الحوار

Ãحوار مع: آية اللّه السيد مرتضى العسكري

إعداد: محمد هادي خالقي

العلاّمة السيد مرتضى العسكري من العلماء الذين تركوا أثراً كبيراً فيمن عاصرهم وعايشهم بسبب إدراكه العميق لمجتمعه ومقتضيات عصره. فقد كان في شبابه ـ وهو يطلب علوم الدين في مرحلة عليا ـ من مؤسسي حركة العودة إلى القرآن والحديث في الحوزات والمدارس الدينية الشيعية. ثم اتجه صوب تحرير الدين من الخرافات والإفصاح عن مذهب أهل البيت (ع) والصحيح من سنة النبي (ص). وكانت جهوده في تأسيس المراكز العلمية والثقافية والتبليغية والخيرية جبهة فتحها بوجه المبشرين المسيحيين وصنّاع الكوادر الغربية. كما كان دخوله إلى عالم السياسة في العراق والجهاد المنظّم لإقرار الحكم الإسلامي في هذا البلد وجهاً آخر من مثابرته على أداء الواجب والتكليف. دفاعه عن الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني وجهوده الحثيثة في الدفاع عن قضية فلسطين واهتمامه الجاد بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، هي نقاط لامعة أخرى في حياته المليئة بالصعاب. ومع ذلك، حديثنا معه ينصب حول (الحديث)، وإذا كنا قد خرجنا عن ذلك أحياناً فلأنّ اللقاء كان في أواخر كانون الأول عام 1999م وبمناسبة عام الإمام الخميني (وإنْ كنا لم نُوفق لنشره في حينها). وعلى أي حال، تلخيص النص وإعادة صياغته وتنقيحه هي من عندنا.
مجلة "علوم الحديث"

علوم الحديث: نشكركم على إتاحة هذه الفرصة لنا للحديث معكم. نحن نبدأ الحديث عادة بالسؤال عن تاريخ الولادة والمحيط الذي نشأ فيه الفرد وحياته العلمية، فذلك يسترعي انتباه الشباب من الباحثين في ميدان الحديث.
ـ بسم الله الرحمن الرحيم، وأنتم أيضاً تلطفتم بالمجيء، وأنا أشكركم أيضاً. لا أدري أي موضع من حياتي يمكن أن يكون نافعاً لقرّاء علوم الحديث، إلا أني لا أدع أسئلتكم من دون جواب على كل حال.
ولدت في جمادى الثانية عام 1332 للهجرة [1914م] في سامراء. والدي السيد محمد إسماعيل كان عالماً وصهراً لآية الله الميرزا محمد شريف الطهراني العسكري (خاتمة المحدثين). أسرتي من أمي وأبي هم من إيران من ساوه وطهران وكانوا قد سكنوا في سامراء. وعلى الرغم من أني كنت يتيماً في طفولتي، عندما دفعوني لدراسة العلوم الدينية وأنا في العاشرة من عمري كنت أُحسن القراءة والكتابة بالعربية والفارسية. ومنذ بداية قراءتي للكتب، كنت أحب كتب السيرة وتاريخ النبي والصحابة وفتن صدر الإسلام والرحلات (كرحلة ابن جبير وابن بطوطة ورحلات الأوربيين إلى الشرق) وأتابع قصة استعمار البلاد الإسلامية. فمثلاً الرسالة الدخانية التي ألّفها أحد طلاب الميرزا الشيرازي قرأتها وهي لم تزل مخطوطة في مكتبة جدي (جدي لأمي الذي كان وكيلاً للميرزا). لم تكن مكتبة جدي في متناول يدي، وكل ما كنت أحتاجه من الكتب كنت آخذه إلى الدار لأقرأه، وحتى في الليل كنت أقرأ على سطح الدار، وكنت أحياناً لا أنام حتى أنتهي من الكتاب، في الوقت الذي كان أهلي يتصورون أني نائم ويأتون بعد طلوع الفجر لإيقاظي. هذه كانت بدايات مطالعتي التي لم أدعها قط طيلة شبابي.
قرأت دروس الحوزة إلى المعالم في حوزة سامراء حيث كانت لا تزال تحتفظ بقوتها من عهد المرحوم الميرزا الشيرازي وكان فيها أساتذة جيدون.

علوم الحديث: أستاذ! ماذا درست في حوزة سامراء؟
ـ قرأت جامع المقدمات وأنا في العاشرة. ومن بعده الكتب المعروفة في حوزة العراق: السيوطي، المختصر، المغني، الحاشية، المطوّل، شرح جامي، شرح ابن عقيل، القوانين، المعالم، شرح اللمعة وبعض الكتب الفقهية والأصولية المتداولة الأخرى في هذه المرحلة. لم أكن أُكمل بعض الكتب عند الأستاذ. أقرأ مقداراً منها والبقية أباحثها مع زميل أو أسال عن المواضع الغامضة فيها. ومع ذلك، أحفظ إلى الآن الكثير من أشعار المطوّل. كنت أنا وزميلي المرحوم الحاج الشيخ مرتضى الحائري في قم نتباحث في المواضع التي ندرسها والتي لا ندرسها من كل كتاب. وباختصار لم أقرأ الكتب على يد أستاذ إلى آخرها إلا قليلاً. كان لا بد لي وللشيخ مرتضى من التباحث في الفيضية هذه في كل درس قبل الحضور عند الأستاذ.

