظن
(بمعنى أن سند الحديث لا يبدو صحيحاً ولكن متنه ليس متناً يوهم بأنه موضوع)
فهنا لا إشكال أيضاً. وإذا كان هناك نصوص مشكوكة (أي لا نعلم أن هذا من
الإسلام أو لا) فأحاديث من هذا القبيل تُعرف من خلال عرضها على القرآن
الكريم والقضايا المسلّمة والمحكمة وأقوال رسول الله (ص) وأئمة الهدى (ع)
أنفسهم. طبعاً إذا كان الباحث محتاطاً ولا يريد الحديث بجرأة كبيرة فلا بد
له من أن يقول نحن لا نقبل هذه الأحاديث لأننا نحتمل قوياً أنها موضوعة، لا
أن يقول بجرأة إنها موضوعة.
هذه هي الأفكار التي كانت تدور في بالي حول وضع الحديث
والأحاديث الموضوعة والتي آمل أن تُطرح في هذه المجلة وإذا كانت هناك
مناقشة فلنسمعها لعلنا نتّبعها إن شاء الله. أنا أطرح هذا بالدرجة الأولى
لأنه في كثير من الحالات يُساء استخدام مسألة أنه كان لدينا ولا يزال
أحاديث موضوعة، الأمر الذي يهبط بالحديث شيئاً ما عن مكانته الأولية.
لاحظوا الآن بالنسبة إلى القرآن، إذا أراد أحد ـ لا سمح
الله ـ أن يمس عبارة أو آية يهب الجميع لمواجهة ما يتفوه به هذا الشخص من
هراء، ولكن لأن الحديث قالوا فيه من أول الأمر موضوع، موضوع، موضوع... ولم
يُبيّن بالشكل الصحيح، ضعف موقعة إلى حد ما، بحيث أن بعض الأساتذة ـ ممن
كنت أؤمن به ـ أسمع أحياناً رأيه في أن يكون تمايلنا في البحث قرآنياً إلى
حد كبير وأن تكون متابعتنا للبحث قرآنية أساساًً. ربما سمعتم أن بعض
الأفاضل في عصرنا قاموا بذلك فعلاً، ولكني أعتقد أنهم هم أيضاً أُصيبوا
بهذا الوهم وهو أن الكثير من الأحاديث موضوعة ولا يمكن الاستناد إليها،
ولذلك توجهوا إلى القرآن واكتفوا به. طبعاً ما يوجد في مؤلفات هؤلاء السادة
يؤيد ما قلناه أولاً من أن بحوثاً كهذه تكتفي بالقرآن لا يمكنها أن تكون
بحوثاً شاملة.
علوم الحديث: في التعامل مع الرواية، ومن بعد الوثوق من
السند وإحراز الاستناد، تأتي مسألة فهم الحديث وفقهه. فما هي المشكلات التي
نواجهها في مجال فهم الروايات وفهم السنة وكيف يمكننا التخلص منها؟
آية الله أستادي: في هذا المجال، أقول نحن بتشبيهنا
الروايات بالقرآن يمكننا التوصل إلى مفاهيم واضحة رصينة. هذا التفسير
الموضوعي للقرآن الذي يُطرح في الآونة الأخيرة بشكل جاد للغاية وقد كان
مطروحاً في السابق إلى حد كبير (يقال إن العلامة المجلسي قد جمع في صدر كل
باب من أبواب الأحاديث الآيات المتعلقة به تقريباً) هو سبيل يمكن الوثوق
به، وذاك بضم كل الموضوعات الواردة في القرآن في موضوع واحد إلى جانب بعضها
والحصول منها على نتائج ننسبها إلى الإسلام، وهذا عينه هو ما يجب أن نقوم
به في الحديث. وبرأيي لم يجر العمل في الأحاديث بهذا النحو، لأنه لم يكن
هذا الأمر ممكناً من الأساس.
وبالتأكيد يمكن القول إنه على الرغم من الدقة والتتبع
التي كان يمتلكها علماؤنا السابقون وما كان لهم من قدرة جيدة على الحفظ،
إلا أنه اليوم ومع أعمال الفهرسة والكمبيوتر هذه، يتضح أن تلك التدقيقات
والمتابعات لم تكن كاملة. وباعتقادي أن أفضل سبيل للاستفادة من الأحاديث هو
متابعة أعمال الفهرسة والكمبيوتر هذه، فمن يريد متابعة مسألة ما في الحديث
أو في القرآن والحديث، سيطمئن إلى أنه رأى كل الروايات المتعلقة بذلك
الموضوع وخرج باستنتاجه منها جميعاً.
إذا ادعى أحد أن الانتفاع بالحديث إلى الآن لم يكن بالقدر
المطلوب، فمن الممكن من هذه الناحية (الاستقصاء التام وملاحظة المجموع)
قبول ذلك منه، وإلا فإنه من حيث فهم الحديث وفقهه فالحق هو أنه جرى العمل
بشكل جيد في مجال الفقه (لا في الأخلاق والمعارف الإٍسلامية)، يعني ربما
جرى العمل على الأحاديث الفقهية أكثر من الحد الذي يمكن تصوره، سواء في
الأزمنة القريبة منا (مثل ما قام به الشيخ الأنصاري وأساتذته وتلامذته) أو
في زمان الأقا محمد باقر وحيد أو زمان العلامة المجلسي (الذي كان يعمل على
الحديث نفسه) أو زمان الشيخ الطوسي (عندما نلاحظ مصادر "الاستبصار" نرى أنه
عند الجمع بين الأحاديث يعطي من الاحتمالات في معنى الحديث ما يتجلى منه
اهتمامه الكبير بفقه الحديث).
الموضوع الذي أتصور أني طرحته سابقاً بشكل ناقص والآن
أكمله هو أنه يجب العمل على الحديث بصورة موضوعية. للأسف، في موضوع الأخلاق
لم تجرِ حتى الأعمال التمهيدية، وهكذا الأمر في موضوع المعارف الإسلامية.
