|
إعداد: محمد هادي خالقي
ظفرنا بلقاء الأستاذ المحمودي في وقت كان يستعد فيه للسفر
إلى بيروت. ومع ذلك استقبلنا بحفاوة وأجاب عن أسئلتنا بتواضع.[1]
علوم الحديث: نشكركم على إعطاء هذه الفرصة للحديث معكم.
نرجو في البداية أن تتحدثوا لقرّاء علوم الحديث عن حياتكم ... عن ولادتكم،
مدينتكم، صباكم، شبابكم... وطلب العلوم الدينية في النجف.
الأستاذ المحمودي: لله الشكر، أنتم بذلتم جهداً أيضاً،
ووفقكم الله.
أنا ولدت قبل نحو من واحد وسبعين سنة في قرية
"علامرودشت" (التابعة لـ "لامرد") على مبعدة خمسين كيلومتراً جنوب شيراز.
ومنذ طفولتي كنت أحب العلوم الدينية، وفي صباي كنت أقرأ كثيراً وبدافع ذاتي
القرآن والتفاسير الفارسية وكتب التاريخ الفارسية (كناسخ التواريخ)، وكذلك
كتب المرحوم المجلسي ومعراج السعادة للمرحوم النراقي في الأخلاق. وباختصار،
كنت أقرأ كل ما أجده هنا وهناك، حتى أني في بلدتي نفسها قرأت شرح ألفية ابن
هشام وبعض مقدمات العلوم الدينية على يد اثنين من علماء المنطقة.[2]
في أوائل شبابي راودتني فكرة الذهاب إلى النجف لطلب
العلوم الدينية. كنت في التاسعة عشرة من عمري عندما شددت الرحال إلى النجف
في شتاء قارص غزير المطر مشياً على الأقدام وبمعيتي خمسة ريالات. في تلك
الأيام كان الناس يسافرون عادة على الخيول والبغال والجمال، والمُعدمون ممن
لا دابة لهم يذهبون سيراً على الأقدام.
وفي طريقي إلى بوشهر، وجدت جماعة من اليهود يسكون على سفح
جبل. كان بعضهم من أصحاب الحِرف المتجولين، وعندما عرفوا أني أقصد العراق
قالوا لي: إياك والذهاب، فنحن قدمنا حديثاً من تلك المناطق، والماء قد سد
الطرق جميعاًً... في البداية خفت قليلاً، إلا أني بعد ذلك استخرت بالقرآن
على الذهاب فخرجت الخيرة جيدة وانطلقت. وبعد أيام طويلة على الطريق وصلت
إلى بوشهر.
ومن بوشهر ذهبت بسفينة حمل إلى جزيرة خرج. فقضيت بضعة
أيام هناك حتى استطعت بلوغ عبادان بسفينة حمل أخرى أيضاً[3]. في تلك الأيام
كان السفر إلى العراق يحتاج إلى تذكرة ولم أكن أملكها ولا أملك قيمتها.
ولذلك بقيت في عبادان نحواً من أربعين يوماً حتى ساعدني صاحب مكتبة تعرفت
في حينها على مواصلة السفر (مع إحدى القوافل). فذهبت مع تلك القافلة إلى
البصرة وفي اليوم التالي إلى كربلاء لأزور أبي عبد الله الحسين (ع).[4]
ومن كربلاء ذهبت وحيداً إلى النجف إلى أحد أقربائنا وكان
من العلماء.[5] وعندما عرف ـ رحمه الله ـ أنه لم يكن معي شيء من المال
أُدير به أمري أوصاني بالرجوع إلى بلدتي لآتي إلى النجف مع شيء من المال
وقال: السيد أبو الحسن الإصفهاني لا يعطي مرتباً لأحد والحياة والدراسة
صعبة جداً مع هذه الظروف. هذه كانت إحدى مشكلاتي. المشكلة الثانية أنه لم
تكن هناك حجرة خالية في مدارس النجف. إلا أنني كنت مصراً على البقاء،
وعندما رأت أسرته اندفاعي قالوا له بإلحاح: أنت تسهّل أمور الغرباء، فكيف
لا تساعد قريبك هذا الذي جاء للدراسة؟ اذهب إلى السيد أبي الحسن
[الإصفهاني]، فلعله بتعريفك إياه يقرّر له مرتباً.
وبهذا الشكل أخذت أدرس في النجف، وذلك العالم الكريم ـ
الذي كان من أقربائي ـ أعطاني حجرته الشخصية التي كانت في مدرسة القزويني.
مرت ثلاث سنوات على هذا الحال عُدت بعدها إلى قم ومن ثم إلى مدينة مشهد
لفترة ما (زرت خلالها السيدة فاطمة المعصومة والإمام علي بن موسى الرضا ـ
عليهما السلام) ورجعت بعد ذلك إلى النجف لأبقى فيها أربع سنوات أخرى أواصل
دراستي هناك بكل رغبة. إلا أنه بسبب زواجي من إحدى الأسر الإيرانية التي
كانت تسكن في كربلاء، أقمت من حينها في كربلاء وإلى انتصار الثورة
الإسلامية حيث عدت إلى إيران.
علوم الحديث: حدثونا باختصار عن أساتذتكم وحياتكم العلمية
في النجف.
الأستاذ المحمودي: كما ذكرت أني تلقيت مقدمات العلوم
الدينية في بلدتنا. ولهذا بدأت في النجف من "قطر الندى" حيث درسته عند
الشيخ حسن دشتي والسيد كاظم سرابي. ثم درست السيوطي عند المرحوم محمد علي
المدرس (حيث كان إلى تلك السنة قد ختم ثلاثين دورة دراسية في السيوطي)[6]
ودرست المطوّل والقوانين عند الشيخ علي كاشاني.
دروس مرحلة "السطح" قرأتها أثناء إقامتي في النجف. حضرت
درس الفقه عند المرحوم السيد محمود الشاهرودي ـ أعلى الله مقامه ـ حيث كنت
أُكن له ولدرسه فائق الحب. ودرست الأصول عند المرحوم الأقا ميرزا باقر
الزنجاني. هذان الأستاذان الكبيران كانا من تلامذة الميرزا النائيني. كما
كنت أحضر درس أصول الشيخ حسين الحلي الذي كان من المجتهدين العرب. كما حضرت
درس فقه الميرزا أقا باقر حمّامي ـ وهو إيراني ـ ومن بعده الميرزا عبد
الهادي الشيرازي وآية الله الحكيم.
في الفترة التي سكنت فيها كربلاء، كنت أحضر درس فقه وأصول
الأقا ميرزا حسن يزدي وأقا يوسف شاهرودي. وللشيخ يوسف شاهرودي حق كبير عليّ
وعلى أمثالي حيث كان يولي اهتماماً عجيباً في تفهيم الموضوعات ويلقي الدروس
بصورة مرتبة ومن دون تأخير وكان درسه في غاية التنظيم. وبشكل عام، تعلمت
عنده الأمور العامة والقواعد الأصولية المسلّمة وحضرت درس الأصول لديه
مرتين، كل مرة دامت ست سنوات. بحوث الأصول درستها عند الأقا ميرزا باقر
الزنجاني. البحث الخارج في كربلاء قضيته عند الأقا الشيخ محمود الشاهرودي
والأقا ميرزا باقر. طبعاً كنت على مدى سنوات طويلة أذهب في كل أسبوع مدة
أربعة أيام إلى النجف لكي أحضر دروسهما وأتفرغ للمطالعة والبحث.
علوم الحديث: متى ولماذا اتجهتم نحو التحقيق في الحديث؟
الأستاذ المحمودي: عندما انتقلت من النجف إلى كربلاء في
عام 1951م بدأت مع مجموعة من الأفاضل في كربلاء ببحث حول روايات البحار،
وحينما أخذت بقراءة بحار الأنوار تعجبت من كثرة روايات البحار المشابهة
لنهج البلاغة لفظاً. من هنا قررت جمع شواهد ومصادر نهج البلاغة لسد الطريق
أمام مراوغة بعض المعاصرين من أهل السنة. ثم اتسعت دائرة العمل لتشمل كل
كلام أمير المؤمنين (ع).
علوم الحديث: يهمنا أن نعرف: ما هو الأثر الروحي والمعنوي
الخاص الذي شعرتم به منذ أن أخذ تعاملكم مع الحديث بالتزايد؟
الأستاذ المحمودي: أشعر أن الله تعالى لطف بي ومنحني بذلك
حياة أبدية. أي نعمة وموهبة أكبر من هذه؟ طبعاً كل منا يتحمل مسؤولية
الدفاع عن الحق والحقيقة وتبيين كتاب الله وسنة المعصومين (ع) بقدر وسعه
وبالحد الذي آتاه الله، وهو إذا لم يكن في حال غفلة فأول ما سيحصل عليه هو
الفائدة الروحية والحظ المعنوي.
علوم الحديث: هل واجهتم في بحوثكم الحديثية مسألة مهمة
ملفتة مفيدة للقرّاء؟
الأستاذ المحمودي: تحقيقاتي بشكل عام تناسب الباحثين
والمحققين، فهي متعبة بالنسبة إلى عامة الناس. ولكن لأن مجلتكم حول علوم
الحديث ويقرأها الباحثون وأهل العلم أقول: لا أعجب من شيء بقدر عجبي لأهل
العلم منا كيف يتناسون أصول المعارف والأخلاقيات الإسلامية وتاريخ الإسلام
ويولون البحث في الفروع قدراً أكبر من الاهتمام.