علوم الحديث: لم تذكروا لنا لماذا جئتم إلى قم ولماذا عُدتم ...
ـ كنت أعيش في العراق من موارد أموال أبي ـ التي كانت لنا في ساوه ـ لا من سهم الإمام. وعندما لم يسمح رضا خان بذهاب هكذا موارد إلى العراق، توجهت في 1350 هـ إلى الحوزة العلمية في قم. كان المرجع في حينها هو المرحوم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري. وكانت حجرتي في المدرسة الفيضية في الطابق الأول، الحجرة الثانية إلى اليسار (من باب الصحن). تلقيت في قم دروس السطح العالي عند المرحوم السيد المرعشي والحاج الشيخ محمد حسين شريعتمدار ساوجي ـ وهو ابن عمي.

علوم الحديث: هل كنت تحضر دروساً أخرى غير الفقه والأصول؟
ـ نعم، حضرت بحوث الأخلاق عن الحاج الشيخ مهدي بايين شهري. كما حضرت دروس الكلام عند الإمام الخميني. كان الإمام يلقي دروس الباب الحادي عشر في صباح شهر رمضان في الحجرة الأولى للصحن الصغير إلى اليمين (من ممر الصحن الكبير). وطيلة المدة التي مكثت فيها في قم كنت أحضر دروس العقائد عنده. كما حضرت دروس التفسير عند الحاج الميرزا خليل كمرئي.

علوم الحديث: لم تحدثونا عن زملائكم في المباحثة. سمعنا بصداقة بينكم وبين السيد محمود الطالقاني...
ـ نعم، طبعاً لم أكن زميل مباحثة لآية الله الطالقاني. كنا نسبقه قليلاًً في دروس الحوزة الرسمية بسبب نشاطاته الأخرى، إلا أننا كنا أصدقاء منسجمين وعلى وفاق في الرأي. كانت حجرته في الطابق العلوي من الفيضية. كان صديقاً مقرّباً لي وله مكانة خاصة في قلبي، والذي متّن علاقتنا أكثر هو المشروع الذي وضعناه نحن الاثنان لدراسة وتعليم (التفسير وعلوم القرآن) و(الأحاديث غير الفقهية) و(بحوث العقيدة) في الحوزة والتوجّه نحو الأساليب الصحيحة في (تبليغ الدين). جمعنا عدة أفراد آخرين فأصبحنا تسعة أشخاص وطرحنا هذا الحديث أمام حوزة قم في ذلك الزمان، وطبعاً كان أمراً جديداً ولم تكن الحوزة تتحمل مثل هذا الحديث وهذا النشاط، فانتهى أمرنا إلى معارضة الحاج ميرزا مهدي (والد زوجة آية الله الكلبايكاني) الذي كان مديراً لحوزة قم، وكان مديراً جيداًً حقاً، وبسبب هذه القضية أحسست بالانكسار وانزعجت من حوزة قم فرجعت إلى سامراء في عام 1353 هـ لأقرأ الكفاية هناك عند الحاج الشيخ حبيب الله اشتهاردي المعروف بالمدرس العسكري الذي كان من تلامذة الشيخ هادي الطهراني (وهؤلاء كانت لهم مدرسة خاصة في علم الأصول)، ودروس البحث الخارج درستها في العراق.

علوم الحديث: حدثونا أكثر عن المشروع الذي كان لديكم ... ودوافعكم إليه.
ـ قلت إن مطالعتي في الحوزة لم تقتصر على الفقه والأصول. كنت أطالع كثيراً وأرى أن البهلوي كان ينوي ترجمة الثقافة الغربية في إيران. كما أن حالة التغرّب في العراق كانت قد بدأت بصورة جديّة. كل من كان يطالع ويتابع آنذاك يعي أن أوضاع المسلمين في العالم كانت مؤسفة جداً. وفي تلك الظروف كانت الحوزات العلمية والمدارس الدينية الشيعية قد أصبحت بتعبيري اليوم: (أحادية البعد) أو (أحادية العلم). عندما كنت أقارن الحوزة بالحوزات والمدارس الدينية في عصر الصدوق والمفيد والطوسي والعلامة الحلي، كنت أجد نفسي مكلّفاً بفعل ما تجاه الغفلة التي كنا نعيشها تجاه الأوضاع العلمية والاجتماعية في ذلك العصر، وكان تصوري هو أنه لو كان علماء الشيعة السابقون ـ الذين ذكرتهم ـ لقاموا بالتأكيد بتدريس التفسير والعقيدة والتاريخ والأحاديث غير الفقهية والعلوم العقلية والاستدلالية واللغات الأجنبية وما إلى ذلك. للشيخ الصدوق نحو من مئتي مؤلَّف في شتى العلوم الإسلامية. للعلامة الحلي 21 كتاباً في الإمامة. انظروا إلى كتب الأمالي كم فيها من الأحاديث المتنوعة المناسبة لتلك العصور. وهؤلاء العلماء الكبار كانوا يُدرّسون الفقه أيضاً. وإلى عصر المجلسي كان علماء الشيعة على هذا النحو. نماذج من هذه الدراسة التاريخية أوردتها في المجلد الثالث من معالم المدرستين، من قبيل أنه كيف كانوا يدرسون أصول الكافي ويعطون التلاميذ إجازة في الرواية والتدريس.
وكنت أرى في حوزة قم آنذاك أن درس التفسير لا يعتبر مادة دراسية إلزامية بل كان عملاً ذوقياً. من هنا قمنا مع شخص أو شخصين يشاركوننا في التفكير بجمع تسعة أشخاص وقررنا إقامة درس تفسير في حوزة قم وعلى مرأى من الطلاب. لم يكن للحوزة آنذاك التنوع الدراسي الموجود حالياً على الإطلاق. عندما كان الطلبة يرون درس التفسير الذي وضعناه للميزرا خليل كمرئي في مسجد "نو" (خلف شيخان) أو مباحثة التفسير التي كانت لنا في إيوان مسجد الإمام الحسن العسكري، كانوا ينظرون ويضحكون ويمرون قائلين: هؤلاء يقرأون التفسير في ليالي الدراسة! طبعاًً نحن كنا نريد نشر درس التفسير والعقيدة والحديث في الحوزة وكنا أنفسنا الثمانية أو التسعة ندرس هذه الدروس إلى جانب دراستنا للفقه والأصول وكنا نطالع ونتباحث حول أوضاع المسلمين في العالم وكنت كلما أذهب لزيارة أقربائي في طهران اشتري كتباً جديدة كي أرى ما يجري في العالم وفي العالم الإسلامي وفي إيران ولدى الطبقة المتنورة.