أريد أن أقول أن الاستفادة من الروايات إذا أُريد لها أن تكون تامة فستواجه
مشكلة وهي أن أحاديث الموضوع الواحد ليست في متناول يد الباحث بشكل كامل،
وهو نفسه إذا أراد التفحص والمتابعة فإنه لا يستطيع البحث بصورة تامة، وهذه
المشكلة بحمد الله في طريقها إلى الحل في هذه الأيام وأتصور أنه ستتحسن
الأمور كلما تقدمنا إن شاء الله.
علوم الحديث: كيف نقوّم الحديث في قضايا العقيدة وعلم
الكلام أو بتعبير آخر في مجال المعارف الإسلامية؟ ولا سيما في الحالات التي
تصطدم مع الاستنتاجات العقلية؟
آية الله أستادي: في هذا الموضوع، أود التنبيه إلى أمر
أعتقد أنه مفيد لبعضهم على الأقل.
في المعارف التي نستفيدها من الروايات وكذا في موضوعات
علم الكلام والقضايا العقلية، إذا أردنا أن نحكم بإنصاف فنحن أمام مشكلتين:
الأولى أن بعضهم يستنتج شيئاً من الروايات سريعاً جداً ويدعي أن هذا ما
تقوله الروايات، هذا ما يقوله المذهب، هذا ما يقوله الأئمة، وكل ما هو غيره
خطأ يجب رده. وفي الطرف المقابل لذلك في الفلسفة، نجد الكثير من المسائل
غير المقطوع بها تُعتبر قطعية. في موضع من "الرسائل" يقول الشيخ كلمة (لا
أدري يريد منها العتاب أو التعليم) وهي أن حال أهل العلم انتهى إلى أنهم
صاروا يجعلون المظنونات في سلك القطعيات. هذه نقطة ضعف. وباعتقادي أن نقطة
الضعف هذه يعاني منها الطرفان، من يريد إضفاء حرمة على الحديث ومن يُعنى
بعلم الكلام والقضايا العقلية.
لنفترض أنا وجدنا في رواية شيئاً عن علم الإمام، عن صفات
الإمام، عن خصائص الإمام، فهل ينحصر معنى هذه الرواية الواحدة الموجودة في
بعض كتبنا بما فهمه هؤلاء السادة أو أن الأمر ليس كذلك، أحدهم قال شيئاً
والثاني كرّر ذلك؟ هذا يقال أحياناً بصورة قطعية مؤكدة ويقع في قبال مسألة
فلسفية لندعي التعارض بينهما، وذاك يؤكد بأن كلامنا صحيح وهذا يتهم ذاك
بعدم احترام الحديث وذاك يعتبر هذا ساذج التفكير وهكذا...
وفي اعتقادي أنه لو عرف الجانبان ما هي القضايا المسلّمة
وأنه لا يمكن افتراض أي شيء كان من المسلّمات وأن يكون هذا الجانب متبعاً
للنص، فسوف لن نجد رواية تخالف مسلّمات العقل ولن يكون هناك مصداق لما
يقال: ماذا نفعل بالروايات المخالفة للعقل؟ أو ماذا نفعل بالقضايا العقلية
المخالفة للروايات؟
والآن لو عدلنا عن بعض مواقفنا ـ التي هي غير يقينية ـ
وتعاملنا بإنصاف ووجدنا أن عدداً كبيراً من أصحاب العلوم العقلية يعتبرون
أمراً ما من المسلمات، في حين يرى الجانب الآخر نفسه واثقاً من صحة روايته،
فعندها ماذا نفعل؟
أفضل مثال يمكنني ضربه هو المعاد الجسماني. وقد كتبت
مؤخراً مقالة حول المعاد الجسماني طُبعت في ذكرى آية الله الآملي. هذا
المعاد الجسماني ليس لأجل آية أو آيتين أو ثلاث كي يقول بعضهم إنه ظاهر
وظهور. هناك جمعت نحواً من أربعين آية، أربعين آية في كل منها ظهور قوي على
أن المعاد جسماني. هذا في حين أن المعاد المطروح اليوم في الفلسفة (حتى في
هذه الفلسفة الشائعة التي بين أيدينا ويجري تدريسها) هو معاد جسماني غير
مادي، وتقريباً كل أصحاب العلوم العقلية يريدون القول بأن ذلك هو كلمتهم
الأخيرة وأن هذه المقدمات صحيحة وهذه النتيجة صحيحة أيضاً والمعاد ليس
جسمانياً مادياً. من الطبيعي أن هذين الطرفين متقابلان، لأن الأدلة النقلية
للمعاد الجسماني قطعية من حيث السند والدلالة (طبعاً ليس لمن يعاني من
الوسوسة ولا يقطع بالأمور بسرعة لخلل في ذهنه، وليست أذهان هؤلاء معياراً
بالأساس). هنا لا بد من أن نقبل ونستنتج أن مقدمات تلك النظرية الفلسفية
فيها خلل. ولكن من ناحية أخرى هناك مسائل ضرورية وبديهية وأمثلتها واضحة
جداً. فمهما كان لدينا من روايات تحكي الجسمية بالنسبة إلى الله تعالى لا
يمكن للعقل قبولها. هذا ما يقبله الجميع ولدينا أدلة عقلية واضحة على أن
الله تعالى لا يمكن أن يكون جسماً. كل هذه الروايات يجب توجيهها بشكل من
الأشكال أو تركها جانباً.
والنتيجة التي أريد أن أخرج بها هي أننا إذا تعاملنا
بإنصاف فهذا التعارض قلما يحدث، وإذا حدث فإنْ كان الذي إلى جانب القرآن
والحديث سنده قطعي (قطعي بالنسبة إلى المتزنين من الناس) فلا بد من الأخذ
بهذا الجانب والتخلي عن الجانب الآخر، لأن الأنبياء إنما جاءوا لتعليمنا
هذه الأمور وكلامهم بالنسبة إلينا حجة.