علوم الحديث: لنبدأ الحديث عن مؤلفاتكم بكتاب "نهج
السعادة"[7] إذا سمحتم. نرجو توضيح هدف الكتاب وطريقة تأليفه. هل كان هذا
الكتاب أول مؤلفاتكم؟
الأستاذ المحمودي: عشقت نهج البلاغة من أول يوم عرفته،
وكلما كان ينتابني شيء من الهم كنت أجد في مطالعته سلوى عجيبة تنسيني كل
الهموم. كما ذكرت، عندما دخلت كربلاء تنبّهت إلى أن وجود أسانيد قيمة لنهج،
فراودتني فكرة جمع تلك الأسناد، إذ لعل ذلك يزيح الأقاويل التي يطلقها
الجهلة والمتعصبون حول هذا الكتاب الشريف ولا يبقى مكان لهذه الأبحاث التي
لا طائل من ورائها.
وأثناء العمل على جمع الأسناد والمصادر، اتضح لي أن
الكثير من كلمات ورسائل الإمام علي (ع) قد ظل ولم يجمعه السيد الرضي، ولو
أن أحداً أراد جمعها لصنع منها كتاباً آخر لأمير المؤمنين (ع) لا شيء منه
في نهج البلاغة أبداً. ومن حينها انصب جل جهدي ـ إلى جانب الدراسة ـ على
تحقيق هذا الهدف. طبعاً كنت أقوم إلى جانب هذا العمل باستخراج مصادر نهج
البلاغة على الرغم من ضعف الحالة المادية والمشكلات الاقتصادية التي كان
يعانيها طلبة العلوم الدينية في العراق.
علوم الحديث: ألم يكن عملكم على أسناد ومصادر نهج البلاغة
مشابهاً لعمل المرحوم الأستاذ عبد الزهراء الخطيب ـ من علماء العراق؟
الأستاذ المحمودي: أنا صنفت "نهج السعادة" على ستة أبواب:
باب الخطب (ج 1 و2 و3)، باب الكتب والرسائل (ج 4 و5)، باب الدعاء والمناجاة
(ج 6)، باب الوصايا (ج 7 و8)، باب الحكم ـ الكلمات القصار ـ (ج 9 و10 و11)،
وباب الأشعار (ج 12).[8] وفي هذا الكتاب لم أورد النصوص الموجودة في نهج
البلاغة ـ مصدراً كانت أو سنداًً مستقلاً ـ لكي أجعلها في كتاب مستقل.[9]
عندما أخبري الأصدقاء بأن المرحوم (السيد السند عبد
الزهراء الخطيب) جمع مصادر نهج البلاغة، كان المجلد السابع من نهج السعادة
قد طبع وكنت أعمل على طبع المجلد الثامن.[10] فاستفسرت هنا هناك وعلمت أنه
قادم في الأسبوع المقبل إلى كربلاء لطبع كتابه. وعندما قدم كربلاء ذهبت
للقائه فوراً، وبعد التحية والتعارف قدمت له ذلك المجلد المطبوع وأوضحت له
طريقتي وهدفي من العمل وطلبت منه إعطائي مسودات "مصادر نهج البلاغة" ـ الذي
عمل عليه عدة سنوات. فتلطّف وجاء بالمسودات، فلاحظت أنه صرف وقتاً كثيراً
على عمل يماثل ما قمت به أنا وعمله جيد وليس بأقل من عملي. من هنا تخليت عن
أسلوبي السابق وغيرت طريقة الكتاب وجئت في بعض المواضع بأسانيد وشواهد من
نهج البلاغة.
علوم الحديث: يلاحظ وجود ترتيب تاريخي خاص في الروايات...
الأستاذ المحمودي: نعم، هذا كان آخر أسلوب اتبعته في
كتابة أحاديث أمير المؤمنين (ع) سواء في أقواله أو كتبه. في المرة الأولى
للكتاب أدخلت نصوص نهج البلاغة أيضاً، إلا أن الأسانيد والمصادر كانت في
آخر كل موضوع. وعندما عرضت ذلك على المرحوم الشيخ أقا بزرج الطهراني رأى
أنه على خلاف نهج البلاغة وقال لا تفعل ذلك لأنه مخالف للأسلوب الطبيعي
(حيث يأتي الراوي أو الناقل قبل الموضوع). وعندما أعدت الكتاب طبقاً لرأيه
أخرجت نصوص نهج البلاغة لكي أنشرها مستقلة. وفي المرة الأخيرة، كما ذكرت،
بعد أن شاهدت كتاب "مصادر نهج البلاغة" غيرت أسلوبي مرة أخرى، ولكي لا تذهب
أتعابي هدراً وتزداد فائدة الكتاب جعلت المحتويات ضمن ترتيب تاريخي كي
يتسنى للقارئ من خلال كلام أمير المؤمنين (ع) ورسائله قراءة تاريخ موجز عن
حياته أيضاً، وعلى هذا جعلت كل ما وجدته من كلام الأمير (ع) في عصر الرسول
الأكرم (ص) في البداية، فمثلاً خطبة الأمير (ع) عندما خطب الزهراء (س) هي
أول ما جاء في نهج السعادة. والفترة التالية هي كلام الإمام في زمن الخلفاء
وهكذا...
علوم الحديث: يبدو أن المروي عن الإمام في فترة ما قبل
خلافته أقل بالنسبة إلى عهد الخلافة.
الأستاذ المحمودي: نعم، لأنه قبل الخلافة كان الإمام
منزوياً ولم يكن يحتك به إلا خاصته، ولأنه لم يكن الإثبات والتسجيل
متعارفاً لم تدم تلك الحوارات المعدودة طويلاً أيضاً. ولكنه في فترة
الخلافة بقي الكثير من كتابات الأصدقاء والأعداء حول الإمام وعلى لسانه.
هذه الموضوعات استمرت من يوم بيعته (حيث بايعه كل أصحاب وأنصار رسول الله ـ
ص ـ إلا خمسة أو سبعة[11]) وإلى يوم شهادته، حيث يوجد لذلك أسناد ومصادر
متعددة، مصادر مسندة ومصادر غير مسندة. وما نأسف له كثيراً هو أن أغلب
أقوال الإمام في العصر الذي سبق خلافته الظاهرية ـ ولا سيما في عهد الخلفاء
ـ لم تصل إلينا.
علوم الحديث: حول روايات الكتاب، هل أوردتم كل شيء يُحتمل
صدوره؟
الأستاذ المحمودي: الحقيقة هي أني أوردت كل كلمة من سنخ
كلام الإمام وأمكن صدورها عنه ولم يكن لدي ما ينفي ذلك الصدور، وإنْ لم يكن
لي شاهد على حجيتها وكان دليل إثباتها ومصدرها غير صالح للحجية أو أن
راويها لا يعتمد عليه. طبعاً أشير في مثل هذه الحالات إلى حال الرواية
المنقولة لعل الباحثين يجدون لها يوماً مصدراً موثقاً أو سنداً معتمداً أو
دليلاً خارجياً يحكي عن صدقها.
وأضيف هنا أني ركزت في عملي على متانة محتوى الكلام وقوة
مضمونه، لا على كونه جميلاً لطيفاً في غاية البلاغة، ولذلك فهو أوسع حجماً
من عمل السيد الرضي (رحمه الله)، إلا أنه أدنى مستوى من حيث البلاغة بشكل
عام. أقول ذلك كي يتضح أني لم أذكر أي شيء بمجرد نسبته إلى الإمام. طبعاً
لا أدعي على الإطلاق مساواة هذا العمل لنهج البلاغة. ذلك أن الشريف الرضي
اختار مثلاً من 400 خطبة معروفة بين الناس والعلماء والخطباء في عصره[12]
نحواً من 238 خطبة أو قطعة من خطبة ملاحظاً المعايير البلاغية. ومن الواضح
أن بقية العمل ظلت مهملة ومحاولات السلف الصالح لم تكن أي منها تامة ولم
تستطع الحيلولة دون تبعثر وذهاب الكثير من هذه الأحاديث (وأسنادها). هذا في
حين أن أقوال الإمام هذه أيضاً متينة ومحكمة وبليغة من دون شك. وعلى أي
حال، أغلب ما جئنا به هو قطعي الصدور، إلا أنه لا يمكن أن ندعي ذلك بالنسبة
إلى الباقي. ومنذ بداية هذا العمل كنت أعلم أن الإنسان غير معصوم يخطأ
ويشتبه، ولذلك فإني عاهدت الله إذا نبهني أحد إلى خطأ واقتنعت به وجب علي
تلافيه حتماً (وهذا الأمر قلته للمرحوم العلامة الأميني عندما كنت أعرض
عليه مسودات نهج السعادة ودعا لي هو بذلك أيضاً)، ولا فرق عندي من يكون
الناقد وفي أي مقام ومكانة. وخلاصة القول هي أن أملي وهدفي الدائم أن أكون
زيناً لأهل البيت (ع) ولا أكون لهم شيناً.
علوم الحديث: بالنسبة إلى المجلد الأخير الذي هو أشعار
الإمام...
الأستاذ المحمودي: الأشعار التي هي من نظم الإمام نفسه
قليلة جداً. وما حاولته في هذا الكتاب هو أن آتي بكل الأشعار التي سُمعت من
الإمام ـ سواء كانت من نظمه أو التي تمثّل بها ـ مع ذكر أسنادها ومصادرها.