علوم الحديث: أستاذ! هل أخذت هذه الأفكار الإصلاحية معك إلى العراق أو ثبطت عزيمتك وتخليت عن الأمر؟
ـ لا بحمد الله، كنت على يقين من صحة تفكيري وكنت أشعر أنها رسالة أتحملها وهذا الإحساس بالتكليف لم يدعني أهدأ حتى يوماً واحداً. بل عندما كنت أدرس الفقه الاستدلالي وأدلة مسائل العروة الوثقى هناك، دفعتني ثلاثة أمور بقوة للاهتمام الجاد بالحديث والمعرفة الصحيحة للسنة:
الدافع الأول هو أني كنت أرى أن فقهاءنا يستندون إلى الأحاديث (القولية) فحسب ولا يُعنون بسيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع) أو السنة العملية وتقارير الأفعال والإمضاءات.
الدافع الثاني هو أن الشيعة والسنة في سامراء كانوا يعيشون سوية ويحتك بعضهم ببعض. فمثلاً في الأعياد كنا نذهب للقاء علماء بعضنا كي نبارك لهم العيد، إلا أننا كنا أحياناً نجتمع في الصحن ونستهل ولا نرى الهلال، إلا أن قاضيهم يعلن عن العيد طبقاً لفقههم فيدقون الطبول إعلاناً بحلول العيد، وعند ذاك كان علينا أن نبقى في الدور ولم يكن جدي (المرحوم خاتمة المحدثين) يجلس لتلقي التبريكات، وهذا ما كان يدعو إلى بعض الإزعاجات. كما كانت تحدث بعض المشكلات بيننا عند إقامة العزاء.
هذا الذي دعاني إلى التفكير بكتابة سيرة تقرّب بيننا وبينهم، سيرة تجمع بين السني والشيعي. لم يكن قصدي إعادة كتابة تاريخ بدر وأحد والخندق. كنت أريد كتابة سيرة تكون مستدركاً لـ "وسائل الشيعة" مع الاستعانة في الوقت نفسه بروايات مدرسة الخلفاء. كنت أتصور عدم وجود اختلاف بيننا في سيرة النبي (ص)، فإذن يمكنني كتابة سيرة يتفق عليها المنصفون من كلا الطرفين، وكنت أريد تسميتها (لواء الحمد).
الدافع الثالث، عندما أسست أول مدرسة جديدة في الكاظمية لأبناء الشيعة [في 1363هـ] رأيت أن المناهج التعليمية الدينية والتاريخ الإسلامي الذين كتبه الموالون للحكم ليست سيرة صحيحة. فكتبت رسالة إلى السيد محسن الأمين وطلبت منه مجموعة كاملة عن سيرة المعصومين الأربعة عشر، فأرسل هو إليّ كتاباً، فوجدت أن الكتاب الذي كتبه عبارة عن تاريخ الولادة، بداية الإمامة، الأسفار، عدد الأولاد وأسماء تلامذة المعصومين ومعلومات من هذا القبيل لا تعكس المدرسة الفكرية لأئمتنا على الإطلاق. فلاحظوا أنتم ما في القرآن، عندما يذكر الله تعالى سيرة الأنبياء يسجّل المعارك الفكرية التي خاضوها. فكل مدرسة يجب أن تكتب سيرتها بهذه الطريقة.
هذه العوامل الثلاثة هي التي دفعتني إلى أن آخذ القلم بنفسي لأكتب السيرة التي أراها وبهذا الشكل.

