39
الرواشح السماوية

أجزائه بالأسر ، ولا يعقل للجملة المفروضة ۱ ـ لاعتبار الجمليّة والهيئةِ المجموعيّة ـ صدورٌ إلاّ بصدور الأجزاء بالأسر ، من دون صدورٍ آخَرَ مستأنفٍ وراء ذلك ، وأفضل المجعولات أقربُ في المرتبة من الجاعل المبدع ، فلا محالة كان أكرمُ المبدعات من أجزاء النظام هو المتعيّنَ بأن يكون الصادرَ الأوّل في مرتبة الصدور من غير توسّطِ أمر من الأُمور ، وعلّةٍ من العلل أصلاً ، فضلاً عن المادّة .
ومن لايستطيع سبيلاً إلى تعرّف الحقيقة ، يتوهّم أنّ المراد بهذه العلّة المَنفيّةِ العلّةُ المادّيّة ، ولا يَشعر أنّ المستعمل ب «اللام» أو «الباء» لايكون إلاّ العلّةَ الفاعليّة وما مِن حزبها ، والعلّةَ الغائيّة وما في سبيلها . وأمّا المادّة والعلّة المادّيّة والاُسطقسّيّة ، فإنّما يسند الشيء إليها ب «من» أو «عن» .
ثمّ ليعلم أنّ الشيء الحادث الكيانيَّ الذاتِ وإن كان هو مسبوقَ الوجود لا محالة بالمادّة مسبوقيّةً بالزمان ، إلاّ أنّ ذلك ليس إلاّ بقياس أحدهما إلى الآخَر بحسب نفسهما ، لا بالقياس إلى ذات الصانع الحقّ جلّ سلطانه ، حتّى يكون المادّة متوسّطةً بالزمان بين ذاته سبحانه وبين ذي المادّة ، وذو المادّة أشدُّ تأخّرا في الوجود من المادّة بالنسبة إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا ؛ ولعلّك سوف تتحقّق ذلك بما نتلوه على سمعك من ذي قَبَلٍ ۲ إن شاء اللّه العزيز .
قوله : (خلق ما شاء كيف شاء) .
لمّا نفى الغايةَ عن فعله ، تُوهِّم أنّه ليس فاعلاً بالاختيار ، فأزاح ذلك بأنّه يفعل الأشياء كما شاء ، فيكون بمشيّته ـ أي بإرادته ـ يفعل الخلق ، لكن مشيّته كقدرته ليست غيرَ ذاته ؛ ليلزم أن يكون لغيره تأثير في فعله ؛ فإنّ من فعل فعله بإرادة زائدة على ذاته ، كان محتاجا في قدرته وإرادته إلى مرجّح زائد عليه يرجّح أحد طرفي

1.في «ج» و «ب» : «المعروضة» بدل «المفروضة» .

2.في حاشية «أ» : «قَبَل ـ بفتحتين ، وبكسر القاف وبفتحها مع سكون الوسط ـ كلّ ما عاينته قلت فيه : أتاني قَبَلاً أي معاينة ، وكلّ ما استقبلك فهو قَبَل» . كما في لسان العرب ۱۱ : ۵۳۸ ، (ق .ب .ل) .


الرواشح السماوية
38

غير سبق مدّة أصلاً ، ولامادّةٍ سبقا صريحا دهريّا ، وإن كانت المادّة سابقة في لحاظ العقل سبقا بالذات فقط .
وأمّا «الصنع» : فبالحريّ أن يعمَّم بحيث يعمّ الإبداع والاختراع دون التكوين ، ولو خصّ بالتكوين دونهما فلا شطط . فهذا ما آثرنا عقْدَ الاصطلاح عليه في كتابينا : الإيماضاتِ والتشريقات ، وهو الصيحفة الملكوتيّة ، وتقويمِ الإيمان ، وهو كتاب التقويمات والتصحيحات ، وفي غيرهما من كتبنا العقليّة ، وصحفنا الحِكميّة .
وإذا تعرّفتَ الأمر ، فقوله : «لا من شيء فيبطلَ الاختراع» معناه : لا من مادّة سابقة سبقا بالزمان ، أو سبقا صريحا دهريّا . وقوله : «ولا لعلّة فلايصحّ الابتداع» مَغزاه ۱ القول في النظام الجملي للوجود كلّه ، أعني زُمَرَ ۲ الجائزات من المجرّدات والمادّيّات قاطبةً .
وبالجملة : ما سوى ذات اللّه الأحد الفرد سبحانه ، يعني ولا لعلّة غير نفس ذاته سبحانه لا فاعليّةٍ ولا تتمّةٍ لها ولا غائيّةٍ ـ وهي العلّة الكماليّة ـ ولا غيرِ ذلك من أنواع العلل وأقسامها أصلاً ، فذاك ، الضربُ الفاضل من الإبداع . والنظامُ الجملي هو أحقُّ ما يسمّى مبدَعا ؛ إذ ليس يُعقل وراءه إلاّ اللّه سبحانه ، فهو ـ عزّ سلطانه ـ بنفس ذاته الأحديّة جاعلُه الحقُّ ، وموجبه التامّ ، ولا يتصوّر أيضا هناك علّة غائيّة وراء ذات الجاعل المبدِع الذي هو بعين مرتبة ذاته علمُه التامّ بالنظام الأكمل . فالنظام الجملي ـ الذي لا يتصوّر له علّة أصلاً إلاّ نفس ذات الجاعل الحقّ ـ فائض عن صرف ذاته الأحديّة ، ومنبعث عن نفس علمه وإرادته اللذين هما عين مرتبة ذاته ، فَيَضانا بالذات ، وانبعاثا أوّليّا بالقصد الأوّل ، ولكن حيث إنّ سبيل إيجاد المركّب إيجاد

1.في حاشية «أ» : «مغزى الكلام : مقصده ، وعرفت ما يُغزى من هذا الكلام ، أي ما يراد» . كما في لسان العرب ۱۵ : ۱۲۳ ، (غ . ز . ا).

2.في حاشية «أ» : «الزمرة : الجماعة من الناس ، والزمر الجماعات» . كما في لسان العرب ۴ : ۳۲۹ ،(ز . م . ر) .

  • نام منبع :
    الرواشح السماوية
    المساعدون :
    قيصريه ها، غلامحسين؛ الجليلي، نعمة الله؛ محمدي، عباس؛ رضا نقي، غلام
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دارالحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1422 ق / 1380 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 55534
الصفحه من 360
طباعه  ارسل الي