New Page 1

كلام في تصفيد الشّياطين في شهر رمضان

 
ورد (تصفيد الشّياطين في شهر رمضان) في روايات عديدة. انظر بعض هذه الروايات:

1. رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إذا جاءَ رَمَضانُ فُتِّحَت أبوابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَت أبوابُ النّارِ، وصُفِّدَتِ الشَّياطينُ. (1)

2. الإمام الصادق عليه‏السلام: إنَّ أبوابَ السَّماءِ تُفَتَّحُ في رَمَضانَ، وتُصَفَّدُ الشَّياطينُ، وتُقبَلُ أعمالُ‏المُؤمِنينَ، نِعمَ‏الشَّهرُ رَمَضانُ. (2)
3. رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (يبشر اصحابه): جاءَكُم رَمَضانُ، جاءَكُم شَهرٌ مُبارَكٌ اِفتَرَضَ اللّه‏ُ عَلَيكُم صِيامَهُ، تُفَتَّحُ فيهِ أبوابُ الجِنانِ، وتُغَلَّقُ أبوابُ الجَحيمِ، وتُغَلُّ فيهِ الشَّياطينُ، فيهِ لَيلَةٌ خَيرٌ مِن ألفِ شَهرٍ، مَن حُرِمَ خَيرَها فَقَد حُرِمَ. (3)

4. رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إذا كانَ أوَّلُ لَيلَةٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ نادَى الجَليلُ تَبارَكَ و تَعالى:...يا جَبرَئيلُ، انزِل عَلَى الأَرضِ فَغُلَّ فيها مَرَدَةَ الشَّياطينِ حَتّى لايُفسِدوا عَلى عِبادي صَومَهُم. (4)

5. رسول الله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: إذا كانَ أوَّلُ لَيلَةٍ مِن شَهرِ رَمَضانَ صُفِّدَتِ الشَّياطينُ ومَرَدَةُ الجِنِّ، وغُلِّقَت أبوابُ النّارِ فَلَم يُفتَح مِنها بابٌ، وفُتِّحَت أبوابُ الجَنَّةِ فَلَم يُغلَق مِنها بابٌ، ويُنادي مُنادٍ: يا باغِيَ الخَيرِ أقبِل! ويا باغِيَ الشَّرِّ أقصِر ! وللّه‏ِِ عُتَقاءُ مِنَ النّارِ. (5)

عندئذٍ يثار عدد من الأسئلة في هذا السياق، هي:

ما الشيطان؟ في نطاق ما يتّسم به نظام الخليقة والوجود من حكمة، لماذا سُمح للشيطان بإغواء الإنسان؟
ما الثغور الّتي تمتدّ إليها سلطة الشيطان على الإنسان؟
لماذا صار اللّه‏ سبحانه إلى تصفيد الشياطين ومنعها من ممارسة تأثيرها الضالّ في شهر رمضان، في حين تركها حرّة فيما عداه من الشهور؟
وأخيرا: إذا كانت الروايات الدالّة على هذا المعنى صحيحة، فلماذا يجنح عدد من الصائمين إلى ارتكاب الذنوب واجتراح الخطايا في هذا الشهر؟

في الحقيقة يتطلّب الجواب على هذه الأسئلة بنحوٍ مُسهب وافٍ فرصةً سانحةً(6)، بَيدَ أنَّ ما يمكن قوله إجمالاً: إنَّ الرؤية الإسلامية تفيد بأنَّ الشياطين عبارة عن موجودات غير مرئيّة من جنس الجنّ، تتحلّى بالإدراك والمعرفة وتحظى بالحرّية والقدرة على الاختيار، لكنها تسيء استخدام حرّيتها لإغواء الإنسان وخداعه عن طريق تزويق الممارسات القبيحة وإضفاء صورة جميلة عليها، ومن خلال تهييجه وإثارة نوازعه غير المشروعة.
أمّا الحكمة من وراء هذا الدور الإغوائي الّذي تلعبه الشياطين في نظام الخليقة، فتكمن في تفتّق المواهب الإنسانية الكامنة وتربية الإنسان الكامل وإعداده في ظلّ المقاومة الّتي يبديها إزاء هذه المزالق والإغراءات، أمّا ثغور سلطة الشياطين على الإنسان فهي لا تتعدّى نطاق الإثارة والوسوسة، ومن ثَمَّ فهي تدعوه إلى القبائح، بَيدَ أنّ قدرتها لا تمتد لإجباره على اقترافها.(7)
على ضوء هذه الإيضاحات، فإنَّ ما ينبغي دراسته على هذا الصعيد، مسألتان:

الاُولى: تصفيد الشياطين وغلّها في شهر رمضان.
الثانية: البحث عن العوامل الكامنة وراء اجتراح الخطايا وظهور الذنوب في هذا الشهر، على الرغم من تصفيد الشياطين وغياب دورها الإغوائي.

1. علّة تصفيد الشياطين في شهر رمضان

تفيد عملية دراسة النصوص الإسلامية وتحليلها، وجود علّتين لغلّ الشياطين ومنعها في شهر رمضان، على النحو الّذي تأتي فيه العلّة الثانية في طول العلّة الاُولى. وهاتان العلّتان هما:

  » العلّة الاُولى: الممانعة الطبيعية للصيام

يُزيل الصوم على نحو طبيعي الأرضية الّتي تتحرّك عليها سلطة الشيطان للتأثير على الإنسان وإغوائه، وبتعبير أدقّ ليست السلسلة الّتي تقيّد الشيطان وتغلّه في شهر رمضان سوى الصوم نفسه، ومن هنا ما جاء عن النَّبي في قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله:
«إنَّ الشَّيطانَ لَيَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ فَضَيِّقوا مَجارِيَهُ بِالجُوعِ».(8)
فهذا الحديث يدلّ بوضوح على أنَّ الصوم يمنع سلطة الشيطان عن الإنسان على نحو طبيعي.
إنَّ السلسلة الّتي ينطوي عليها الصوم لا تقتصر على تصفيد الشيطان وحدَه، بل تتخطّى ذلك إلى احتواء نوازع النفس الأمّارة وإلى أسرها، ممّا يؤدّي إلى ردع سلطتها على الإنسان، وكما قال الإمام أمير المؤمنين عليه‏السلام:
«نِعمَ العَونُ عَلى أسرِ النَّفسِ وكَسرِ عادَتِهَا التَّجَوُّعُ».(9)
على هذا الأساس، فإنَّ جميع الروايات الّتي جاءت تمتدح الجوع وتثني على دوره في بناء النفس وتربيتها، إنّما تهدف بالحقيقة إلى إيجاد المانع الطبيعي الّذي يصدّ سلطة الشيطان على الإنسان ويحصنه من نوازع النفس الأمّارة وإغواءاتها، كما تهدف أيضا تحرير قواه العقلية وإطلاق قابليّاته الإنسانية، على ما يبدو ذلك واضحا من النموذجين الروائيين التاليين اللذين اخترناهما من بين هذا النمط من الروايات(10): عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله:
«جاهِدوا أنفُسَكُم بِالجُوعِ وَالعَطَشِ، فَإِنَّ الأجرَ في ذلِكَ كَأَجرِ المُجاهِدِ في سَبيلِ اللّه‏ِ».(11)
وعنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أيضا:
«أحيوا قُلُوبَكُم بِقِلَّةِ الضِّحكِ وقِلَّةِ الشَّبَعِ، وطَهِّروها بِالجُوعِ تَصفو(12) وتَرِقُّ».(13)

  » العلّة الثانية: اللطف الإلهي الخاص

بالإضافة إلى الرصيد الّذي يوفّره صوم شهر رمضان للصائمين طبيعيا، متمثّلاً باحتواء سلطة الشيطان وردع إغواءاته عنهم، فإنَّ هذه الممارسة العبادية تتحوّل بنفسها إلى أرضية لانهمار ألطاف اللّه‏ عليهم وشمولهم بها، وحينئذٍ فإنَّ ما جاء في الأحاديث من تصفيد الشياطين، وغلّها في هذا الشهر إنّما هو إشارة لهذا المعنى..
بعبارة اُخرى، إنَّ اللطف الإلهي ليس جزافا حتّى يصحّ السؤال: لماذا لم يمنع سبحانه سلطة الشياطين ويحول بينها وبين الإنسان في بقيّة الشهور؟ كلاّ، إنّما ينشأ مبدأ التوفيق الرباني واللطف الإلهي من واقع اختيار الإنسان نفسه، ودخوله في رحاب الضيافة الرمضانية.