علوم الحديث: من هم أساتذتكم في حوزة سامراء ومتى انتقلتم إلى بغداد؟
ـ أستاذي الرئيس هو المرحوم آية الله الأقا ميرزا حبيب الله اشتهاردي الذي عُني بي بشكل خاص حتى أنه وضع درساً خاصاً لي ولزميلي في المباحثة (المرحوم الشيخ غلام حسين) لكي نتقدم وكان يهمه أن أُكمل الدروس إلى الأخير ولا أكتفي بالمطالعة والمباحثة.
من أساتذتي الآخرين في سامراء أذكر المرحوم الميرزا علي ـ الذي كان من تلامذة الميرزا حبيب الله ـ والمرحوم الشوشتري والمرعشي. كنت أتلقّى هناك في اليوم الواحد دروساً في ثلاثة كتب وعن ثلاثة أساتذة وأحياناً أكثر من ذلك. إلا أن أستاذي الذي بذل جهداً كبيراً عليّ هو المرحوم الميرزا حبيب الله.
انتقالي إلى بغداد كان في المرة الأولى على ما أتذكر في عام [1363هـ] قبل نهاية الحرب العالمية الثانية حيث حاولت تأسيس مدرسة جديدة في الكاظمية لأبناء الشيعة وكنت أريد تأسيس كلية إسلامية أو حوزة عصرية فاعترض بعض المتنفّذين ولم يحصل ذلك، فلذت مرة أخرى بسامراء لأتلقى دورة دراسية أخرى للأقا حبيب الله الذي كان يدرّس أدلة مسائل العروة. تلك الأيام كانت السنوات الأولى من مرجعية آية الله البروجردي ويبدو أن الأوضاع في حوزة قم كانت أفضل من حوزة العراق. من هنا جئت إلى قم وطرحت عليه مشروع تأسيس مدرسة علوم دينية بالشكل الذي كنت أريده (أي بدروس في الحديث وعلوم القرآن والتاريخ الإسلامي والدعوة والتبليغ إلى جانب الفقه والأصول) وأديرها أنا بنفسي، فوافق سماحته على ذلك، إلا أن مقدمات العمل اصطدمت بأحداث تأميم النفط فاضطررت إلى العودة إلى العراق والبقاء هذه المرة في بغداد، وبدعم من المرحوم آية الله الحكيم ـ الذي أعطاني وكالة عنه في بغداد ـ أخذت بتأسيس مراكز إسلامية للشيعة، كالمدارس الدينية والمدارس الأكاديمية للبنين والبنات (من الابتدائية إلى الثانوية) ومراكز التعليم المهني للبنين والبنات والمستوصفات وصناديق القرض الخيرية والمكتبات وما إلى ذلك في مختلف مدن العراق، ومستشفى في بغداد، وكلية أصول الدين فيها عام 1384 هـ من بعد سنوات من المتابعة والآلام والصعاب. وبالإضافة إلى منبر الخطابة الذي كان لي في محلة الكرّادة الشرقية في بغداد، كان لي فيها كل يوم دروس في الحديث والتفسير والتاريخ الإسلامي والعقيدة، حيث تلقّت استقبالاً حاراً من قبل الشباب من الأساتذة والطلاب.

علوم الحديث: أستاذ! بماذا امتازت بغداد لكي يرسلكم آية الله الحكيم مع الشهيد السيد مهدي الحكيم إليها؟
ـ بغداد تمثل خط المواجهة في الدفاع عن كيان الشيعة في العالم العربي. مركز صناعة الكوادر الغربية في العراق هو بغداد. مراكز التجمعات والأحزاب: القومية، الوطنية، الاشتراكية، الشيوعية، الثقافة العلمانية والغربية، السنية، السلفية، الصوفية وغيرها كانت في بغداد. أهم المراكز الجامعية والإعلامية في العراق كانت في بغداد. فعلى حوزة النجف أن تقول كلمتها في بغداد. كما كان على حوزة قم آنذاك أن تقدّم جواباً للشبهات المطروحة في طهران وتستخدم الإمكانات المتاحة فيها. أضف إلى أن الشيعة وعلماءها كان لهم مركز في بغداد وكان من اللازم توجيه وقيادة المجتمع الشيعي في الكاظمية وألّا ندع الشباب والفتيان الشيعة في شراك كل هذه الضلالات والشبهات. في النجف وكربلاء كان هناك من يقوم بالأمر وبدأوا العمل، إلا أنه في بغداد والكاظمية لم يكن أحد ليوجّه ويقود، من هنا كلفني آية الله الحكيم بهذه المهمة بالذات وكان يؤكدها باستمرار. كانت الظروف تصعب يوماً بعد آخر: انقلاب عبد الكريم قاسم وسقوط الحكم الملكي في عام 1958م، انقلاب عبد السلام عارف عام 1963م ورئاسة أحمد حسن البكر للوزارة، انقلاب البعثيين في عام 1968م وهيمنة حزب البعث على العراق، ولكننا كنا نحن أيضاً نغيّر وباستمرار أشكال نشاطاتنا الثقافية والاجتماعية وأساليبنا في الجهاد والمواجهة بحسب ما كانت تقتضيه الظروف حتى كان عام 1389هـ [1968م] حين أرادوا اعتقالي بسبب معارضتي لحزب البعث ومن بعد خروج السيد مهدي من العراق حيث داهموا داري فلجأت إلى بيروت.

