تاريخ النشر: 03/03/38
رقم الخبر 54946

قدوم الإمام الرضا إلى ايران وتوسع جغرافيا الشيعة

قدوم الإمام الرضا إلى ايران وتوسع جغرافيا الشيعة

أحدث قدوم الإمام الرضا (ع) إلى إيران على وجه العموم وخراسان خاصة تغيرات أساسية حيث مهد الطريق لانتشار تعاليم اهل البيت عليهم السلام خلال بقائه سنتين في اقلیم خراسان.

كما يتضح لنا من خلال المصادر فإن خراسان كانت المركز الثاني للتشيع بعد الكوفة وقم وتعود أهمية هذه المناطق الحدودية إلى أنها كانت المأمن لدعاة الشيعة الذين كانوا يفرون من أيادي السلطات ومطاردة البلاط الحاكم وبالنظر إلى التصاعد المضطرد لأعداد الدعاة المهاجرين في هذه المناطق فإن تأثر المسلمين غير العرب بهم كان لافتا ذلك لأن العرب في القضايا السياسية والمذهبية تأثروا من القادة المهيمنة في الخلافة وبتبع ذلك كان الأعاجم أيضا يتأثرون بهؤلاء العرب المهاجرين .

 وكمثال لتلك الهجرات التي كان يقوم بها الشيعة يمكننا الإشارة إلى القبائل اليمنية القاطنة في خراسان وبجانب ذلك هجرة خمسين ألفا من أهالي الكوفة والبصرة برفقة عوائلهم حيث كان لكل ذلك الأثر البالغ على تحول الكثير من اهالي خراسان الى المذهب الشيعي على يد هؤلاء المهاجرين العرب .

كتمهيد وانطلاقة أولى فإن التيار الشيعي كان يذود عن أهل البيت (ع) ويتعارض فكريا ودينيا مع نهج الأمويين الذين كانوا يحقرون الأعاجم والإيرانيين بالذات فكان لذلك أن غطت مساحة التشيع على جغرافية إيران وأدى إلى انتشاره بين مختلف شرائح الناس إذ كانوا مستائين من الأمويين والوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المأزوم آنذاك .

رغم أن هناك عوامل كثيرة تداخلت عضويا في التغييرات الاجتماعية والإيديولوجية في هذه المناطق إلا أن دخول الإمام الرضا (ع) بشكل عام في إيران وعلى وجه التحديد في خراسان أحدث تغييرات هائلة في النظام الفكري والعقائدي الإيراني حيث أننا إذا ما لفتنا إلى هجرة الإمام الرضا (ع) تزامنا مع التهديدات التي كانت تكتنف الخليفة العباسي المأمون ومعاركه الضارية من أجل تقاسم السلطة مع أخيه الأمين كان الإمام مضطرا أن يهاجر إلى مرو .

ومن جانب آخر فإن الكثير من المصادر تشير إلى أن الإمام الرضا (ع) انطلقت هجرته من البصرة ثم أهواز ثم فارس ثم خراسان وهذا واقع جلي وإن المأمون أصدر أوامره على أن لا يسمح للامام الرضا (ع) بالرحيل من المناطق التي تقطنها الشيعة.

وأخيراً فإن الإمام الرضا (ع) ذهب الى إيران وكان لحضوره انعكاس وصدى مدوٍ من حيث تغيير المناخ الفكري المسلم في تلك المناطق إذ ناقش مختلف النحل والتوجهات الإسلامية وأهل الكتاب وغيرهم ، وعندئذ الأمر الذي ساهم كثيرا في انتشار مذهب التشيع وتطور المعرفة الدينية في هذه المناطق كما أن الإمام كان يرد الشبهات بالحجة الثابتة والبرهان القويم والدليل المعجز ليدافع عن مذهب آل البيت الأطهار (ع) وأصول ومبادئ الإسلام الراسخة .

كثيرة هي المناظرات التي قام بها الإمام مع أهل الكتاب وممثلين عن النصارى والمجوس منهم المانويين والزرادتشيين والصابئة والنحل الإسلامية المختلفة ، حيث كانت تتمحور حول قضايا منها خلق الأرض والتوحيد وصفات الله والأنبياء والعصمة والجبر والاختيار والتفسير ومذهب أهل البيت والأحاديث والأدعية والأحكام .

 ویروى من رجاء الضحاك أن الإمام ما من مدينة دخل بها إلا والتفت الناس حواليه إذ يستفسرونه ويسألونه عن معالمهم الدينية . وكان على أثر ذلك أن ظهرت نهضة السادات والشيعة في إيران وكان العلويون يستغلون الوضع الموجود في قدوم الإمام الرضا (ع) ، من هناك انطلقوا نحو إيران زرافات إلا أن المأمون أصدر أوامره إلى أمير فارس بدك وقمع هؤلاء حيث أدى إلى قتل الكثير منهم.

 ونظرا إلى ما تقدم فإن ظروف الشيعة تحسنت بعض الشيء مع قدوم الإمام الجليل خاصة في العقد الثاني حيث كانت الحرية والتنعم النسبي في طبيعة المجتمع الشيعي آنذاك ومن جهة أخرى فإن السادات والشيعة كانوا يتوجهون تلقاء خراسان ليتسن لهم  برؤية الإمام  فك الكثیر من الألغاز .

وكانت أهمية نفوذ التشيع بعد قدوم الإمام الرضا (ع) إلى خراسان إلى حد بحيث مهد الأرضية لخروج محمد بن قاسم العلوي في طالقان ورغم أن هذا الخروج كان في ۲۱۹ هجريا غير أنه أدى إلى توسع جغرافيا الشيعة في قطاع كبير من خراسان . وكان قد خرج محمد بن قاسم في فترة المعتصم ثم ألقي القبض عليه وغضون ذلك قد بايعه ما يتجاوز عن ۴۰ ألفا الأمر الذي إن دل إنما يدل على المساحة الكبيرة التي غطتها الشيعة بعد مجيء الإمام الرضا (ع) إلى إيران .

وکان على أثر تعطش الإيرانيين إلى المعالم الربانية ومنهج آل البيت أن توهجت في نفوسهم روح الحماسة والملحمة الثأرية إذ كل ذلك قد ترافق مع ظهور نهضات وخروقات على الحاكم مما أدى إلى طمس هذه الحركات بسبب عدم التخطيط الواعي والبرمجة الهادفة وذلك اقتداء بنماذج مثل زيد بن علي واستلهامهم منه  وكان الإيرانيون ينهلون من التعاليم الثرية لآل بالبيت من أجل الحصول على الحقيقة  .

وأحدث هذا الأمر تغييرا كبيرا في الهوية الشيعية الإيرانية حيث خلق عملية ديناميكية متطورة لهويتهم ،وتحولت الهوية الاجتماعية للإيرانيين التي كانت في معظمها هوية زيدية ، إلى هوية الشيعة الاثنى عشرية  لأن الحركة الشيعية الإيرانية كانت دائما تتعطش للعدالة ومع وصول الامام الرضا (ع) إلى إيران وإضفاء الطابع المؤسسي وتعزيز مبادئ المدرسة الشيعية الإثنى عشرية في إيران، عندئذ تحولت النهضات الشيعية من نهضات غير ناضجة وهادفة إلى تحركات مبرمجة وهادفة في المستقبل، إذ نجحت فيما بعد بظهور دولة إقليمية كبيرة في إيران تتسم بهوية شيعية تماما.