وإن شاء الله عندما سيكون هذا الكتاب في متناول المختصين ستُحل بعض مشكلات
الأبيات المنسوبة إلى الإمام ويتضح حال الكثير من الأشعار أهي من إنشاء
الإمام نفسه أم أنها جاءت كمثال وشاهد في كلامه.
بعض الأبيات جاء بها الإمام عن غيره توضيحاً لكلامه،
فيذكر هو تارة اسم الشاعر أو يشير الراوي إلى اشتهار ذلك البيت (عن الشاعر
الأصلي) أو وجدنا نحن مصدره في النصوص والدواوين القديمة للقرون الماضية
وبيّنا موضعه. إلى جانب هذه هناك أبيات للإمام نفسه. في السابق، قام بعضهم
بجمع هذه الأشعار ونسبها جميعاً إلى الإمام.
علوم الحديث: نرجو أن تتحدثوا عن بقية مؤلفاتكم.
الأستاذ المحمودي: من أعمالي الأخرى هو تحقيق كتاب شواهد
التنزيل للحاكم الحسكاني. الحسكاني كاتب سني المذهب يرجع نسبه إلى بني
أمية، ولكن الله تعالى لا عداء له مع خلقه، فمن يطيع يقربه سواء أكان من
بني أمية أو من غيرهم، ومن لا يطيع فهو مغضوب عليه عنده وإن كان من بني
هاشم. كان الحسكاني يعيش في القرن الخامس في عصر الشيخ الطوسي. أسانيد هذا
الكتاب من العامة بشكل عام ولكنه يروي أحياناً عن فرات الكوفي (والذي يبدو
أنه شيعي زيدي) والعياشي (الذي هو شيعي إمامي بالتأكيد). وفي مقدمة الكتاب
يذكر سبب تأليفه بأنه في أحد الأيام في نيشابور قال رجل جديد العهد على
رئاسة الناس وفي مجلس يضج بالحضور أنه لم يثبت نزول سورة هل أتى في علي بن
أبي طالب، بل لم تنزل حتى آية واحدة في علي. فبلغه خبر ذلك وكان إلى مدة
ينتظر أن يكتب بعض الأكابر رداً على هذا الكلام الذي لا أساس له، ولكنه حيث
لم يسمع بأحد قام بذلك هو بنفسه.
شواهد التنزيل يأتي بالآيات النازلة في أهل البيت (ع) إلى
210 آية بالترتيب ويورد في ذيل كل آية الأحاديث المتينة التي وجدها. وثلث
هذه الآيات تتعلق بالإمام علي (ع) والباقي بالرسول الأكرم (ص) والسيدة
الزهراء (س) والحسنين (ع). وبرأيي هذا هو أفضل كتاب في موضوعه (أي في فضائل
أهل البيت على لسان الوحي).
يروي مؤلف الشواهد في سورة الحمد في ذيل "اهدنا الصراط
المستقيم" ثلاثة أحاديث تقول إن المراد من "الصراط المستقيم" الذي يطلب
المسلمون الهداية إليه في كل يوم خمس مرات على الأقل، هو صراط آل محمد (ع).
وفي ذيل آية التطهير وحدها يروي 130 حديثاً تحكي عن نزول
"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً" في علي
وفاطمة والحسنين (صلوات الله وسلامه عليهم). وكما تعلمون، هذا الموضوع من
القضايا الحساسة بيننا وبين غيرنا ممن يعتقد غالباً أن هذه الآية الكريمة
تتحدث عن زوجات النبي. وإذا لم يقتنع أحد بروايات أهل السنة أنفسهم وهذه
الأحاديث الـ 130 التي يرويها هذا الرجل ـ وهي متواترة ـ فسوف لن يقنعه شيء
البتة. أغلب أسانيد هذه الروايات هي من الثقات عندهم. وهو يروي عن مسلم
والبخاري والترمذي وأحمد بن حنبل أيضاً. وهناك مئة حديث غير هذه جمعتها أنا
من مصادر مختلفة وألحقتها بذيل هذه الأحاديث. وخلاصة القول، لا أجد اليوم
مثيلاً لهذا الكتاب.[13]
تاريخ ابن عساكر (ت 571 هـ) كتاب جيد أيضاً من ناحية
اشتماله على فضائل أهل البيت (ع) ـ فضائل من غير القرآن. ابن عساكر من أهل
السنة وعمله فريد في موضوعه، كتاب شامل وضخم لعله في حال طبعه يزيد شيئاً
ما على مجموعة كاملة من بحار الأنوار.
المرة الأولى التي رأيت فيها نسخة من تاريخ ابن عساكر
كانت في مكتبة العلامة الأميني عندما كنت أبحث في مكتبات النجف لجمع كلام
أمير المؤمنين (ع) وكانت النسخة تقع في 66 مجلداً. وعندما أخذت بمطالعتها
لاحظت فيها الكثير عن أمير المؤمنين (ع)... فنحن عطاشى والماء من حولنا.
فقد أورد هذا الكتاب في ترجمة (سيرة) الإمام (ع) 1500 حديث كلها مسندة ـ
بلا استثناء ـ ومسموعة من مشايخه.
قدم ابن عساكر إلى إيران مرتين ويقول إنه ذهب إلى همدان
ونيشابور وأصفهان وهرات وسمع الحديث من المشايخ. ومن الـ 1500 حديث التي
أوردها حول الإمام علي (ع) 1000 حديث هي بالشكل الذي هو لدينا نحن الشيعة
بلا فرق، ومئة منها هي من أحاديثهم بشكل خاص، والباقي هي أحاديث ذات
جانبين: صدر الحديث شاهد لهم وذيله شاهد لنا.
وعلى أي حال، وجدت هذا الكتاب جيداً للتفاهم مع أهل
السنة، فبادرت إلى تحقيق جزء منه: مجلد باسم ترجمة الإمام علي بن أبي طالب
(ع) من تاريخ مدينة دمشق، ومجلد آخر باسم ترجمة الإمام الحسن (ع)، ومجلد
أخر باسم ترجمة الإمام الحسين (ع)، ومجلد رابع باسم ترجمة الإمام السجاد
والإمام الباقر (ع). إلا أنه للأسف أقول إن مقتل الإمام الحسين (ع) مفقود
من تاريخ دمشق وإن أصحاب الأغراض والمتعصبين من الكتّاب استلوه من الكتاب،
وإنْ كان هناك 300 حديث مسند حول الإمام سيد الشهداء (ع).
وأنا أتوقع إذا وجدت نسخة كاملة من تاريخ ابن عساكر فإنه
سنجد فيها بالتأكيد الكثير من الأحاديث عن حياة وأقوال الإمام الصادق (ع).
ذلك أن طريقة ابن عساكر هي التحدث عن حياة كل من سافر إلى دمشق على طول
التاريخ. ولكنه سقط من النسخ المشهورة لهذا الكتاب مقتل الحسين بن علي (ع)
وأجزاء من حرف الجيم وحرف الميم على مرّ الأيام. وأنا لست يائساً ولا أزال
أبحث عن نسخة كاملة لهذا الكتاب.[14]
من كتبي الأخرى تحقيق أنساب الأشراف للبلاذري. قبل تسعين
سنة قام اليهود بتحقيق ونشر تاريخ بني أمية من هذا الكتاب. وقبل خمسين
عاماً أخذ أهل السنة حياة الرسول الأكرم (ص) منه ونشروها. إلا أنه لم يجر
أي عمل بالنسبة إلى الإمام علي (ع) والحسنين (ع) وبعض أولادهم. صدقوني ربما
لو لم أبادر أنا إلى نشر هذا القسم من الكتاب فلعله لن ينشر أبداً. إحياء
هذا القسم من الكتاب أصبح أملي. حتى أني في سفري إلى الكويت قلت لبعض
المؤمنين هناك: "لقد قام بنو أمية والمخالفون لنا بما يجب عليهم. ولكن ماذا
فعلنا نحن وأنتم ممن يدعي التشيع لأمير المؤمنين (ع)! إلا يجب علينا إحياء
ونشر الأقسام التي تتعلق بالأمير (ع) والحسنين (ع) وأولادهم!؟". طبعاً كان
لهذا الكلام أثره وتحملت أنا بالطبع متاعب التحقيق.
هذا القسم من أنساب الأشراف ينبغي لنا نحن الشيعة أن نقوم
بنشره. وإذا نشره غيرنا لما استطعنا الاعتماد عليه. في هذه القسم مسائل
كانت موضع إشكال ورد من قبل المتأخرين. فمثلاً عندما كان محمد بن أبي بكر
والياً على مصر من قبل الإمام علي (ع) كانت له رسائل إلى معاوية، لأن
معاوية كان يحاول إغواءه وصرفه عن مناصرة الإمام أو جذبه للتعاون معه. وفي
إحدى تلك الرسائل يجيب محمد بن أبي بكر على معاوية بجواب في غاية الشدة
والصلابة يرويه المسعودي في مروج الذهب، ولكن المسعودي متهم بالتشيع. كما
يرويه اليعقوبي وهو شيعي. حتى أن أحد المتأخرين من أهل السنة في عصر
العلامة المجلسي ـ ويبدو أنه من الحجاز ـ له كتاب في التاريخ باسم سمط
النجوم يذكر فيه هذه الرسالة ويضيف أنها من مخترعات المسعودي الشيعي. هذا
في الوقت الذي رواها البلاذري في أنساب الأشراف قبل مئة عام من المسعودي
(وقد أوردت هذه الملاحظة في تعليقات الكتاب في الموضع المناسب وفضح الله من
يُفتي قبل أن يدرس المسألة بكاملها ولا يدري ماذا قال أهل مذهبه). موضوعات
من هذا القبيل كثيرة جداً في كتاب البلاذري مما نحتاجه كثيراً، ولا سيما
إذا علمنا أنه مكتوب في نحو عام 250 للهجرة وأن وفاته سبقت الطبري بثلاثين
عاماً.