علوم الحديث: عندما نرجع إلى تاريخ كتبكم أو إلى مقدماتها نجد أنها تعود بالدرجة الأولى إلى تلك السنوات الصعبة من النضال، ذلك النضال الذي أشرتم إليها بصورة عابرة فقط ونحن قرأنا فصولاً أخرى منه في تاريخ العراق الحديث[1]: تأسيسكم لـ (حزب الدعوة الإسلامية) مع الشهيدين السيد محمد باقر الصدر والسيد مهدي الحكيم. ومن بعد اعتزال النشاط الحزبي، أسستم وترأستم (جماعة علماء بغداد). وعندما بدأ آية الله السيد محسن الحكيم ـ ره ـ بمواجهة الأحزاب اليسارية الحاكمة، كنتم على واجهة السياسة الشيعية في العراق، كان أصحابكم يسجنون ويعذبون وأنتم تعيشون هاجس الاعتقال ... فكيف استطعتم في وسط هذا التيار المتلاطم تأليف "عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى" و"أحاديث أم المؤمنين عائشة" و"مئة وخمسون صحابي مختلق"؟
ـ عندما هربت من العراق لم أكن أخشى على نفسي بالذات. كنت أخاف أن أُعتقل ثم يختلقون لي حديثاً ليقولوا إن السيد مرتضى العسكري كان جاسوساً أمريكياً وهذه اعترافاته، فيلوثون بذلك سمعتي وسمعة علماء الشيعة. كان البعثيون يفعلون ذلك كثيراً.
كل من يتوجه بوعي وإنصاف وحب إلى سنة النبي (ص) والأصحاب والأئمة (ع) يشعر بقوة في وجوده... يشعر أن روح أبي ذر وسلمان وبلال وميثم التمار معه... إدراك ما عاناه النبي الأكرم (ص) وأمير المؤمنين (ع) يهوّن الكثير من المشاكل والصعاب. كلما ازداد المؤمن معرفةً بكلام وأفعال من يقتدي به، تعمّق إيمانه وازداد ثباته.
التعامل عن قرب مع التفسير والسيرة هو أقوى عامل كان يدفعني للعمل على (بناء مجتمع) يقوم على أساس القرآن ومذهب أهل البيت. وكنت أعلم من أول الأمر أنه طريق صعب. كانت داري تُراقب وتُفتّش. وعندما انكسرت في مواجهتي للبعثيين وذهبت إلى بيروت اعتقل الجيش العراقي أسرتي عند الحدود الأردنية. وفي بيروت كان أزلام البعث يحاولون اغتيالي. ولأجل ذلك جئت إلى إيران. وإلا فمقارعة الطاغوت لم ترهقنا وواصلنا العمل بنحو آخر، إلا أن هذه كانت واجباتي العامة. واجبي الخاص كداعية ومبلغ دين، كان ولا يزال هو الدرس والتأليف وتربية المؤمنين والدعاة.

علوم الحديث: كيف دخلتم موضوع عبد الله بن سبأ وأحاديث عائشة والصحابة المختلقين؟
ـ أي تحقيق يبتغي كتابة التاريخ الصحيح لصدر الإسلام (أي من بداية الدعوة وإلى نهاية عصر الأئمة) ولا سيما كيفية تكوّن التشيع ومذهب أهل البيت (ع)، يصل إلى منعطف من الأحاديث والروايات المشهورة والمقبولة عند المسلمين قاطبة والمؤرخين وكتّاب السير والمحدثين، وهذه الروايات بنظري لا يمكن التعويل عليها من الناحية العلمية وتنبئ عن يد محرفة في تاريخ الإسلام، يد جعلت من مذهب على البيت على الهامش. كشف النقاب عن هذه الحقيقة زلزل الصرح الذي بناه كبار المؤرخين من أهل السنة (كالطبري).
ومنذ سنين طوال بدأت حركة تحقيق ونشر مراجع الحديث والسيرة والتفسير الروائي عند أهل السنة. كان العالم الإسلامي يمد عينيه إلى القاهرة أن تقدم آخر المؤلفات والمصادر في الإسلام وتعاليمه، إلا أن هذه الكتب جميعاً هي من نتاج مدرسة الخلفاء. وهنا أثمرت جهودي ـ بحمد الله ـ ووجهت الأنظار إلى مذهب أهل البيت (ع) والحوزة الشيعية. الكتب التي ذكرتها أنت طبعت مرات عديدة في القاهرة وبيروت بإذن أو من دون إذن مني وكتب علماء السنة وأساتذتهم مقدمات أو نقود عليها وترجمت إلى لغات متعددة وأتصور أنها تركت أثراً ـ بحول الله ـ في حركة الفكر الإسلامي.

علوم الحديث: نرجو أن تبينوا لنا الموضوعات الأخرى التي تناولتموها بالبحث.
ـ من بعد الكشف عن الرواة المختلقين والروايات الكاذبة وظاهرة وضع الأحاديث في مدرسة الخلفاء، جعلت من معالم هاتين المدرستين (أهل البيت والخلفاء) محوراً لبحوثي. العمل الآخر هو مشروع واضح وموثّق عن دور الأئمة في بعث الدين. ذلك أني أعتقد شخصياً بأن أهل السنة لا ينكرون المكانة العلمية والمعنوية لأهل البيت وهذه نقطة انطلاق جيدة لأي حوار أو اتصال، وهذا على خلاف البحوث التاريخية التي يدور فيها سجال طويل. العمل الآخر هو إثبات وحدة سنة الأئمة وسنة النبي الأكرم، أو بتعبير آخر هو نبويّة كل أحاديث أئمة الشيعة وبأسانيد راقية. فتاوى الأئمة أيضاً كانت على أساس السنة النبوية. من بحوثي الأخرى موضوع يعود إلى مسألة عدم تحريف القرآن. ففي مؤلفاتي السابقة تناولت موضوع (كتابة القرآن) ولما وجدت أنهم يرون أن الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن كتبت بحث (جمع القرآن) في ضوء وثائق كل من المدرستين وقدمت نظرية (الوحي القرآني ـ الوحي البياني) التي استطاعت الإجابة عن كثير من الشبهات المثارة حول القرآن وتوضيح معنى الأحاديث التي أُسيء فهمها. من بحوثي الموسعة الأخرى هو استخراج عقائد الإسلام من باطن القرآن الكريم والذي آمل أن يقرّب بين المذاهب الإسلامية. وهنا أشير مرة أخرى إلى أني في مقالاتي وكلماتي وفي كل بلد ذهبت إليه ـ حتى بين السلفيين والوهابيين ـ طرحت هذه النقطة وهي أنه ما دام كل مذهب يعتقد بأن سنة النبي (ص) تنحصر بما لديه هو من روايات ويرفض بشكل كامل السنة التي عند غيره فإننا سنبتعد عن الوحدة والحكومة الإسلامية العالمية يوماً بعد يوم.