أعود وأقول تذكيراً إن إحدى المشكلات في هذا المجال هي
أنه لم يجر العمل على أحاديث المعارف الإسلامية كما ينبغي، وكمثال على ذلك
لو أنه جرى العمل بشكل جيد على خطب أمير المؤمنين (ع) وخطب الإمام الرضا
(ع) وأحاديث الإمام الصادق (ع) في باب المعارف الإسلامية، فإن الكثير من
هذه الاختلافات ستزول.
وليس العمل عليها بمعنى أننا أولاً نقرأ بعض كتب الفلسفة،
ثم نأتي إلى الحديث محملين بتلك الأفكار. هذا ليس عملاً على الحديث. معنى
العمل على الحديث هو أن ندرسه من دون تلك الأبحاث الفلسفية وبالذهنية التي
كان يحملها مخاطب ذلك الحديث نفسه. فعلى كل حال، هذا الكلام كان موجّهاً
إلى مخاطب وكان مفهوماً بالنسبة إليه، أو على الأقل تم التفكير بأنه سيكون
له مخاطب ويجب أن يكون مفهوماً بالنسبة إليه. فلا أظن أحداً يرتضي أن
المخاطب في كلام أمير المؤمنين (ع) بشكل عام هو أصحاب المعرفة الروحية فقط
أو الفلاسفة فقط. فعلى أي حال، البيان بيان لمخاطب محدد. أنا أعتقد أنه
بهذه الرؤية وهذه المنهجية في البحث سيمكن حل أغلب مشكلات فهم الحديث.
علوم الحديث: الموضوع الآخر الذي يناسب طرحه هو مسألة
ترجمة الحديث من لغته الأصلية إلى لغات أخرى. في السنوات الأخيرة، جرت حركة
جيدة على صعيد ترجمة القرآن ويجري في الحال الحاضر مزيد من التدقيق في هذا
المجال، ولكن يبدو أن هناك اهتماماً أقل بترجمة الحديث. لعلكم لاحظتم بعض
الكتب التي تُرجمت في الآونة الأخيرة. في أحد أعدادنا السابقة كان لنا نقد
موسّع لترجمة "نوادر" الراوندي الذي تُرجم بصورة ابتدائية جداً. فما هي
برأيكم منزلقات ترجمة الكتب الحديثية؟ سنكون شاكرين إذا أشرتم إلى بعضها
وإلى سبل التخلص منها.
آية الله أستادي: قبل الإجابة عن سؤالكم بودي الإشارة إلى
أمرين من باب التذكير أيضاً. أحدهما هو أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا أو
على الباحثين والآخرين: هل هناك أساساً من مصداق للبحث في القضايا
الإسلامية بالنسبة إلى من لا يحسن العربية؟ هذا المسألة موضع اختلاف وأنا
شخصياً أعتقد أنه لا يمكن وجود ذلك.
هذا سؤال جوهري لا بد من الإجابة عنه، وهو أنه أساساً هل
يمكن أن يصدق البحث في مجال العلوم الإسلامية بالنسبة إلى من لا يحسن اللغة
العربية أو لا؟ فإذا لم يكن لذلك مصداق فالعمل على ترجمة الحديث بشكل واسع
يعتبر عملاً إضافياً لا جدوى منه أساساً، ولكن إذا كان له مصداق، فمبدئياً
لا بد من ترجمة أحاديثنا على مستوى واسع جداً إلى الحد الذي تكون فيه كل
الأحاديث في متناول الباحثين غير العرب وعلى نطاق واسع كما هي في العربية
ولدى الباحثين العرب، وعندها لا تدخل في العمل مسألة تقويم الحديث وما إلى
ذلك، وكما يقال الحسن والقبيح والجيد والرديء والصدق والكذب ...إلخ كل ما
هنالك يترجم بأكمله ليكون في متناول الباحثين (وطبعاً بالترجمة الدقيقة
التي سأتحدث عنها قليلاً في الموضوع التالي).
وأما إذا كنا مع الطرف المقابل ونؤمن بأن البحث في
القضايا الإسلامية غير ممكن بالنسبة إلى من لا يحسن العربية، فترجمة
الأحاديث (أي ترجمة الكتب الحديثية) تصح في حالة واحدة وهي ترجمة محكمات
الأحاديث ووضعها في متناول أيدي الناس. أجد بعضهم يتصور أنه يقوم بخدمة
فيأخذ بعض كتبنا الحديثية التي فيها أنواع الأحاديث ويقوم بترجمتها لتكون
بين يدي الناس، فلا الناس هم من أهل البحث والدراسة ولا كل هذه الأحاديث
مقبولة لدينا. هؤلاء الأشخاص، بمَ يقنعون أنفسهم، لا أدري! فإنْ قالوا
لماذا كان علماؤنا الكبار يفعلون ذلك، نقول بعضهم ـ وبسبب ميولاته الحديثية
ـ كان يعتقد أساساً بوجوب وضع كتب الحديث هذه في متناول أيدي الناس بدلاً
من الرسائل العملية وكتب الدعاء والعقيدة. ونحن الآن لا نرضى بذاك الكلام.
الآن يجب أن نعرف: لماذا نقوم بالترجمة أساساً؟ لكي تكون
في متناول الباحثين؟ نترجم إلى الإنكليزية لكي يتمكن فرد لا يعرف العربية
أو الفارسية في لندن في الجامعة الفلانية من البحث حول الإسلام؟ فهذا لا بد
من أن يكون على نطاق واسع جداً وإلا فسيبقى بحثه ناقصاً أيضاً. فإنْ كنا لا
نقبل ذلك، فلا بد من ترجمة محكمات الأحاديث.
