31
الرواشح السماوية

أمّا الرهبة من الجمال ، فللهَيَمان ۱ الحاصل من الجمال الإلهي ، ولانقهار العقل منه وتحيّرِه فيه .
وأمّا الرغبة في الجلال . فللّطف المستُور في القهر الإلهي ، كما قال تعالى : « وَ لَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَـأُوْلِى الْأَلْبَـبِ »۲ وقال أميرالمؤمنين كما روي عنْه :«سبحان من اتّسعت رحمته لأوليائه في شدّة نقمته ، واشتدّت نقمته لأعدائه في سعة رحْمته» . ۳ و من هنا يعلم قوله : «حُفّت الجنّة بالمكاره ، وحُفّت النار بالشهوات» . ۴
قولهُ : (النافذِ أمرُه في جميع خلقه) .
المراد به أمر التكوين لا أمر التشريع ، فللّه أمران : أمرُ تكوينٍ وهُو الذي بلا واسطة مخلوق . وأمرُ تشريع بواسطة الكتب والرسل عليهم السلام . والأوّل نافذ في جميع الخلق ، ولايسعهم إلاّ الطاعةُ كما قال تعالى : « إِنَّمَآ أَمْرُهُو إِذَآ أَرَادَ شَيْـ?ا أَن يَقُولَ لَهُو كُن فَيَكُونُ » .۵ لثاني مختصّ بالثقلين ، فمنهم من أطاع ، ومنهم من عصى .
قولهُ (علا فاستعلى ، ودنا فتعالى) .
أي سبق في العلوّ فاستعلى ، وغلب على جميع الموجُودات .
وتحريره أنّ العلوّ يقال بالاشتراك على معانٍ ثلاثة :
الأوّل : العلوّ الحسّي المكاني كارتفاع بعض الأجسام على بعض .
الثاني : العلوّ التخييلي ، كما يقال للمَلِك الإنساني : إنّه أعلى الناس أي أعلاهم في الرتبة المتخيَّلة كمالاً .
الثالث : العلوّ العقلي ، كما في بعض الكمالات العقليّة التي بعضها أعلى من

1.هام في الأمر : إذا تحيّر فيه . لسان العرب ۱۲ : ۶۲۶ ، (ه . ى . م) .

2.البقرة (۲) : ۱۷۹ .

3.نهج البلاغة : ۱۴۷ ، الخطبة : ۹ .

4.صحيح مسلم ۴ : ۲۱۷۴ ، ح ۲۸۲۲ عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ؛ وبتفاوت يسير عن عليّ عليه السلام في نهج البلاغة : ۳۳۴ ، الخطبة ۱۷۶ .

5.يس (۳۶) : ۸۲ .


الرواشح السماوية
30

قلت : بلى ولكنّ المحقوق بالاعتبار عندي ما قاله ابن الأثير في نهايته ، ففحْصه هنالك أضبطُ ، وقوله أثبتُ ؛ حيث يقول :
وفي حديث الدعاء : «رغبةً ورهبةً إليك» أعمل ۱ لفظَ «الرغبة» وحدها ، ولو أعملهما معا ، لقال : «رغبةً إليك ورهبةً منك» ولكن لمّا جمعهما في النظر قوّى ۲ أحدهما على الآخر ، كقول الشاعر : «وزجّجن ۳ الحواجبَ والعيونا» . وقولِ الآخر : «متقلّدا سيفا ورمحا» . ۴
والذي أجده أكثريّا ـ في تعاطيات المتثقّفين وتداولاتهم ـ أنّه إذا كان المرهوب ما هو مخوف ؛ لكونه من غير الملائمات ، كالآلام ، والفجائع ، ومصادرها ، ومبادئها ، قيل للراهب : رَهِبَه يرهبه رَُهبةً ـ بالضمّ والفتح ـ ورَُهبانا كذلك .
وإذا كان مَن هو مَخشيّ ؛ لجلالته وعظمته وقهّاريّته وجبّاريّته ؛ ولشدّة الوله والدهش من كبريائه وجبروته ، وهو في عزّه وعُلاه محبوبُ قلبِ الراهب ، ومعشوقُه وبغيته ومبتغاه ، قيل : رهب منه يرهب رَهَبَا بالتحريك ، ورَهَبةً ورَهَبانا أيضا محرّكتين ، ومن ذلك ما عُدّي بنفسه لا ب «مِن» فيما يروى عن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام :

أيَّ يومَيَّ من الموت أفرّ يومَ ما قُدِّر أم يومَ قُدِر
يومَ ما قُدِّر لاأرهبهوإذا قُدِّر لا ينجو الحَذِر۵
والرُهبى والرَهباء ـ بالضمّ مقصورةً ، وبالفتح ممدودةً ـ من الرهبة كالرُغبى والرَغباءِ من الرغبةِ ، والرغبة والرهبة لازمتان فيمن له غاية العظمة والجلال ، ونهاية اللطف والجمال ، بل لا يخلو جمال عن جلال ، ولا جلال عن جمال .

1.أي أعمل الرسول صلى الله عليه و آله .

2.هكذا في جميع النسخ ، ولكن في المصدر : «النظم حمل» بدل «النظر قوّى» .

3.في حاشية «أ» : «زجّجت المرأة حاجبها : دقّقته وطوّلته» . كما في لسان العرب ۲ : ۲۸۷ ، (ز .ج .ج) .

4.النهاية في غريب الحديث والأثر ۲ : ۲۳۷ ، (ر .غ .ب) .

5.ديوان الإمام عليّ عليه السلام : ۱۹۳ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ۵ : ۱۳۲ بتفاوت يسير .

  • نام منبع :
    الرواشح السماوية
    المساعدون :
    قيصريه ها، غلامحسين؛ الجليلي، نعمة الله؛ محمدي، عباس؛ رضا نقي، غلام
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دارالحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1422 ق / 1380 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 55547
الصفحه من 360
طباعه  ارسل الي