 2. علّة عدم الانتفاع من غلّ الشياطين

في إطار التحليل الّذي مرَّ، فيما يفيده من أنَّ الشياطين تفقد سلطتها على الإنسان في هذا الشهر على الأقل بالنسبة إلى الصائمين، ينبثق السؤال الرئيسي الثاني في هذا المضمار، متمثّلاً بما نراه من غفلة الصائمين وابتلائهم بالخطايا والذنوب في هذا الشهر أحيانا، كما يدلّ عليه تشريع الكفّارات الّذي جاء لعلاج هذه الحالات، يصوّر السيّد ابن طاووس رحمه‏الله هذه المفارقة، بقوله::
«سألني بعض أهل الدين، فقال: إنّني ما يظهر لي زيادة انتفاع بمنع الشياطين، لأنَّني أرى الحال الّتي كنت عليها من الغفلة قبل شهر رمضان، كأنّها على حالها ما نقصت بمنع أعوان الشيطان...».(14)
يمكن تقديم جوابين لهذا السؤال، هما:

 » الجواب الأول: ليس الشيطان السبب الوحيد للذنوب

يتركز الجواب الأوّل حول معنى يفيد بأنَّ ما يصدر عن الانسان من خطايا وذنوب لا يرتبط بالشيطان وحدَه ولا ينشأ عن إغوائه وحسب، بل له منشآن رئيسيان آخران، هما: النفس الأمّارة، والرين المتراكم من تبعات الذنوب السابقة الّذي يؤدّي إلى تلوّث القلب واسودادهِ، والواقع أنَّ اللطف الإلهي الّذي يكتنف الإنسان في شهر رمضان يلغي تأثير العامل الأوّل المتمثّل بالشيطان، على حين يبقى العاملان المتبقّيان يمارسان دورهما، وهما سببان كافيان لتهيئة الأرضية لانحراف الإنسان وتفسير ما يصدر عنه من ذنوب وبقائه على الغفلة..
ولو افترضنا أنَّ الصوم قادر على استيعاب نوازع النفس الأمّارة والقضاء على دورها في دفعه صوب الخطايا والذنوب، فإنَّ الرين المتراكم من الذنوب السابقة يكفي ليؤلّف خطرا يهدّد الصائم ويضعه بمعرض الغفلة وارتكاب الذنب.

 » الجواب الثاني: نسبية تصفيد الشياطين

ما اتّضح من التحليل السابق أنَّ السلسلة الّتي تقيّد الشيطان يتألّف قوامها من صوم شهر رمضان نفسه وليس من شيء آخر، على هذا فكلّما اتّسم الصوم بالإتقان والتكامل، زاد ذلك من إحكام السلسلة الّتي تغلّ الشيطان وتردع النفس الأمّارة، ومن ثَمَّ أدّى ذلك إلى تضاؤل الغفلة والانحرافات الناجمة عنها.
على هذا الضوء يمكن القول بأنَّ من تصدر عنهم الذنوب في شهر رمضان، فإنَّ صومهم لم يكن صوما سالما.