أفضل كتبنا الحديثية والمعروفة منها يمكن أن تحتوي على
حديثين أو خمسة أو عشرة أحاديث لا يقبلها الشيعة أساساً (وإن كان صاحب
الكتاب قد أوردها للأمانة العلمية أو لرأيه الشخصي). ومن الصدف أني شخصياً
تورطت في مثل هذه القضية. جرى الحديث في مكان ما أنه تمت ترجمة أحد الكتب
الحديثية القديمة جداً والذي يحتوي على بحوث أخلاقية. فطبعنا تلك الترجمة
ولم ننتبه إلى أن في طيات الكتاب توجد بعض الأحاديث التي تثير التساؤلات.
وبعد طبع الكتاب ونشره، كتب إلي أحد المهندسين رسالة قال فيها: "بناءً على
معرفتنا السابقة بكم وبزملائكم، توقعنا أن هذا الكتاب قد جرى تقويمه، ولذلك
جئنا بنسخ منه ووزعناها على بعض الأشخاص. وبعد مطالعته لاحظوا في عدة مواضع
منه أحاديث تحوم حولها التساؤلات وأدت إلى إثارة شبهات". فإذا أراد هذا
الكتاب كله أن يترك أثراً حسناً على هؤلاء الأشخاص، فهذه الأحاديث المعدودة
ستخرب ذلك كله.
والآن لنفترض أنهم أخذوا بعض الكتب (ككتب الأحاديث
الفقهية) وقاموا بترجمتها. ترجمة كتب الأحاديث الفقهية لغير الباحثين لا
معنى لها أساساً. أنا أتصور أنه يجب طرح هذا الموضوع في مجلتكم، كما ينبغي
العمل عليه إلى حد ما في اللقاءات التي تقيمونها.
علوم الحديث: ولكن كيف تُحل هذه المشكلة بالنسبة إلى
العرب؟ العرب أيضاً لا يصبحون باحثين بمجرد معرفتهم للعربية. والكتب كلها
عربية، أي في الحقيقة هذه المشكلة لا تتوجه إلى غير العرب خاصةً لكي نقول
من لا يعرف اللغة لا يمكنه البحث والدراسة. هذه المشكلة يعاني منها العرب
بشكل أعمق. كل من يتكلم اللغة العربية لا يكون باحثاً، ولكن كل المصادر بين
يديه. فما هو العمل بالنسبة إليه؟
آية الله أستادي: لاحظوا، أنا لم أقل كل من لا يعرف
العربية ليس باحثاً. ظروف كتبنا هي بشكل بحيث من لا يعرف العربية بنفسه لا
بد له من ترجمة تنقل له الأحاديث بالمعنى. أنا لا أتحدث عن الباحث كباحث،
بل أتحدث عن وسائله وأدواته. أنا أخاطب كل باحث لا يعرف العربية وأقول أنت
إذ لست عربياً، أنت الذي لا تحسن هذه العربية (الموجودة في هذه الكتب)، إذا
كانت وسائل عملك ترجمة لا تحتفظ بكل الخصوصيات، فلا ينبغي لك التعويل على
عملك كثيراً. قد يكون الباحث نفسه قديراً، ولكن وسائل البحث غير متوفرة
لديه. الترجمة ينتفع بها الباحث إذا وضعت بين يديه كل الأبعاد المعنوية إلى
جانب جميع خصوصيات النص الأصلي.
أنا أعتقد من المناسب طرح هذا الموضوع في الأوساط
العلمية، لأنه للأسف تجري الآن أعمال سوقية ليس لها قيمة علمية. وهذه
الأعمال لا يجري تقويمها. كتاب فيه أشكال الموضوعات (وبعضها غير مقبول)
يُترجم بطريقة سوقية ويُوضع بين يدي الناس وقد يحتل مكانه في المكتبات
الضخمة ويُستفاد منه كمرجع ومصدر. طبعاً، شكل الترجمة الصحيحة وأسلوبها
وجاذبيتها هو موضوع آخر ولكل فرد أن يأخذ بأسلوب من الأساليب ويقدم كتابه
بجاذبية ما، ولكن المهم هو وجوب نقل قول الإمام والنبي بكل خصوصيات اللغة
الأصلية إلى اللغة الأخرى. وجدت في مكان ما ثناءً على ترجمة "نهج البلاغة"
للسيد الدكتور شهيدي وقالوا إنه راعى في النص الفارسي حتى القضايا الأدبية
الموجودة في الجملة العربي. فنحن نبحث عن مترجمين على هذا المستوى. هذه
الترجمة التي يمكن وضعها في متناول أيدي الناس والباحثين.
العلامة المجلسي ووالده كلاهما من أفضل كتّاب النثر
الفارسي في زمانهما. مؤخراً، كنت أتصفح الشرح الفارسي لكتاب "من لا يحضره
الفقيه" للعلامة المجلسي الأول، فلاحظت في الحقيقة أنه مترجم قدير. عندما
تصفحت هذا الكتاب لاحظت أن العبارة لم يكن فيها تطويل، كما أن الكلمات
والعبارات قد ترجمت بشكل جيد. نحن نبحث عن مترجم يُحسن الترجمة من ناحية
ويقوم بترجمة محكمات الروايات من ناحية أخرى لكي لا تثير التساؤل لدى
القارئ العام.
علوم الحديث: منذ أمد وتحقيق النصوص الحديثية يجري على
قدم وساق. إذا كان لكم من كلمة حول تاريخ هذا العمل فتفضلوا. كما أنه إذا
كان لديكم اقتراح حول تحسين مستوى التحقيق، فكلنا آذان صاغية.