علوم الحديث: ما هو دور الحديث في إيضاح المعارف الدينية بنظركم يا أستاذ؟ كما نرجو توضيح مكانة السنة من القرآن؟
ـ أتناول هذا الموضوع باختصار باعتبار أني طرحته في ندوة دار الحديث وأنتم طبعتموه في مجلة "علوم الحديث" [العدد 12].
في المجلد الأول من عقائد الإسلام من القرآن الكريم ذكرت أن الوحي في الأمم السابقة كان يحتوي على كل ما جاء به الدين: الأحكام والعقائد والأخلاق. بمعنى أن تفاصيل الشريعة كانت موجودة في كتابهم السماوي. وباختصار كان ذلك يمثل كل ما لديهم. وبعد وفاة النبي كان الحكام وأصحاب النفوذ يحاولون تدريجاً حذف أو تحريف أو إخفاء ما لا ينسجم مع أهدافهم وميولاتهم من (الكتاب السماوي). وعلى هذا، كانت ربوبية الله تقتضي إرسال نبي آخر من بعد وفاة وصي النبي السابق كي يجدد للناس الشريعة، ولكن...
الدين الخاتم والنبي الخاتم يختلف عن الأديان والأنبياء السابقين. فالله تعالى أراد لهذا الدين أن يبقى إلى الأبد. ولهذا جرت حكمته بإيحاء هذا الدين إلى نبيه بشكلين: إحداهما الوحي باللفظ والمعنى وهو القرآن الذي لا يقبل التحريف، والثاني الوحي بالمعنى واللفظ من النبي وذلك ما نطلق عليه: الحديث، السنة أو السيرة. وبتعبيري الشخصي، كلام النبي وسلوكه هو وحي بياني. النبي الأكرم (ص) نفسه يقول إنه كان يُوحى إليه من غير القرآن مثل القرآن أو أكثر [2]. من هنا، حاجتنا إلى السنة هي بقدر حاجتنا إلى القرآن. فنحن بحاجة إلى الحديث لشرح القرآن وتفصيل محتوياته ومعرفة مصاديق آياته وغير ذلك ولا يمكن أن نصل إلى الإسلام بكتاب الله وحده.
ولذلك جعل الله تعالى تفاصيل الشريعة وجزئياتها في سنة النبي حفاظاً على القرآن من يد المستكبرين وشتى أنواع التحريف. فكلما كانت تنزل آية كان النبي يقول لمن حوله من الكُتّاب اكتبوا، وكان يذكر إلى جانب كل آية وحيها البياني. فمثلاً لا ترون أنتم تفصيل (التيمم) في الآية أو لا تجدون في الآية اسم (رجل منك) الذي يجب عليه إبلاغ سورة البراءة من قبل الله إلى المشركين أو لا تجدون كيفية سكرات الموت وعذاب القبر وغيرها. ما في القرآن هو مجرد أصول العقيدة ونبذة عن الأحكام، ومعانيها وردت في السنة. توضيح هذا الموضوع جاء في المجلد الثاني من القرآن الكريم وروايات المدرستين. سيرة النبي تجسيد للإسلام. إذا لم تكن هناك سنة لما استطعنا العمل بشيء من أحكام الإسلام. وأما عن سبيل التوصل إلى الحديث الصحيح وحفظ الحديث من الوضع والدس والتحريف فقد قرر الأوصياء أمر ذلك كما شرحناه في المجلد الأول من القرآن الكريم وروايات المدرستين.

علوم الحديث: إذا كنتم تقصدون بـ (الأوصياء) (الأئمة)، فنرجو توضيح دليل حجية سنتهم.
ـ دليلنا على حجية قول أئمة أهل البيت (ع) وفعلهم هو دليلنا على حجية سنة النبي الأكرم نفسه. هناك آيات عديدة في القرآن توصي المسلمين بطاعة النبي في أوامره ونواهيه والتأسي بفعله وهناك آيات صريحة في أنه لا يقول إلا الحق ولا يجري على لسانه إلا الوحي وأنه إذا تجاوز ذلك فسيُفعل به كذا وكذا. وأما كيف نربط ـ نحن الشيعة الإمامية ـ سنة أئمتنا بسنة النبي فذاك هو البحث الذي طبع في العدد الأول من مجلتكم (المقالة التي قدمتها إلى المؤتمر العالمي لـ "مكانة السنة في الإسلام" في إسطمبول)، وهنا استعرضها باختصار:
أولاً أن الأئمة صرحوا مراراً أنهم لا يتعاملون بـ (الاجتهاد) و(الظن) و(برأيي) و(ينبغي أن يكون) وأمثال ذلك من التعابير، وأن ما يقولونه في جواب أسئلتنا هو أقوال رسول الله، لا يزيدون عليه من عندهم شيئاً وأن حديثهم هو حديث رسول الله.
ثانياً قال أئمة أهل البيت مراراً إنهم لا يفتون في الأحداث والوقائع والمسائل والفتن إلا على أساس كتاب الله وسنة الرسول وعن يقين من ذلك.
ثالثاً هناك أحاديث متكررة عن الأئمة في أن سندهم إلى الرسول (ص) هو سلسلة آبائهم وأنهم أجازوا الراوي أن يأتي بهذا السند لكل حديث يرونه.
رابعاً تحدث الأئمة وأصحابهم مراراً وتكراراً عن كتابين سميا بـ (الجامعة) و(مصحف علي). هذان الكتابان كتبا بأمر من رسول الله لأوصيائه وبإملاء منه وكتابة الإمام علي (ع) وفيهما أحكام الدين وتفسير الكتاب وعلوم أخرى وهما ميراث انتقل إلى أئمة أهل البيت.
هذه هي أدلتنا على إثبات أن روايات أئمتنا كلها بسند واحد، حديثهم حديث واحد وقولهم قول واحد: هو قول النبي (ص).