المنبع: «شهر الله في الكتاب و السنة»،
المولف: محمد الريشهري،
المساعد: رسول الافقي،
التحقيق: مركز بحوث دارالحديث

هوامش
1. صحيح مسلم: 2/ 758/ 1، الموطّأ: 1/ 311/ 59، سنن النسائي: 4/ 126، مسند ابن حنبل: 3/ 277/ 8692، السنن الكبرى: 4/ 339/ 7906 كلّها عن أبي هريرة، كنز العمّال: 8/ 461/ 23662؛ فضائل الأشهر الثلاثة: 141/ 152 عن أبي سهل نافع بن مالك عن أبيه عن الإمام الباقر عليه‏السلام عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله.
2. الكافي: 4/ 157/ 2، تهذيب الأحكام: 3/ 59/ 201، كتاب من لا يحضره الفقيه: 2/ 160/ 2029، ثواب الأعمال: 92/ 9 كلّها عن عليّ بن أبي حمزة، بحار الأنوار: 96/ 372/ 57.
3. فضائل الأوقات للبيهقي: 37/ 45، سنن النسائي: 4/ 129 وفيه «وتغلّ فيه مردة الشياطين»، مسند ابن حنبل: 3/ 8/ 7151 وص412/ 9502، المصنّف لابن أبي شيبة: 2/ 419/ 1؛ تهذيب الأحكام: 4/ 152/ 422 وليس فيه «وتغلق فيه أبواب الجحيم»، الأمالي للمفيد: 112/ 2 وص 301/ 1 كلّها عن أبي هريرة نحوه، بحار الأنوار: 96/ 366/ 41.
4. بحار الأنوار: 96/ 348/ 51 نقلاً عن القطب الراوندي في النوادر، الأمالي للمفيد: 230/ 3، فضائل الأشهر الثلاثة: 126/ 133؛ شعب الإيمان: 3/ 335/ 3695، فضائل الأوقات للبيهقي: 64/ 29، تاريخ دمشق: 52/ 291 كلّها عن ابن عبّاس نحوه، كنز العمّال: 8/ 586/ 24281.
5. سنن الترمذي: 3/ 66/ 682، سنن ابن ماجة: 1/ 526/ 1642، المستدرك على الصحيحين: 1/421/1532، السنن الكبرى: 4/ 500/ 8501، صحيح ابن حبّان: 8/222/3435، صحيح ابن خزيمة: 3/ 188/ 1883 كلّها عن أبي هريرة، كنز العمّال: 8/ 462/ 23664 و ص 469/ 23703؛ بحار الأنوار: 96/ 350/ 20 نقلاً عن القطب الراوندي في النوادر.
6. ستعرض جواب هذه الأسئلة تفصيلاً في مدخل عنوان «الشيطان» من موسوعة ميزان الحكمة إن شاء اللّه‏ تعالى.
7. «وَ قَالَ الشَّيْطَـنُ لَمَّا قُضِىَ الاْءَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ مَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـنٍ إِلاَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُوآاْ أَنفُسَكُم» (إبراهيم: 22).
8. إحياء علوم الدين: 1/ 347؛ المحجّة البيضاء: 5/ 148، عوالي اللئالي: 1/ 273/ 97 و ص 325/ 66، بحار الأنوار: 70/ 42. أقول: قد ورد هذا الحديث من دون قوله: «فضيّقوا مجاريه بالجوع» في المصادر التالية: صحيح البخاري: 6/ 2624/ 6750، سنن ابن ماجة: 1/ 566/ 1779، مسند ابن حنبل: 4/ 313/ 12593 و ص 568/ 14044، سنن الدارمي: 2/ 776/ 2680.
9. عيون الحكم والمواعظ: 494، غرر الحكم: 9944 وفيه «أشر» بدل «أسر».
10. للاطلاع على المزيد من هذه الروايات، انظر: شهر الله في الكتاب والسنة ص 88، ص 89 وص 93.
11. إحياء علوم الدين: 3/ 124؛ المحجّة البيضاء: 5/ 146.
12. كذا في المصدر والقياس: «تَصْفُ».
13. إحياء علوم الدين: 3/ 129؛ المحجَّة البيضاء: 5/ 154.
14. الإقبال: 1/ 73. يسوق السيّد ابن طاووس رحمه‏الله خمسة أجوبة على السؤال المطروح كلّها غير مقنعة ما خلا الجواب الأخير، الّذي سنذكره في المتن مشفوعا ببعض التوضيحات.

ÈÈ