علوم الحديث: نرجو أن تعرفونا بالمزيد من تحقيقاتكم، فنحن
على ثقة من أن الملاحظات والنقاط الدقيقة التي تشيرون إليها ستكون مفيدة
للقراء.
الأستاذ المحمودي: أرجو ألا تكون التوضيحات مملة بهذا
الشكل.
من أعمالي الأخرى تحقيق مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع).
مؤلف هذا الكتاب هو محمد بن سليمان الكوفي وهو شيعي زيدي من العلماء الذين
سكنوا اليمن. وهذا الشخص كان قبل ابن عساكر بـ 200 سنة وهو معاصر للنسائي
وقد روى عنه حديثين. وعلى الرغم من النقص الذي يعانيه الكتاب وفي عدة مواضع
منه، إلا أنه يشتمل على 140 حديثاً وهو في الحقيقة تحفة ومثيله عند الشيعة
قليل جداً.
ومجمل محتويات مناقب محمد بن سليمان هي عن الإمام علي
(ع)، إلا أنه أورد مئة حديث حول الرسول الأكرم (ص) ومناقبه وفضائله في
بداية الكتاب أيضاً. مقدار من روايات المناقب يشترك فيها الإمام علي (ع)
والسيدة الزهراء (س) والحسنين (ع). وبعض الأحاديث عن الإمام السجاد (ع)
وحديث واحد عن الإمام الباقر (ع) (وهو حواره مع جابر).
كتاب آخر هو فرائد السمطين. هذا الكتاب للنيشابوري (من
علماء أهل السنة). وقد مر على عمر الكتاب سبعمئة سنة ولم يطبع قبلها أبداً.
ومؤلفه شخص مخلص، فعلى الرغم من أنه سني المذهب إلا أنه يحب الشيعة وفي كل
موضع يذكر فيه الشيعة يذكرهم بخير واحترام. فمثلاً عندما يأتي برواية عن
السيد ابن طاووس يسجل عدة أسطر للتعريف به ويقول إنه يفخر بعقده لعهد
الأخوة معه. كتابه يفيض بالإخلاص. وهو يروي 500 حديث كلها مسندة إلا القليل
منها جداً.
الكتاب الآخر هو تحقيق خصائص أمير المؤمنين (ع) المعروف
بخصائص النسائي. عندما كنت في بيروت لطبع المعيار والموازنة وكانت المطبعة
قد أخرت الكتاب وتخلفت عن الموعد بقيت بلا عمل عدة أيام ولم يكن بيدي تحقيق
أعمل عليه. أنا اعتقد أن البطالة خسارة عظيمة. ولذلك رتبت لنفسي تحقيقاً
بشكل من الأشكال خلال تلك الأيام المعدودة. فقلت لنفسي لمَ لم تحصل طبعة
محققة وجميلة لخصائص النسائي هذا؟
النسائي من مؤلفي الصحاح الستة وله مكانة كبيرة عند
الآخرين. ولكن كيف لم يُعنَ الموالون ولا غيرهم بكتابه هذا بالشكل المطلوب.
طبعاً الآخرون عذرهم واضح ومقبول، ولكن كيف لم يقم أي منا خلال 1100 سنة من
عمر هذا الكتاب بتحقيقه وتقديمه إلى العالم الإسلامي؟
عند ذلك خطر ببالي أنه ربما جرى مثل هذا التحقيق ولم أطلع
عليه. ولذلك أخذت بالبحث والتنقيب. فلم أجد طبعاً تحقيقاً لخصائص النسائي
فقمت أنا بتحقيقه ونشره، إلا أني أثناء البحث وجدت كتاباً لابن البطريق
شكّل أرضية لتحقيقين آخرين: الأول كتاب ابن البطريق نفسه (خصائص الوحي
المبين) في فضائل أمير المؤمنين (ع) من القرآن وهو كتاب قيّم للغاية قمت
بتحقيقه من نسخه وطبعته. ابن البطريق من علماء القرن الخامس والسادس وكتابه
قيّم جداً، إلا أنه للأسف غفل علماؤنا وطلابنا عنه وعن مؤلفه لمدة قرون
وإلى الآن.
والآخر هو ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين الذي بحثت
عنه مدة طويلة ولم أجده، ولكن أجزاء منه كانت موجودة في كتاب ابن البطريق.
عثوري على تلك الأجزاء سرّني كثيراً، لأنها كانت أجزاء من ضالتي. مؤلف ما
نزل من القرآن هو أبو نعيم الأصفهاني صاحب حلية الأولياء وهو من كبار
العلماء والمحدثين السنة. له مؤلفات كثيرة وهي في الغالب جيدة ولطيفة. إلا
أن كتابه هذا حول فضائل الإمام علي (ع) من القرآن قد ضاع. وقد سألت عنه
العلامة الأميني والشيخ أغا بزرج الطهراني فقالا لي إنه لم يُعثر على نسخة
منه حتى الآن. وابن البطريق أورد في خصائص الوحي المبين 80 حديثاً من كتاب
ما نزل من القرآن الكريم من ثلاثة طرق، ونحن أفردناها مع شواهد وبعض
التعليقات وطبعناها بصورة مستقلة تحت عنوان النور المشتعل.
علوم الحديث: ذكرتم كتاب "المعيار والموازنة" للإسكافي.
نرجو الإشارة إلى ذلك أيضاً.
الأستاذ المحمودي: نعم، الإسكافي من علماء أهل السنة وهو
معتزلي وكتابه حول أفضل شخص في الإسلام من بعد رسول الله (ص). وفي مقدمته
البسيطة حول الكتاب يبين معيار فضيلة الأفراد في الدين، وبعد أن يوضح ما هي
القيمة الحقيقية وما هي قيمة كل فرد، يأخذ من خلال هذا المعيار بتقويم
الشخصيات ـ ومنها أمير المؤمنين. وهذا الكتاب أسلوبه جميل وتبويبه ملفت
ونحن حققناه ونشرناه وسيترجم إلى لغات أخرى إن شاء الله.
علوم الحديث: أستاذ، هل تنصب جهودكم في الغالب على نصوص
ومجامع الحديث السنية؟
الأستاذ المحمودي: يلاحظ هذا الأمر في كتبي المنشورة[15]
ولذلك سبب واضح. قبل ثلاثين سنة راودتني فكرة كتابة سيرة للمعصومين (ع)
يقبلها المسلمون بشكل عام. بمعنى أنه لا تحتوي على روايات الشيعة فحسب أو
روايات السنة فحسب، بل روايات من الطرفين وموضوعات يقبلها الطرفان أيضاً.
ولكني عندما بدأت العمل في هذا المجال أدركت أن الكثير من الكتب التي يجب
أن تكون في متناول اليد وعدم توفرها ـ في الحالات التي نريد إثبات أمر ما ـ
يؤدي بنا إلى طريق مسدود، هي كتب غير محققه أو غير منشورة من الأساس. وهذا
ما اضطرني إلى تناول بعض كتب أهل السنة (ذات المحتوى المتين والأحاديث
المسندة). وكمثال على ذلك ذكرت لكم أنساب الأشراف للبلاذري حيث أن كل
محتوياته مسندة وهو جاءنا من القرن الثالث ومؤلفه رجل منصف يروي كل ما رُوي
له مسنداً ومن دون أي تستّر أو لهجة مغرضة.
لماذا لم تُحقق أمثال هذه الكتب إلى الآن ولم تخرج من
عالم النسيان والوحدة؟ لعل سبب ذلك هو أن فيها حقائق كثيرة يخلق إخراجها من
حالة النسيان مشكلة بالنسبة إليهم. كتب من هذا القبيل كثيرة في مكتبات أهل
السنة، لأن مكتباتهم لم تتعرض لما تعرضت له المكتبات الشيعية من الإغارة
والعدوان حيث أُحرقت مرات ومرات أو ذهبت تحت الأنقاض أو أتلفتها المياه.
كتب الشيعة عانت ذلك إلى ما قبل العهد الصفوي، إلا أن كتبهم غالباً ما ظلت
محفوظة، وترون كيف اهتموا ولا يزالون ـ من بعد تطور الطباعة ـ بإحياء
نصوصهم ومراجعهم الحديثية.
ولنذهب الآن إلى الشيعة... إيهٍ مما فعل الأحبّة. فهل كنا
نحن الشيعة بغنى عن كتب من هذا القبيل بحيث تركناها في زاوية النسيان؟ هل
كانت قدراتنا لا تسمح بإحيائها؟ برأيي لا هذا ولا ذاك وإنما هو تناسينا
لها. من بعد العهد الصفوي حيث اقتدر الشيعة وأصبحت سائر الطوائف والمذاهب
تحت ظلهم، لم ندرك أيضاً الحاجة إلى وجود هذه الكتب.