علوم الحديث: أستاذ! قضية منع كتابة الحديث تعدّ من الحوادث المهمة في التاريخ الإسلامي. ما هو نظركم في العوامل التي دعت الخلفاء إلى منع إثبات حديث النبي (ص)؟
ـ عندما يثبت أن كل آية في عصر الرسول (ص) كانت تكتب مع شرحها أو تفسيرها أو توضيح مصداقها يتبين السبب في منع كتابة الحديث أيضاً. لا بد من أن نعلم أن الرسول الأكرم نفسه كان يوصي بكتابة الوحي القرآني والوحي البياني. ومن عهد النبي نفسه، كان بعض الحاسدين والحاقدين والوصوليين ممن يفكر بمرحلة ما بعد النبي يسخر بكتابة أقوال النبي وسلوكه على هذا النحو، إلا أن النبي (ص) ظل يوصي بالكتابة (نماذج ذلك تجدونها في سنن أبي داود والمستدرك على الصحيحين) [3]. وفي ظل أجواء كهذه، إلى جانب كل هذه الأحاديث الصريحة في ذم أفراد من قريش والصحابة وبني أمية و... هؤلاء القوم أنفسهم، كيف يمكن لهم الجلوس على منبر رسول الله؟ وكيف يمكنهم إقصاء من امتدحه الله ورسوله؟
فلاحظوا أن شعار (حسبنا كتاب الله) بدأ من فراش رسول الله عندما أراد قرطاساً ودواة ليكتب ما يحول دون ضياع المسلمين، وكان أدني تبعاته هو نصب الوليد ـ الفاسق الذي نزلت فيه آية (النبأ) ـ والياً على الكوفة ومعاوية ـ الذي كان من (الشجرة الملعونة) ـ على الشام وما إلى ذلك، واستمر منع كتابة الحديث باستثناء فترة الإمام علي (ع) وعمر بن عبد العزيز إلى عام 143 للهجرة حين سمح المنصور العباسي بها بهدف مواجهة الإمام الصادق (ع) والعمل على إضعافه.
هذا البحث بوثائقه وتفاصيله موجود في معالم المدرستين وكتابي الجديد: السقيفة.
علوم الحديث: من هو صاحب الدور الرئيس في الحفاظ على موقع الحديث في مذهب أهل البيت (ع)؟
ـ مصنفو الكتب الأربعة والوسائل والبحار لهم حق كبير على الشيعة. وكذلك المفيد وابن طاووس والعلامة الحلي لبحوثهم في نقد ودراية الحديث. إلا أنه لما كان ينبغي الاهتمام بتحقيق نص الحديث إلى جانب سنده، يبدو أن دور الوحيد البهبهاني كان متميزاً جداً على الرغم من أنه لم يُعرّف بالشكل الذي يليق به. وصحيح أنه طوّر علم أصول الفقه وكانت ثمرة جهوده هي صحة استخدام الأحاديث الفقهية، إلا أن أصول الفقه هذا هو الذي أنقذ حديث الشيعة من المصير الذي آل إليه الحديث عند أهل السنة. فهل كان خطر الأخبارية هيناً؟
الأخباريون كانوا يقولون كل ما جاء في الكتب الأربعة صحيح. ولو سار هذا المنهج لآل أمر الشيعة إلى أننا لا نستطيع اليوم أن نصلي حتى صلاة صحيحة واحدة ـ بالشكل الذي كان يصليها الرسول الأكرم. فعلم الأصول هو الذي بعث الحياة في أحاديث الأحكام الشرعية وهذا العلم مفيد ومؤثر في سائر الأحاديث طبعاً.
أنا أعتقد أنه لا ينبغي لأحد أن يكتب كتاباً في الحديث أو حتى في الدعاء وشرحه إلا أن يكون عارفاً بالأصول ويقوم بدراسة نص ودلالة الحديث من بعد دراسة سنده كما هو الأمر في أحاديث الفقه والأحكام. وفي العقيدة والتفسير والأخلاق والسنن أيضاً يجب أن يجري الأمر على هذا المنوال. كل مؤلف في العلوم الإسلامية عليه أن يحسن كتاب الله والسنة الصحيحة والسند الصحيح وقواعد الدراية وعلم الأصول معرفةً واستعمالاً. السابقون منا كانوا يتسامحون في الأحاديث غير الفقهية فدخل الكثير من أحاديث مدرسة الخلفاء والزنادقة عن هذا الطريق إلى المعارف الشيعية والتي يجب تشخيصها وإخراجها، وإلا فإنه ستؤدي إلى انحراف في رؤية من يقرأ كتبنا. هذا هو الأسلوب الذي وضعه الشارع والعقل أمامنا.
ومن بعد المرحوم البهبهاني، قدّم آية الله البروجردي وآية الله الخوئي والحاج الشيخ محمد تقي الشوشتري أعمالاً جيدة خالدة. طبعاً لدي نقد ورأي في قاموس الرجال للعلامة الشوشتري مع أن كتابه الأخبار الدخيلة كان عملاً رائعاً.