آية الله أستادي: في خصوص تحقيق وإحياء النصوص الحديثية،
قد يتصور بعضهم ممن لا يتعامل كثيراً مع المخطوطات أن هذا عمل جديد وأنه
بدأ قبل أربعين أو خمسين سنة مثلاً أو كما يقول بعضهم نحن تعلمناه من
الأوربيين، إلا أن من يتعامل مع المخطوطات يعلم أن تحقيق النصوص الحديثية
بدأ من السنين الأولى لكتابة الحديث بسبب الأهمية التي كان يوليها علماؤنا
للحديث. أنا أعتقد أنه من المناسب الإتيان ببعض هذه النسخ وعرضها على أصحاب
الاختصاص. مثلاً كتب أحد العلماء ثلث من مجموعة كتاب "التهذيب". كتب النص
بدقة كبيرة وحققه بحيث جاءت كل عبارات النسخ الأخرى في الهامش مع التوضيح
متى لزم ذلك. طبعاً العلامات المستعملة اليوم في الكتابة لم تكن موجودة
آنذاك، إلا أنه كانت هناك علامات أخرى.
أنا أحياناً أدعو بالرحمة والمغفرة بكل وجودي لبعض هؤلاء
الأكابر. العمل الذي يقوم به اليوم شخصان أو ثلاثة خلال خمس سنوات مع مردود
مالي لا بأس به إلى جانب الشهرة التي يحصلون عليها، كان الكثير من علمائنا
المجهولين السابقين يقومون به نفسه خلال سنين على نسخة واحدة مع أنهم
يعلمون أن هذه النسخة سوف لن يكون لها نسخة ثانية وكان عملهم هذا هو لمجرد
حفظ التراث الحديثي لا غير. من بين كتب مكتبة المدرسة الفيضية، رأيت أحد
علماء كاشان قد حقّق مجموعة كاملة من "الوافي" للفيض الكاشاني وكتب في
آخرها أن تحقيق هذه المجموعة من "الوافي" دام أربع عشرة سنة، يعني كان يعمل
مدة أربع عشرة سنة على هذه النسخة فكان يطرحها مثلاً في حلقات الدرس
ويتداول مشكلاتها في الأوساط العلمية مع العلماء وما إلى ذلك.
جرت على بعض كتبنا تحقيقات دقيقة كانت الكتب الأربعة في
صدارتها. وعدا الكتب الأربعة، هناك كتب أخرى لم تُحقّق بشكل دقيق. إحدى
المشكلات التي نعاني منها اليوم هي أن العديد من كتبنا الحديثية غير محققة.
حركة التحقيق التي بدأت خلال الخمسين سنة الأخيرة امتازت بأنها تتناول ـ
بالإضافة إلى الكتب الأربعة ـ تحقيق كتب أخرى وبالشكل المطلوب. والحق قد
قُطعت خطوات جيدة على هذا الطريق أيضاً. طبعاً وسائل العمل ساعدتهم على ذلك
كثيراً. فهارس المكتبات ومخطوطات المكتبات التي هي في متناول أيديهم بأشكال
مختلفة، أعانتهم كثيراً. هذا وإنْ كان لا يزال هناك مجال لكثير من العمل.
بعقيدتي يجب أن نقوم اليوم بعدة أعمال في مجال الحديث.
العمل الأول هو أن يقوم الباحثون ـ من يتعامل منهم مع علم الرجال ومن لا
يتعامل ـ بتحديد الصحيح والضعيف اصطلاحاً من كل الأحاديث. طبعاً يوجد لدينا
أحاديث "مختلف فيها" أيضاً، وإذا تناولنا هذه أيضاً فمشكلاتنا ستحل. عند
تقويم الحديث، أينما وجدنا اختلافاً نسجّل "مختلف فيه". ومع أن وسائل العمل
اليوم كثيرة جداً، إلا أن هذا العمل لم يجر بعد. لا يوجد لفضلائنا الذين
يريدون القيام بالاستنباط اليوم وسيلة معتمدة بخصوص صحة أو عدم صحة
الروايات.
أضرب لكم مثلاً ما حصل لي شخصياً. قبل سنين (مثلاً قبل
عشرين أو ثلاثين سنة)، عندما كنت أريد متابعة مسألة فقهية كنت أجد نفسي ـ
لقلة الوقت ـ مضطراً لقبول ما قاله "الجواهر" من أن الحديث "صحيح"
والاكتفاء بذلك. وأينما لا يذكر شيئاً لم أكن أستطيع قول شيء وأي حديث لم
يتناول صحته وضعفه لم يكن بمقدوري إعطاء رأي فيه. ولذلك أرى أنه عمل نافع
لا بد من القيام به في تصوري. كل حديث من أحاديثنا لا بد من أن يكون
معلوماً ومحدداً من حيث الاصطلاح (طبعاً الصحيح في الاصطلاح لا ينفع في كل
مكان، والضعيف في الاصطلاح ليس مرفوضاً في كل مكان، وهذا بحث آخر).
العمل الآخر الذي أعتقد بضرورته هو قيام مجموعة
(كالباحثين في دار الحديث) بدراسة الأحاديث التي يقال إنها محفوفة بقرائن
ليكشفوا عن طبيعة قرائنها، أهي تكرارها أم اشتراكها بين الشيعة والسنة أم
غير ذلك؟
إذا حصل مثل هذا التقويم في مجموع رواياتنا وجرى تحديد
الروايات ذات القرائن مع ذكر قرائنها، فذاك سيكون وسيلة عمل مهمة للباحثين.
العمل الثالث الذي يجب القيام به في مجال الحديث هو الكشف
عن أحاديث التقية. طبعاً كما هو مطروح في البحوث الأصولية، الحديث الوارد
تقيةً لا يعني بالضرورة أن يكون لأهل السنة فتوى مشابهة وأن المعصوم ذكرها
عيناً، إلا أن الجاري عادةً هو ذلك. فالنوع الآخر من التقية نادر. وأحاديث
التقية من غيرها تتضح من خلال مقارنة أحاديثنا بأحاديثهم وفقههم.
العمل الرابع هو المعمول به وغير المعمول به من الأحاديث.
تعلمون أن بعض علمائنا يعتقد بأن أي حديث ـ وإن كان صحيح السند ـ إذا لم
يكن "معمولاً به" فلا جدوى منه. الكثير من الأفاضل والباحثين ينسون هذه
القضية في دراساتهم أو أنهم لا يستطيعون تحديدها بالضبط، فيستندون أحياناً
في المقالات أو المحاضرات إلى بعض الروايات ثم يأتي آخر ويقول إن هذه
الرواية غير معمول بها.