أنا كنت أرى أنه قبل نشر أي كتاب في "السيرة" أو "المقتل"
يجب نشر بعض هذه الكتب. فإذا كان في هذه الكتب رواية مسندة يوجد مثيلها في
كتبنا، اتضح أنها قضية ثابتة وقوية، لأن غير الشيعة يروونها أيضاً. وهذا من
شأنه التأثير بفاعلية في زيادة إيمان أفرادنا. فمن المهم أن نقوم بتحقيق
أمثال هذه الكتب ونجعلها في متناول عامة الناس. وأهل السنة أيضاً ـ
المنصفين منهم ـ عندما يرون هذه الكتب يأخذون بالتفكير ويجدون الطريق شيئاً
فشيئاً. لأجل ذلك أعتقد بضرورة استمرار تحقيق هذه الكتب.
علوم الحديث: تفضلتم يا أستاذ بالحديث عن سيرة ومقتل
المعصومين (ع)، فما هي تحقيقاتكم في هذا المجال وما الذي نشر منها؟
الأستاذ المحمودي: ذكرت لكم نيتي في العمل على تحقيق موسع
عن سيرة أهل البيت (ع) والأمر بيد الله. لا شيء من ذلك جاهز للطباعة. وما
أعمل عليه في الحال الحاضر هو سيرة المعصومين (ع) من بحار الأنوار بأجمعه.
سابقاًً حققت سيرة أمير المؤمنين من بحار الأنوار حيث نشرت في المجلدات
الثلاثة (32 و33 و34 من الطبعة الجديدة)، أي سيرة الإمام من مبايعته في
المدينة إلى أيام شهادته. طبعاً لا أعلم بالضبط لماذا لم يأت العلامة
المجلسي بشهادة الإمام في هذا الموضع وجاء بها في المجلد التاسع من الطبعة
القديمة. وعلى أي حال هذا من تحقيقاتي في مجامع الحديث الشيعية وسيرة
المعصومين.
أحد مؤلفاتي حول أمير المؤمنين (ع) هو كتاب أشعة السهيل
في شرح وصية كميل حيث يتناول موضوع الوصية الشهيرة لأمير المؤمنين (ع)
لكميل: "يا كميل إن هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها". هذه الوصية لها من
السند والمصادر بحيث أعتقد أنها متواترة عن كميل. وعند أهل السنة أيضاً
غالباً ما ينسب هذا الأمر إلى الإمام بشكل إرسال مسلّم به ـ من دون أي
ترديد.
أحد كتبي في المقتل هو عبرات المصطفين في مقتل الحسين
(ع). هذا الكتاب حول إقامة المآتم لأبي عبد الله الحسين (ع) حيث كان لبعضهم
كلام كثير حول ذلك، إلا أن هؤلاء أنفسهم تنبّهوا إلى إمكان إثبات وجود مأتم
للإمام الحسين (ع) حتى قبل ولادته من خلال كتبهم أيضاً.
قلت يوماً للعلامة الأميني ـ صاحب الغدير ـ أريد جمع كل
الأشعار التي قيلت في رثاء الإمام الحسين (ع) قرناً من بعد قرن. فقال عمل
جيد جداً وعليك بالذهاب إلى الحلة فهناك دواوين الشعراء كثيرة وستعينك على
هذا الهدف.
ومنذ بداية العمل اتضح لي أن الإشارة إلى إقامة مأتم
للإمام الحسين كثيرة جداً في كتب المحدثين والمؤرخين من أهل السنة، إلا أن
أكثرها لم يطبع، ولعل السبب في عدم طبعها هو كي لا تقع هذه الموضوعات بيد
أحد. بعض هذه الكتب طبعت بعد ذلك وبعضها الآخر قمت أنا بطبعها.
في هذا الكتاب، جئت بروايات كثيرة تقول إنه منذ أن حملت
السيدة الزهراء (س) بالإمام الحسين (ع) أخبر الرسول الأكرم (ص) بشهادته
وبكى عليه أيضاً، وأخبر بذلك في يوم ولادته وبكى، كما أخبر بذلك مرات طيلة
حياته وبكى عليه. هذه الروايات يرويها أهل السنة وبأسانيد مختلفة.
من بعد إخبار الرسول وعزائه، جئت بروايات عن أمير
المؤمنين (ع) والإمام الحسن (ع). من بعدها جئت بإخبار الإمام الحسين نفسه
عن شهادته وبكاء الإمام السجاد (ع) ... وهكذا إلى الإمام الصادق (ع) ـ وإلى
هنا من كتبهم في الغالب ـ وإلى الإمام العسكري (ع). وبعد الأحاديث تناولت
المقتل نفسه وجعلت قصائد الشعراء الشيعة في رثاء سيد الشهداء في القسم
الأخير من الكتاب (وبترتيب تاريخي للأشعار). وبعد الانتهاء من الكتاب لاحظت
أنه ليس مقتلاً فحسب، بل لعلّه كتاب تاريخ أو سيرة.
علوم الحديث: وهل كنت في هذا الكتاب معنياً بإزاحة
الخرافات عن الصورة الحقيقية لحادثة كربلاء أو أشرت إلى ذلك؟
الأستاذ المحمودي: نعم، في كل الكتاب تقريباًً. فأنا منذ
دخولي إلى النجف الأشرف كنت أسمع من الخطباء أموراً كان تقبّلها بالنسبة
إلي صعباًًًًً. فكان ذلك الشرارة التي انقدحت في نفسي للتحقيق في صحة أو
سقم هذه الموضوعات.
فبدأت بتسجيل الملاحظات وأذكر أنه من حينها استنسخت
المقتل من تاريخ الطبري. (فعلت ذلك لسببين: الأول وجود سند لمعلومات
الطبري، والثاني حسن ترتيب مؤلفاته). وباختصار كل ما رأيت من الموضوعات
المناسبة والمفيدة والحساسة خلال نحو من أربعين سنة حققت في سندها ومصدرها
وسجلت ذلك إلى أن نشرت حصيلة هذا العمل الطويل قبل خمس سنوات.
علوم الحديث: أشرتم إلى السند والموضوعات الحساسة التي
رأيتم ضرورة التحقق من سندها. ما هو رأيكم بواجب الدعاة والمبلغين في هذا
المجال؟
الأستاذ المحمودي: هناك واجبان بنظري: الأول التحقق من
أسناد وصحة المعلومات التي يطرحون، فإذا لم يتيقنوا من صحة موضوع ما لا
يقولوه. ليدققوا في عدم نقل الروايات التي لدينا دليل قاطع على عدم صحتها
(مثلاً الرواية التي تقول: الخاتم الذي تصدق به أمير المؤمنين في الركوع
تعادل قيمته خراج الشامات). لا يرووا عن كل ما اتفق من المؤلفين والرواة.
فبين المبلغين والرواة كذابون ومتملقون وغلاة كانوا ولا يزالون. لذلك أفتى
بعضهم كالمرحوم آية الله السيد محمود الشاهرودي (وغيره) بأن من يقوم في شهر
رمضان بالخطابة والدعوة والتبليغ إذا لم يتوصل بنفسه إلى صحة الموضوع
فليخرجه من عهدته ويقول فلان ـ من المتخصصين ـ قال هكذا وأنا لا أدري. حتى
لو قال مثلاً قال المرحوم الحاج الشيخ عباس وتصور السامعون أن القائل يقبل
بذلك فهو موضع إشكال.
وفي حال نقل الرواية من أمثال إرشاد المفيد، كشف الغمة،
مناقب ابن شهراشوب وبحار الأنوار، إذا كان الفرد ممن يعرف السند فعمله أسهل
وإذا لم يكن عارفاً فلا كلام لنا، فإذا ورد حديث بطرق متعددة وأسانيد
ومصادر متعددة فكيف يمكن الاعتماد عليه؟ من هنا لا بد من التحقق من السند.
ولو درسنا السند ولم نجد للحديث سوى طريق واحد فمن الصعب أن نؤكد أن
المعصوم (ع) قال كذا. وعلى هذا لا بد من الاحتياط.
الواجب الثاني هو أن تكون أعمالنا وأساليبنا في إقامة
المآتم صحيحة على العموم. الفاعلية والنشاط الملاحظ لدى الناس (ولا سيما
الشباب) في أيام المآتم والعزاء ينبغي أن توجّه توجيهاً سليماً. فلا بد من
أن تكون كل أقوالنا وأفعالنا طبقاً للموازين الدينية والعلمية والعقلانية
الصحيحة. هذا التمثيل للحادثة (التشابيه)، تزيي الرجل بلباس المرأة، ضرب
القامات وغيرها فيه إشكال. أنا شخصياً حرمتها في منطقتنا. عند إقامة المآتم
لأفضل خلق الله، هذه الأفعال تبعث على الخجل والاستهانة والاستهزاء. عند
إقامة المآتم لأفضل خلق الله، إذا لم يبكِ المرء ولم يحمل روح المُعزي، فلا
أقل من أن يبدو على محيّاه الحزن. كما يجب على شبابنا أن يقلدوا من هو ناضج
وواضح وصحيح العلم والعمل، فأحدهما من دون الآخر لا قيمة له.