هناك عمل خامس (ولعله أهم من الجميع) وهو المشروع الذي
يقولون إن العلامة الطباطبائي كان يريد القيام به، أي قضية التوجّه نحو
النص في أحاديث المعارف الإسلامية التي تضم الأدعية والزيارات والخطب
جميعاً. هذا في الحقيقة عمل مهم أيضاً لا بد من القيام به، ولا سيما وأني
أتصور أنه من المؤثر جداً أن نأتي بنصوص وإلى جانبها القضايا الفطرية لدى
الإنسان، مثل كتاب "القرآن والعقل" للمرحوم أقا نور الدين الأراكي الذي كان
يريد إثبات أن سور القرآن تطابق الفطرة والعقل، حيث خطا خطوات كبيرة على
طريق تمتين معتقدات الناس.
هذه أعمال لعلّ بعضها ـ في تصوري ـ أكثر ضرورة من بعض
أعمال التحقيق والإحياء الجارية حالياً، ولكن في الوقت ذاته ما جرى من
تحقيق للأحاديث وإحياء كتب الحديث وفي حدود ما تم إنجازه هو أمر مقبول. ومن
الطبيعي إذا قام أحدهم بتحقيق كتاب حديثي، فلا ينبغي لغيره أن يتصور ذلك
نهاية المطاف. عندما طُبع كتاب "وسائل الشيعة" بطبعة محققة استقبله الجميع،
إلا أنه عندما جرى تحقيقه وطبعه ثانيةً اتضح أنه لا ينبغي النظر إلى
الأعمال وكأنها بلغت غايتها.
علوم الحديث: استمراراً لحديثنا، نرجو أن تبينوا لنا
رأيكم في التراث الحديثي لأسرة الخوانساري.
آية الله أستادي: لا بد من الإشارة أولاً إلى بعض الأمور
حول مؤتمر الأقا حسين الخوانساري نفسه. هذه المؤتمرات تستهدف عده أمور،
منها تثمين وتخليد ذكرى أولئك الذين بذلوا جهوداً في العمل الديني وإحياء
مذهب أهل البيت (ع). الهدف الآخر هو أن كل عالم من العلماء خرج من منطقة
ومدرسة. ومن الطبيعي أن يرغب أهل تلك المنطقة وعلماء تلك المدرسة في
التعريف بشخصياتهم. من الأهداف الأخرى التي قد تكون أهم هو محاولة نشر
أعمال هذه الشخصيات عن طريق هذا المؤتمر أو نشرها بشكل أفضل فيما إذا كانت
منشورة سابقاً.
وأنا شخصياً كلما تصديت لإقامة أمثال هذه المؤتمرات كنت
أستهدف بالدرجة الأولي هذا الأمر وأعتقد بما أنه قد رُصدت المبالغ وبذلت
الجهود فمن المناسب أن نقوم بنشر أعمالهم، وبحمد الله نجحنا إلى حد الآن.
لقد عمل القائمون على مؤتمر الشيخ الانصاري بصورة جيدة جداً واستطاعوا
حقيقةً نشر كتب الشيخ بشكل جيد جداً، وبعضها لا يزال قيد الطبع أيضاً. كما
سارت مؤتمرات أخرى على هذه الخطى (كمؤتمر الشيخ المفيد ومؤتمر المحقق
الأردبيلي اللذين كنت قد ساهمت فيهما).
وفي مؤتمر الأقا حسين الخوانساري وولديه (الأقا جمال
والأقا رضي) المنعقد تخليداً لذكرى هذه الأسرة وبمساهمة من وزارة الإرشاد،
نتطلّع بالدرجة الأولى إلى نشر أعمالهم ومؤلفاتهم. سيتناول هذا المؤتمر
أعمال الأقا حسين وولديه الأقا جمال والأقا رضي. طبعاً هناك شخصيات أخرى من
هذه الأسرة قمنا بنشر شيء من أعمالها. كما توجد أعمال نشك في انتسابها إلى
هؤلاء السادة الذين ذكرتهم.
كل من هذه الشخصيات الثلاث لديه مؤلفات فقهية، وهذه
المؤلفات مشحونة بالحديث، الأمر الذي يحكي عن اهتمام هذه الشخصيات بالحديث،
وإذا كان ولا بد من اعتبار كل فقيه عارفاً بالحديث على مستوى الفقه كحد
أدنى، فما من شك في ذلك بالنسبة إلى هذه الشخصيات الثلاث.
عندما يروي الأقا حسين الروايات في كتابه الفقهي (شرح
الدروس الشرعية) نجد له من التتبع ما يحكي عن تبحّره في علوم الحديث.
تعلمون أن "وسائل الشيعة" متداولة اليوم وقد سهّلت الأمور، ولكن في زمانه
لم تكن "الوسائل" موجودة، واستطاع هو بجهده الشخصي أن يجمع أحاديث كهذه
بشكل جيد. وعلى الرغم من نقصان هذا الكتاب الفقهي إلا أنه كتاب علمي جيد.
حاشية الأقا جمال على "شرح اللمعة" كتاب جيد أيضاً. بعض
أكابر الفقهاء والعلماء كانوا يهتمون بهذه الحاشية بشكل كبير جداً ويقولون
يمكن لـ "شرح اللمعة" مع هذه الحاشية أن يكون مرجعنا الأولي للإجابة عن
الاستفتاءات.
الأقا رضي تابع "شرح الدروس" الذي كان لأبيه، لأنه تركه
ناقصاً وأراد هو إكماله، فكتب شرحاً لبعض الكتب (الصوم) وطُبع مع شرح أبيه.