علوم الحديث: في بداية حديثنا معكم تفضلتم أن تناسي أغلب
أهل العلم لمتابعة أصول المعارف الإسلامية وتعمقهم في الفروع هو مدعاة
للاستغراب عندكم. فتفضلوا ببيان ما هو موقع "السنة" و"الحديث" في تبيين
معارف الدين؟ وما هو موقع القرآن؟
الأستاذ المحمودي: يجب أخذ معارف الدين من القرآن الكريم
والسنة المقطوع بصدورها من المعصومين (ع). وكل من يتخذ طريقاً غير هذا فليس
له حظ من المعارف. تفسير القرآن الكريم أيضاً يجب أخذه من السنة المقطوع
بصدورها، وإلا فسوف نتلكأ في كثير من محكمات القرآن، بل وسنتصور المحكم
متشابهاً.
علوم الحديث: هل هناك اختلاف بين نظرة الشيعة والسنة إلى
الحديث؟
الأستاذ المحمودي: نعم هناك اختلاف كبير بين النظرتين وهو
يعود في الأساس إلى أخذ الشيعة عن أهل البيت (ع) وعدم اهتمام أهل السنة
بهذا المنبع الفياض من العلوم والمعارف (بل وأخذهم عن الجهلة واعتمادهم على
من يخالف أهل البيت ويكتم ويتنكر لفضلهم).
علوم الحديث: ما هو دليل حجية سنة النبي (ص) والأئمة (ع)؟
الأستاذ المحمودي: رسالة النبي وولاية أهل البيت (ع) تثبت
بالقرآن الكريم ومن ثم بالنصوص عن النبي وفي المرحلة اللاحقة بالمعجزات
والخوارق.
علوم الحديث: ماذا تقترحون يا أستاذ في تطوير موقع الحديث
في حوزتنا ومجتمعنا؟ ما هي الأعمال التي ترون أنها ضرورية على صعيد الحديث؟
الأستاذ المحمودي: الحقيقة هي أن بين واقعنا الحاضر
والموقع الحقيقي للحديث بوناً شاسعاً (وعسى أن يكون قريباًًً). وأما ما
اقترحه للتوصل إلى وضع أفضل فهو: أولاً العمل على إثبات صدور الأحاديث،
وثانياً العمل بجدية على تحقيق النصوص الحديثية، وثالثاً القيام بتحقيق
شامل عن العلاقة بين مدلول النصوص ومدلول محكمات القرآن.
ينبغي القول إن أهم عمل (على صعيد الحديث) هو إعمال قضية
التعادل والتراجيح كما هو موجود في علم أصول الفقه.
علوم الحديث: ما هي خصوصية الصحاح الستة لأهل السنة
والكتب الأربعة للشيعة؟ ما هي ميزة الكتب الأربعة عن سائر مجاميع الحديث
الشيعية؟
الأستاذ المحمودي: برأيي الفارق الأساس بين هذه المجموعات
وسائر كتب الحديث لدى الفريقين هو أمران: الأول هو قصر أسانيد هذه الكتب،
والثاني صحة أسانيد أكثر أحاديثها (طبعاً بحسب ما يعتقده أصحابها)، وإلا
فإنه لا فرق بينها وبين سائر كتب الحديث لدى الفريقين.
وفيما يتعلق بالكتب الأربعة للشيعة، يجب القول إنها تمتاز
بثلاثة أمور مؤكدة: الأول وثاقة أكثر أسانيدها، والثاني هو أن أحاديث هذه
الكتب معمول بها، والثالث ـ كما ذكرت ـ قصر أسانيدها.
علوم الحديث: ما هي ـ برأيكم ـ العوامل التي دعت إلى منع
كتابة الحديث من قبل الخلفاء والذي يعد من الأحداث التاريخية المهمة في صدر
الإسلام؟
الأستاذ المحمودي: أنا أعتقد أن هذا العمل تم بهدف حرمان
أهل البيت (ع) من حقوقهم وتثبيت حكم الظلمة والجهلة على المجتمع الإسلامي.
علوم الحديث: من بعد الصدر الإسلامي الأول، ومع وجود هذا
المنع وهذه المعوقات، من الذي حمل راية الشيعة وعلوم أهل البيت (ع) في
العالم؟
الأستاذ المحمودي: لواء الحديث عند الشيعة حمله من القرن
الرابع فما بعد ثقة الإسلام الكليني، ابن قولويه، الشيخ المفيد، الصدوقان،
الشيخ الطوسي، الفيض الكاشاني، المجلسي الأول، المجلسي الثاني وأقرانهم.
علوم الحديث: على أي حال، ما هي المراحل التي مر بها
الحديث عند الشيعة والسنة؟
الأستاذ المحمودي: برأيي لم يمر إلا بمرحلة الجمع
والتبويب فقط.
علوم الحديث: ما هي أبرز الأعمال الشيعية والسنية (في
مجال الحديث)؟
الأستاذ المحمودي: قام أهل السنة بجهود كبيرة على صعيد
رواة الحديث وأسناده. وفي الآونة الأخيرة قدموا مجموعات موضوعية جيدة (من
قبيل جمع الأحاديث المتعلقة بأهل البيت ـ ع ـ وإن كانوا في الغالب يخفون
أكثر الأحاديث المتعلقة بأهل البيت). وأما الشيعة فلم يعملوا على رواتهم
بالشكل المطلوب. كما نعلم أن معظم المجاميع الحديثية الشيعية التي جمعها
قدماء الرواة راحت من أيديهم شيئاً فشيئاً وتلفت.
علوم الحديث: ما هي دوافع وضع الأحاديث، وهل أعطى الشارع
طريقاًً معيناً لتقويم الرواية؟ ما هو سبيل العقلاء في ذلك؟
الأستاذ المحمودي: من أسباب وضع الحديث بغض أهل الحق وحب
أهل الباطل. ومن عوامله الأخرى هو اتخاذه من قبل الوضّاع وسيلة لبلوغ
الدنيا والمال والمقام والمآرب المادية الأخرى. الجهل أيضاً ينبغي عده من
عوامل ظهور الوضع في الحديث.
وأما ما قدمه الشارع في هذا المجال، فلا بد من القول إن
طرق تقويم الحديث قد وردتنا من المعصومين (ع)، وأبرزها موافقتها للقرآن
وعدم مخالفتها للسنة المقطوع بصدورها.
العقلاء المتدينون من الشيعة يرون أن متانة مضمون الحديث
وموافقته للقرآن والعقل هو معيار قيمته، والعقلاء من أهل السنة يرون في
موافقة الحديث لرأي عمر وأقرانه معياراً لصحته وقيمته.
علوم الحديث: وعلى هذا، هل ترون لعلم الرجال دوراً
أساسياً في تقويم أسناد الحديث؟ وهل تعتقدون أن الطرق المعمول بها في دراسة
أسناد ونصوص الأحاديث هي طرق متكاملة؟
الأستاذ المحمودي: في المواضع التي لا يكون فيها الحديث
متواتراً وليس له شواهد قطعية، فلا شك من أن "علم الرجال" يكون له دور بارز
في تقويم الحديث، إلا أن وثاقة السند لا تكفي وحدها، بل لا بد من موافقة
الحديث للقرآن والعقل لكي تتكامل طريقتنا.
علوم الحديث: ما هي معوقات الأخذ بالسنة في المرحلة
الحاضرة؟ وهل تؤثر معرفتنا لأحاديث العامة في الإدراك الصحيح لأحاديث
الشيعة؟
الأستاذ المحمودي: أبرز المشكلات على هذا الطريق هي
اثنتان: الأولى ضرورة الاطلاع الكامل على الأحاديث الواردة عن المعصومين
(ع)، والثانية ضرورة ملاحظة تاريخ صدور الحديث من المعصوم (ع). فيما يخص
الجزء الثاني من السؤال لا بد من القول أيضاً: نعم، في كثير من روايات أهل
السنة، توجد شواهد قطعية لكثير من روايات الشيعة ـ ولا سيما حول أهل البيت.
علوم الحديث: ذكرتم مسألة "ملاحظة تاريخ صدور الحديث من
المعصوم"، فهل لكم أن تبينوا بإجمال الفائدة المترتبة على ذلك؟
الأستاذ المحمودي: نعم، معرفة تاريخ عصر الرسول (ص)
والأئمة (ع) له دخل في "فقه الحديث"، فأحياناً يرد حديث مع قرائن قطعية
يتضح معناه من خلال ملاحظة زمن الصدور والقرائن التي كانت حين الصدور. في
حين يصعب فهم معنى هذا الحديث نفسه من دون تلك القرائن.
علوم الحديث: أستاذ، هل تعتقدون أن تفحص الفقهاء في كتب
الحديث المعروفة يعتبر أساساً سليماً للاجتهاد والاستنباط الصحيح؟
الأستاذ المحمودي: طبعاً لا شك في أن المبادئ الأصولية
والفقهية الموجودة كافية في استنباط الأحكام الفرعية من الأدلة، إلا أنه كل
من يكون فحصه أكثر سيكون شمّه الفقهي أقوى واستنباطه أفضل وأقرب إلى
الواقع.
علوم الحديث: كيف تقوّمون دور الحديث في قضايا العقيدة
(ولا سيما عند تعارض الحديث مع الاستنباط العقلي)؟ وكذلك موافقة أو مخالفته
الحديث للقرآن؟
الأستاذ المحمودي: في قضايا العقيدة، للقرآن والحديث دور
مهم وجوهري، ويمكن للحديث الصحيح أن يكون المحور هنا. ولكن الأحاديث
المخالفة للمستقلات العقلية نادرة. موافقة الحديث للقرآن هي موافقته
لمحكمات القرآن، ومخالفة الحديث للقرآن هي مخالفته لمحكمات القرآن. كل حديث
يمس تأثير الباري تعالى أو يدل على ظلمه أو جهله فهو مخالف للقرآن.
علوم الحديث: هل لديكم من رؤى أو توصيات بالنسبة إلى
ترجمة كتب الحديث ومن يقوم بترجمتها؟
الأستاذ المحمودي: هذا الموضوع بحد ذاته يحتاج إلى تحقيق
موسع. إلا أني أقول باختصار إن الزلل الرئيس الذي يقع فيه مترجمو الحديث هو
عدم المعرفة الكاملة بإحدى اللغتين أو بكليهما. ونتيجة ذلك واضحة، عدم وفاء
عبارات الترجمة بالنص المترجَم. الترجمة الدقيقة للحديث تستدعي الفهم
الدقيق لمعنى الحديث. أضف إلى ذلك، لا يمكن الإتيان بألفاظ واضحة موجزة
وقوية في ترجمة الحديث من دون قدرة كافية على اللغة المترجم إليها وأدبها.
وفي نشر أحاديث الشيعة وترجمتها للمذاهب والأديان الأخرى
ينبغي ملاحظة: أولاً وضوح الترجمة ودقتها، وثانياً ذكر الشواهد العقلية
والنقلية للحديث وعدم الإتيان به مبتوراً عن ذلك. وبرأيي كتب من قبيل: كشف
الغمة، إرشاد الشيخ المفيد، سيرة المعصومين من بحار الأنوار وأعيان الشيعة
هي كتب مناسبة للترجمة. طبعاً قلما أرجع أنا شخصياً إلى الترجمة، إلا أني
ارتضي أسلوب المرحوم فيض الإسلام (في ترجمة نهج البلاغة).
علوم الحديث: ما هي الترجمة المناسبة في الحديث برأيكم:
الترجمة الحرة، ترجمة كلمة بكلمة، ترجمة المضمون...؟
الأستاذ المحمودي: يبدو لي أن ترجمة كلمة بكلمة إذا أدت
المعنى بكامله فهي أفضل، وإلا فالأفضل للمترجم أن يعكس المعنى المحّصل من
الحديث بكلمات حرة واضحة.
علوم الحديث: هل تعتقدون بوجود فارق بين ترجمة القرآن
وترجمة الحديث من حيث الأسلوب والأرضيات وما إلى ذلك؟
الأستاذ المحمودي: طبعاً لا بد في ترجمة الحديث وكذلك
القرآن الكريم من أن يدرك المترجم المعنى بشكل صحيح ويفهمه ثم يقوم
بترجمته. ولكني أتصور من البعيد لمترجم أن يخرج من عهدة ترجمة القرآن
لاشتماله (في أغلب محتوياته) على مزايا خاصة باللغة العربية، وهذا خلافاً
للمجموعات الحديثية التي يمكن ترجمة (أكثر محتوياتها).
علوم الحديث: هل توجد معلومات في تاريخ الحديث عن أول
مصحح أو محقق لنصوص الحديث؟
الأستاذ المحمودي: ليس ببالي الآن شيء يستأهل هذا المقام
وعلى هذا الصعيد سوى الخدمات الجليلة للمرحوم المجلسي والمرحوم الفيض
الكاشاني في حديث الشيعة.
علوم الحديث: باعتباركم محققاً خبيراً ومصححاً متمرساً في
نصوص الحديث، إلى أي مدى ترون ضرورة تحقيق وتصحيح هذه النصوص؟
الأستاذ المحمودي: هذه الجهود لها من الأهمية والضرورة ما
يساوي إدراك "واقع" النصوص. كما أن الخطأ فيها يساوي فقدان "واقعها" من حيث
الضرر. كتب الحديث الشيعية بشكل عام مليئة بأخطاء لا تحصى، حتى من حيث
الكتابة والإملاء، وإلى حد علمي، ما عدا نهج البلاغة والصحيفة السجادية
وبعض كتب الدعاء والحديث الأخرى، سائر مجموعاتنا الحديثية باقية على حالها
من دون تصحيح. وباعتقادي تصحيح أي نص يحمل من الضرورة بقدر ضرورة وحاجة ذلك
النص نفسه، وكلما كانت حاجتنا إلى النص أكثر كانت ضرورة تصحيحه أكثر.
علوم الحديث: ما هي مُعدّات تحقيق النصوص الحديثية وتصحيح
كتب الحديث؟ جوابكم يفتح الآفاق أمام المحققين الشباب.
الأستاذ المحمودي: معدات تصحيح ألفاظ الحديث هي علوم
الصرف والنحو واللغة (الأدب). ولكن معدات تصحيح المعاني هي الإحاطة بمراد
الله تعالى وأوليائه من الألفاظ التي ينشئونها للناس.
أضيف هنا نقطة وهي أن فهم معنى حديث ما لا يمكن أن يكون
دقيقاً وتاماً من دون فهم كتاب الله والأحاديث الأخرى. ولذلك كلما كانت
إحاطة الفرد بمعارف الدين أكثر كان فهمه للحديث أكثر أصالةً. الشهيد
المطهري نموذج جيد لذلك بين الماضين والمعاصرين، إذ لم أرَ أنا أفضل منه
ذوقاً. وللأسف أني لم ألتقِ به ولكن ما قرأته من كتبه وسمعته من أشرطته
يحكي عن هذا الأمر. فمعلوماته عن القرآن الكريم والروايات جيدة جداً. طبعاً
لا أحد منا يتصف بالعصمة ولكن فهمه واستنتاجاته جيدة جداً. فهو بمفاهيمه
الصحيحة من الأحاديث يفك العقد ويجيب عن الشبهات. الشهيد المطهري رائد ولا
سيما في مفاهيم القرآن والحديث وقدرته في إحاطته. لعن الله مجموعة الفرقان
التي سلبتنا هذه النعمة، ورفع الله مقامه.
علوم الحديث: أستاذ، ما هو أسلوبكم في تحقيق النصوص؟
الأستاذ المحمودي: تعلمون أن إمكاناتي محدودة وأفضل ما
أملك هو ولهي بأهل البيت (ع)، ولأن الله تعالي وهبني هذه النعمة فإني أُلقي
نفسي في مخاطر البحر. ليس لدي في العادة سوى نسخة واحدة وهي التي أعمل
عليها. طبعاً إذا كان لي نسخ متعددة فخير على خير وأقوم باستخدامها أيضاً.
في خصوص الأخذ من النسخة أراعي الأصول المستخدمة في ذلك. فمثلاً أُورد
المقدار الذي أعلم أنه مؤكَّد وصحيح، وفي الموضع الذي أشك فيه أذكر في
الهامش أنه جاء في النسخة الأصلية بهذا الشكل ولكني لا أعلم أنه صحيح أو
لا. الشواهد الخارجية أيضاً آتي بها في المكان المناسب في الهامش، طبعاً
إذا كنت أعتقد بصحة محتوى النص. وأما إذا كان موهوماً فآتي بمزيد من
الشواهد (على عدم صحته) في الهامش. توحيد طريقة الكتابة والإملاء وعلامات
الترقيم وما إلى ذلك لها حصتها في العمل أيضاً. وتلاحظون أن عملي متعب
بالنسبة إلى عامة الناس.
علوم الحديث: نلاحظ أحياناً أن تعليقكم على النص أكثر من
الأصل نفسه...
الأستاذ المحمودي: المهم هو عندما يريد شخص إثبات شيء ما
ينبغي أن يكون هو نفسه على إيمان ويقين بما يقول ثم يأتي بشواهد وأدلة
متعددة على صحته مقالته. نحن نأتي بما لدينا من شواهد، فإذا كان لأحد إشكال
فسوف تقنعه تلك الأدلة والشواهد، وإذا لم يقتنع وعاند فنعلم أنه لم يكن على
شيء من أول خلقته. فعندما تُقدّّم الحجة الكافية لشخص ومع ذلك يبقى مُعرضاً
ومتردداً أو أنه يأخذ بابتكار الآراء على خلاف تلك الحجة، فمن الواضح وجود
آفة في عقله أو في دينه.
علوم الحديث: إذا أمكن في آخر حديثنا هذا أن تعرفوا
المحققين من الشباب ببعض ميادين العمل الجديدة والنصوص القديمة المناسبة
للتحقيق.
الأستاذ المحمودي: تقول الآية الشريفة: "والذين جاهدوا
فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين". في بداية طلبي العلم كنت
أتصور أن السابقين قد قاموا بكل ما يجب ولم يتركوا للمتأخرين مجالاً للعمل
وليس لنا نحن سوى أن نقرأ مؤلفاتهم ونفهمها. إلا أنه بشيء من البحث والعمل
اليسير علمت أني كنت على خطأ وأن هناك مجالاً واسعاً من العمل لنا ولمن
سيأتي بعدنا. حقيقة الأمر هي ما جاء في تلك الآية الشريفة.
وفي مجال الحديث، ينبغي البحث والعمل على تحقيق كتب
"الثقفي" ـ مؤلف الغارات ـ وبعض الكتب المفقودة للكليني والصدوق الثاني
وابن قولويه والشيخ المفيد والسيد ابن طاووس والكتب المفقودة للقدماء بشكل
عام. هذا وإنْ كان ـ كما يقال ـ فصل الربيع لا يحلّ بزهرة واحدة، إلا أنه
ما لا يدرك كله لا يترك كله.