هذه الكتب الفقهية الثلاثة المطبوعة لهذه الشخصيات الثلاث
(شرح الأقا حسين على "الدروس" للشهيد الأول، وإكماله بقلم الأقا رضي،
وحاشية الأقا جمال على "شرح اللمعة") تحكي بوضوح عن اهتمام هؤلاء الفقهاء
الكبار الثلاثة بالحديث، ولكن كان الأقا جمال من بينهم هو الأكثر اهتماماً
وتعاملاً مع الحديث وصاحب مؤلفات فيه (كشرح "غرر الحكم").
ومع ذلك، هؤلاء الباحثون الثلاثة ليس لهم كتاب حديثي
مستقل (كمجاميع الحديث التي لدينا) وليسوا من المحدثين (بالمعنى المصطلح
عليه)، ولكنهم كانوا من المعنيين بالحديث (ولا سيما على صعيد الفقه).
فمثلاً رسالة الجمعة التي كتبها الأقا جمال تشتمل علي أحاديث كثيرة. كان في
زمانه رأيان حول وجوب صلاة الجمعة وكان هو يريد تقوية أحدهما وتضعيف الآخر،
فتابع لأجل ذلك الأحاديث بشكل جيد.
كما كتب الأقا جمال رسالة حول زيارة الإمام الرضا (ع)
لينتفع بها الناس عند زيارتهم للإمام (ع). هذه الرسالة المكرسة في الحديث
وشرحه وترجمته اشتملت على روايات في ثواب زيارة الإمام الرضا (ع) وآداب
زيارته وزياراته (الواردة عن المعصومين) والزيارات الجامعة، إلى جانب
ترجمتها الفارسية. وفي هامش الزيارات الجامعة، جاء بشرح وتوضيح مختصر ولكنه
مفيد إلى الحد الذي نال فيه إعجاب الحاج النوري الذي قال في الثناء عليه:
في حاشيته على الزيارات الجامعة ما يحكي عن صلته الوثيقة بالحديث وكلام أهل
البيت (ع).
كما أن له ترجمة وشرحاً بالفارسية على "غرر" الآمدي نُشرا
في سبعة مجلدات، وكذلك ترجمة لـ "مفتاح الفلاح" للشيخ البهائي مع هوامش
كثيرة. ومن مجموع هذه الأعمال التي ذكرناها نستطيع اعتبار الأقا جمال (وعلى
مستوى الإثباتات حيث أننا لا نعلم واقع الحال) متقدماً في التأليف الحديثي
على الأقا حسين والأقا رضي. المؤلفات الحديثة لهذه الشخصيات هي هذه التي
ذكرت تقريباً.
البعد الآخر في أعمال هذه الشخصيات هو الفقه. كل منهم
لديه مؤلف فقهي باللغة العربية وبعضهم بالفارسية. ونحن حاولنا أن ننشر
رسائلهم الصغيرة أيضاً.
اثنان من أسرة الخوانساري (نقول اثنان على مستوى
الإثباتات أيضاً) كانا من المعنيين بالعلوم العقلية، ويبدو أنهما كانا موضع
استقبال كبير آنذاك. فما يقال في الأقا حسين من أنه "أستاذ الكل" يبدو أنه
يتعلق بالدرجة الأولى بالجانب العقلي من اهتماماته.
لدينا حاشية على "الشفاء" للأقا حسين وقد طبعها المؤتمر.
كما كانت هناك حاشية على "الشفاء" للأقا جمال طُبعت سابقاًًً في ذيل
"الشفاء"، وقد ذكر الشهيد المطهري الأقا جمال عند حديثه عن الفلاسفة
بمناسبة طبع حاشيته هذه مع "الشفاء". وما أقصده بهذا الحديث هو أنه قد
يتدخل بعضهم في الفلسفة، إلا أن المتخصصين يرفضونه، أي أن تدخله يكون
عبثاً، ولكن الباحثين الذين نتحدث عنهم ليسوا من هذا القبيل. ربما استشكل
بعضهم على آرائهم، ولكن لا ريب في أنهم كانوا من المعنيين بـ "الشفاء"
والمتداولين له، فسّروه وانتقدوه وأشكلوا عليه. من مزايا الأقا حسين هو أنه
حطّم حاجزاً من الحواجز، لأنه استشكل على ابن سينا وغيره وشق الطريق إلى حد
ما أمام غيره ليستشكلوا وإنْ لم يكن إشكالهم صحيحاً. وأساساً كانت شهرته في
الغالب بسبب قدرته على مواجهة الآراء. فقد دار بينه وبين غيره في بعض
الموضوعات ثلاث أو أربع رسائل. هذا يكتب وذاك يرد وبالعكس.
وكذلك لدينا حاشية ـ عن طريق واسطة ـ للأقا جمال على "شرح
التجريد" للقوشجي وقد طبعناها. وقد وصلتنا حاشية "شرح الإشارات" للأقا حسين
حيث يقوم الأخ العزيز السيد عابدي بمتابعة تحقيقها ونشرها، ولا بد من أنها
ستبلغ ثلاثة مجلدات. طبعاً بالنسبة إلى الأقا رضي لا يوجد لدينا عنه كتاب
فلسفي مستقل، ولكن يتضح من بعض الكتب التي كتبها أنه كان معنياً بذلك
أيضاً. وذلك من قبيل البحث الفلسفي المطروح في كتاب "المائدة السماوية" أو
شرح الحديث الذي يُسأل فيه عن إمكان جعل الله عالماً في بيضة (رسالة شرح
حديث البيضة). فمن الموضوعات التي تناولها يتضح أنه كان مُلمّاً بالقضايا
العقلية أيضاً.
وهكذا قام أحد أحفاد الأقا حسين بترجمة كتاب "التحصيل"
لبهمنيار وللأسف لم نتمكن من العثور على نسخته. ولو وُجد هذا الكتاب فإنه
سيكون عملاً قيماً لا بد من نشره، ولا سيما أنه يمثّل ترجمة لكتاب في
العلوم العقلية، وإذا كانت هذه الترجمة قد تمت بشكل جيد فإنها ستكون بحد
ذاتها مادة تعليمية للمترجمين.