نحن يجب أن نعمل تبعاً لما تمليه علينا مُثلنا وأداء ما
يجب علينا وخدمة مجتمعنا. لا جدوى من تكرار الموضوعات التي قام بها
السابقون. فمثلاً من بعد كتاب الصلاة والطهارة للحاج أقا رضا لا يرغب المرء
في قراءة كتاب آخر (بذلك القلم السلس والعلمية والشمول). وبالتالي، كل ما
يمكن لغيره من الكتب هو تناول مسائل تفصيلية. علماؤنا السابقون وإلى عصر
السيد ابن طاووس لم يكونوا يكرّسون أوقاتهم لعلم واحد أو علمين فحسب. فهم
كانوا يُلمّون بالعديد من علوم زمانهم بحسب ما كانت تقتضيه الظروف: علوم
اللغة، الفقه، الأصول، الكلام، الفلسفة، الرياضيات، الفلك، التاريخ،
الرواية، الأخلاقيات، الطب وغيرها، إلا أنه في القرون الأخيرة تخلّى
علماؤنا عن مقتضيات زمانهم واكتفوا بالفقه والأصول إلى الحد الذي أصبح
لدينا مقدار من الكتب في هذين العلمين لا يدري الطالب كيف يقرأه. فمثلاً مع
وجود كتاب الجواهر من يهتم بالكتب التي قبله؟
لا بد من الخروج من هذا الوضع. مسائل المجتمع لا تحل
بالفقه والأصول فحسب. طبعاً نحن بحاجة في كل عصر إلى الفقه والأصول وإلى
الفقيه والأصولي، إلا أنه لا يحق لنا الاقتصار على هذا القدر من العلوم
الدينية. قضايا الأخلاق في الإسلام من الأسس المهمة جداً، سواء في تربية
وتحسين أوضاع المسلمين أو في هداية وتوجيه الآخرين. يمكنني أن أُقسم أن
أئمتنا دعوا الناس وهدوهم بالأخلاق والصفات الحسنة أكثر مما ظهر على أيديهم
من المعاجز والكرامات. كان مشركو مكة يرون المعجزات والكرامات ولكنهم كانوا
يقولون سحر مبين، ولكنهم عندما كانوا يرون أخلاق الرسول وصفاته لا يقوون
على الكلام، فإما يؤمنون وإما يعاندون.
أفلا ينبغي لنا أن نهتم ونعمل على تحقيق سيرة وأخلاق
الرسول الأكرم (ص) وأهل بيته (ع)؟ ميادين عملنا في العلوم الدينية هي
مقتضيات عصرنا نفسها.
علوم الحديث: نشكركم جزيل الشكر على إتاحة هذه الفرصة
للتحدث معكم، ونعتذر إليكم لطول الحديث.
الأستاذ المحمودي: وأنتم تفضلتم بالمجيء، وأنا أيضاً
أشكركم وجميع العاملين في مجلة علوم الحديث.
ملحق الحديث
أ ـ فهرس الأعمال (المؤلفة والمحققة) الصادرة لآية اللّه
محمد باقر المحمودي:
1ـ نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، محمد باقر
المحمودي، 8+4 ج، بيروت.
2ـ ترجمه الإمام علي بن أبي طالب (ع) من تاريخ دمشق، ابن
عساكر (571هـ)، 3ج، بيروت.
3ـ ترجمة الإمام الحسن (ع) من تاريخ دمشق، ابن
عساكر(571هـ)، 1ج، بيروت.
4ـ فرائد السمطين، الجويني (730هـ)، 2ج، بيروت.
5 ـ خصائص الإمام أمير المؤمنين، النسائي (303هـ)، 1ج،
بيروت.
6ـ أسمى المناقب في مناقب أمير المؤمنين (ع)، الشيخ
المقري (733هـ)، 1ج، بيروت.
7ـ المعيار والموازنة في فضائل أمير المؤمنين (ع)،
الإسكافي (240هـ)، 1ج، بيروت.
8 ـ الردّ على المتعصّب العنيد، ابن الجوزي (597هـ)، 1ج،
بيروت.
9ـ زين الفتى في تفسير سورة "هل أتى"، العاصمي (القرن الرّابع للهجرة)،
2ج، بيروت.
10ـ ترجمة الإمام الحسين (ع) من تاريخ دمشق، ابن عساكر
(571هـ)، 1ج، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.*
11ـ عبرات المصطفين في مقتل الحسين (ع)، محمّد باقر
المحمودي، 2ج، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.
12ـ زفرات الثقلين في مآتم الحسين (ع)، محمد باقر
المحمودي، 2+4 ج، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.
13ـ أنساب الأشراف (المجلّد الثاني ـ المجلّد الثالث)،
البلاذُري، 2ج، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.
14ـ مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع)، محمد بن سليمان
الكوفي (القرن الثالث للهجرة)، 3ج، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.
15 ـ فرض المحبّة في تفسير آية المودّة، الخفاجي
(1069هـ)، 1ج، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.
16 ـ جواهر المطالب، الباعوني (871هـ)، 2ج، مجمع إحياء
الثقافة الإسلامية.
17ـ ديوان شيخ الأباطح أبي طالب، المهزمي (257هـ)، 1ج،
وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
18ـ ترجمة الإمام السجّاد والإمام الباقر (ع) من تاريخ
دمشق، ابن عساكر (571هـ)، 1ج، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
19 ـ بحار الأنوار (ج32 و33 و34)، المجلسي (1111هـ)، 3ج،
وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
20 ـ شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني (القرن الخامس للهجرة)، 3ج، وزارة
الثقافة والإرشاد الإسلامي.
21ـ النور المشتعل، أبو نعيم الإصفهاني (430هـ)، 1ج،
وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
22 ـ كتاب الأربعين عن الأربعين، الخزاعي (القرن الخامس للهجرة)، 1ج،
وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
23 ـ كتاب مقتل الإمام أمير المؤمنين (ع)، ابن أبي الدنيا
(281هـ)، 1ج، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.
ب) من أعماله الأخرى:
1ـ السير الى الله.
2 ـ أسانيد نهج البلاغة وشواهده.
3ـ أشعة السهيل في شرح وصيّة كميل.
4 ـ تحقيق "جواهر العقدين" للسمهودي (م911هـ).
5ـ سيرة الأئمة من بحار الأنوار.
1 . للأسف لم نتمكن من عرض الحديث على الأستاذ قبل سفره،
ولأجله نعتذر هاهنا (محرر النص).
2 . المرحوم الشيخ حسين الرفيعي والمرحوم الشيخ رئيس أحمد
رستكار (اللذان رغباني في طلب العلوم الدينية).
3 . لم تكن السفن على هذا الطريق للركاب آنذاك وكان الناس
يسافرون بسفن الحمل هذه نفسها.
4 . بداية ربيع الأول 1364هـ (1945م).
5 . ذلك الرجل الكريم هو المرحوم السيد أبو الحسن راغب ـ
من أهل محافظة فارس.
6 . إلى حد علمي أنه درّس من مرحلة المقدمات إلى آخر
مرحلة السطح مدة ستين عاماً.
7 . يقول الأستاذ الشهيد المطهري حول هذا الكتاب: لحسن
الحظ حاول أفراد آخرون في العصور المتأخرة جمع أسناد نهج البلاغة، ولعل
أوسعها وأشملها كتاب باسم: "نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة"، حيث يعمل
عليه في الوقت الحاضر أحد الفضلاء المتتبعين من الشيعة المقيمين في العراق
باسم محمد باقر المحمودي... (كتاب "سيري در نهج البلاغه" ـ في رحاب نهج
البلاغة ـ ص 6) (محرر النص).
8 . المجلدات الأربعة الأخيرة قيد النشر وستُنشر المجلدات
الاثنا عشر جميعاً بطبعة جديدة قريباً إن شاء الله.
9 . كتاب تحت عنوان "أسانيد نهج البلاغة وشواهده".
10 . المجلدان السابع والثامن من نهج السعادة يشتملان على
"باب الوصايا" الذي تركز عملي عليه، ولذلك نشرتهما قبل غيرهما وكانا أول
كتاب يطبع لي: 1385هـ/1965م.
11 . طبقاً لرواية المسعودي وغيره.
12 . في هذا الخصوص طالعوا أقوال السيّد المرتضى و
اليعقوبي وابن الجوزي وغيرهم في مقدمة المجلد الأول من نهج السعادة (ص12
و13). (محرر النص)
13 . يروي عن شخص اسمه محمد بن ماهيار كان له كتاب حول
الآيات النازلة في حق أهل البيت (ع) في ألف ورقة، ولو أن كتابه كان موجوداً
لكان أكمل من شواهد التنزيل، إلا أنه لم يبق من هذا الكتاب سوى اسمه ولكننا
نعلم أنه كان موجوداً إلى القرن السابع.
14 . يبدو أن مجموعة من المحققين في دمشق وبيروت تقوم
بأخذ نسخ متعددة من تاريخ دمشق وتعمل على تحقيقه والتعليق عليه. (محرر
النص).
15 . قائمة كتب الأستاذ ستأتي في ملحق هذا الحديث
(المحرر).
*
مجمع إحياء الثقافة الإسلامية (مجمع احياى فرهنگ
اسلامى) مؤسسة ثقافية تحقيقية يُعتبر الأستاد المحمودي أحد مؤسسيها: (قم،
صندوق بريد 3677، مجمع احياى فرهنگ اسلامى، هاتف: 7730981).
|