في أمانة المؤتمر (في مجال تحقيق ونشر مؤلفات أسرة
الخوانساري)، تركنا العمل على الكتب الضخمة المطبوعة سابقاً. تركنا "شرح
الدروس" وحاشية "شرح اللمعة" و"شرح غرر الحكم" وغيرها وتناولنا كتباً أخرى.
مجموع الكتب والرسائل التي يقوم المؤتمر بنشرها هو أحد عشر مجلداً، ثلاثة
مجلدات منها لمؤلفين معاصرين: فرزانكان خوانسار (أفذاذ خوانسار) وجغرافياي
خوانسار (جغرافيا خوانسار) ودانشمندان خوانسار در كتب تراجم (علماء خوانسار
في كتب التراجم).
عندما نوت مجلة علوم الحديث إصدار عدد خاص بالأقا حسين
والأقا جمال، خطر ببالي أن أكتب مقالة عن الترجمات التي قام بها
الخوانساريون لتتم دراسة هذه الترجمات إلى حد ما، لأنه لدينا عدة ترجمات
عنهم، ولا سيما عن الأقا جمال،. حفيده (جمال الدين) له ترجمة للقرآن
الكريم، حيث تصّور بعضهم أنها للأقا جمال هذا، ولكنها لحفيده. على سبيل
المثال، "المناظرات" التي هي ترجمة الأقا جمال لـ "الفصول المختارة" للسيد
المرتضى هي إحدى الترجمات التي ينبغي دراستها. فهي تحتوي على بحوث علمية
مُلفتة. طبعاً أنا شخصياً لم أجد الفرصة المناسبة لهذا العمل الذي ذكرت،
إلا أن هذه الترجمات ـ وهي في الغالب ترجمة لنصوص شيعية وتعتبر عملاً
تخصصياً ـ تستحق الدراسة والمقارنة مع الترجمات المعاصرة. وأذكر بالمناسبة
هنا أنه بالإضافة إلى مجلة علوم الحديث، فإن كل من مجلة آينه پژوهش، حوزه،
كيهان انديشه، فقه أهل بيت، فقه حوزه، لديه إصدار خاص بهذا المؤتمر. نأمل
أن تصدر هذه المجلدات الأحد عشر والمجلات الست في الوقت المحدد.
وفي الختام أقول تذكيراً بأن هذا هو المؤتمر الثالث الذي
كرّستُ له الكثير من وقتي، وأعتقد إذا أُريد في المستقبل إقامة مؤتمر
لتخليد ذكرى شخصية من الشخصيات من أي جهة وفي أي مكان، لا بد قبل أن اتخاذ
قرار بشأن إقامة المؤتمر من أن تجلس مجموعة من المتخصصين لتدرس النتاجات
العلمية لتلك الشخصية وتحدد أي كتاب أو رسالة من بين تلك النتاجات ـ التي
يعتبر نشر كلٍ منها تخليداً لذكراه ـ سيعطي مردوداً أكبر في الحال الحاضر،
ومن هنا ينطلقون إلى تحقيق ونشر تلك الأعمال والمؤلفات.
قد تُطرح شخصية من الشخصيات ولها الكثير من المؤلفات.
وتخليداً لذكراها، يجري نشر المؤلفات، إلا أن نشر كل مؤلفاتها لا يضمّد
جرحاً. لا أقول يجب أن تكون بحوثاً عصرية أو تسد حاجة مجتمعنا الحاضر، إلا
أنه مع هذه التكاليف الفكرية والمادية لا يمكن أن نتوقع مؤتمراً ينشر
أموراً لا ينتفع بها حتى المتخصصون بالشكل المطلوب. لا ينبغي أن يكون العمل
بحيث يقررون أولاً ثم يتناولون المؤلفات لينشروا ما ليس له مردود.
ينبغي العمل بالدرجة الأولى على شخصيات لها مؤلفات كثيرة
ومتنوعة (كالشيخ البهائي والعلامة الحلي وغيرهم)، أو إذا كانت الشخصية ذات
بعد واحد، فينبغي أولاً دراسة أعمالها، ثم المبادرة إلى مؤتمر لتخليد
ذكراها. ولعل من معاني كلامي هذا هو أننا إذا أردنا لمؤتمراتنا أن تحقق
جميع الأهداف، فمن الأفضل التوجه إلى المتأخرين من العلماء. فمثلاً إذا
قمنا بتخليد ذكرى الآخوند الخراساني، فباعتقادي أنه سيكون عملاً له أثره.
لنرَ ما الذي قام به الآخوند؟ وإذا لم يكن فما كان مصير أصول فقهنا؟ فهو
الذي قفز بالأصول التي بهذا الشكل إلى كتاب بمئتين أو ثلاثمئة صفحة مع
الحفاظ على كل موضوعاته وبحوثه. طبعاً تخليد ذكرى أي شخصية من الشخصيات
يُوصلنا إلى تلك الأهداف الأولية التي كنا نبتغيها. فكيفما كان، هم أهل
منطقة ما، ولا بد لتلك المنطقة من أن تَعرف شخصياتها وتعمل على تعريفها. من
مردودات هذا العمل هو أنه يقدم للحوزة وللجامعة على حد سواء أمثلةً سبّاقة
يُحتذى بها، ولكن ينبغي أن ننتبه إلى ألا يكون العمل بحيث إذا وزناه
بمعايير عادلة بدا لنا (لا سمح الله) عملاً مُكلفاً، ولكنه في الوقت ذاته
أكثر مما يلزم.
علوم الحديث: نشكركم على إتاحة هذه الفرصة لهذا الحديث
الودي المفيد معكم، وكذلك على الجهود التي تبذلونها أنتم وزملاؤكم تخليداً
لذكرى أسرة الخوانساري والتي ستعطي ثمارها قريباً إن شاء بإقامة المؤتمر
ونشر الأعمال والمؤلفات.
|