علوم الحديث: أستاذ! كيف دخل هذا القدر من الأحاديث غير الصحيحة ـ الذي ذكرتم ـ إلى أحاديث الشيعة؟
ـ سؤالكم هذا هو موضوع حوار موسّع جرى قبل سنين بيننا وبين المرحوم آية الله البروجردي والمرحوم آية الله الخوئي، وكان بشيء من التفصيل مع السيد البروجردي وبنسبة أقل مع السيد الخوئي. لكل من هذين العَلَمين رؤية جيدة في تمييز أحاديث مدرسة الخلفاء عن مدرسة أهل البيت. والجواب في ضوء تحقيقاتي في هذا الموضوع هو أن هناك طريقين:
1 ـ مجموعة من هذه الأحاديث تعود في الأصل إلى مدرسة الخلفاء وأنا أسميها بـ (الروايات المنتقلة). بعض كبار محدثينا تعاملوا مع الأحاديث غير الفقهية بتسامح ولم يتحققوا من السند والمتن بالشكل المطلوب، ولهذا تسربت بعض هذه الأحاديث إلى مجاميع الحديث والتفسير والمصنفات الشيعية. فمثلاً أحاديث اختلاف القراءات (التي تعني ورود القرآن بأشكال متعددة) دخلت تفسير التبيان ومنه إلى مجمع البيان ومنه إلى تفسير أبي الفتوح الرازي ومنه إلى تفسير گازُر وإلى مستدرك الوسائل أو فصل الخطاب للحاج النوري.
ولو كان الشيخ الطوسي قد التزم بالعمل على معرفة الراوي ونقد السند والنص في غير أحاديث الأحكام لما روى في تفسيره (التبيان) شيئاً من أحاديث كتاب القراءات للسياري على الإطلاق. طبعاً علماؤنا الكبار كان لهم في ذلك الزمان مناهجهم وأدلتهم ومشكلاتهم التي لا نقف عليها بشكل كامل، إلا أن هذا القدر من تسامحهم كان له تأثير كبير جداً في رؤى المجتمع الشيعي في القرون الماضية، وهذا التأثير طرحناه في الجلسات الخاصة التي دارت بيني وبين هذين المرجعين الكبيرين اللذين ذكرت. وجرى بيني وبين السيد البروجردي من البحوث في هذا المجال ما لا يمكن نشره...
2 ـ المجموعة الثانية هي أحاديث الزنادقة. هذه الأحاديث كانت تُروى في مدرسة الخلفاء وكان الغلاة يرونها أيضاً. وفي كتاب عبد الله بن سبأ وخمسون ومئة صحابي مختلق أوضحت كيف كانوا ينسبون هذه الأحاديث إلى الصحابة كذباً. هذه الأحاديث تسربت إلى كتب التفسير والأخلاق والأدعية التي تعود إلينا وذكرت لها نماذج في المجلد الثاني من القرآن الكريم وروايات المدرستين والمجلد السابع من قيام الأئمة بإحياء الدين. هذه هي الروايات التي من خلالها يطعن بنا أهل السنة. وكان الغلاة يستخدمون هذه الأحاديث وكل ما كانوا يصنعون هو أن يحشروا كلمة (علي) في وسطها. ولأجل فعالهم تلك لعنهم الأئمة، بل وطرد المحدثون في قم بعضاً منهم من المدينة

علوم الحديث: ما هي الموضوعات الحديثية التي تقترحونها للبحث والتحقيق؟
ـ أعتقد حالياً أن العمل الذي ربما يكون أفضل وأكبر من عمل المرحوم الوحيد البهبهاني هو أن ننهض لتنقية مجاميع أحاديثنا. على الحوزة العلمية اليوم أن توظّف مجموعات في فروع مختلفة تقوم كل منها بدراسة أحاديث موضوع معين وتشخيص كل حديث لم يرد عن النبي وأهل البيت... سواء في العقيدة أو الأخلاق أو الآداب أو التفسير أو غيرها.

علوم الحديث: عفواً أستاذ! هل تهدفون إلى نتيجة أو ثمرة معينة من وراء هذا المشروع؟
ـ نعم، فائدته الأولى الحصول على مجموعة معارف أنقى عن الدين (طبقاً لمذهب أهل البيت). الفائدة الأخرى هي حل العديد من التعارضات والإجابة عن الكثير من الشبهات التي هي في الأساس يجب أن يجيب عنها أهل السنة وليس لها علاقة بالنظام المعرفي لأهل البيت وهي تشغل عقولنا وتفكيرنا بلا طائل (من قبيل مسألة القراءات وموضوع تحريف القرآن).
وعلى أي حال، نحن لا نقصد الجدال وتشديد الفرقة. المشكلة هي أن وضع الحديث جرى بشكل كبير في مدرسة الخلفاء على أي حال. فمعاوية أسس مصنعاً للحديث. ووضع آخرون الأحاديث طلباً لرضا الله والترغيب في الإسلام والإيمان. وفي هذه المدرسة ظهرت مذاهب تجوّز الكذب. رووا الإسرائيليات. فإذا أوصى أئمتنا بترجيح أحاديث مدرسة أهل البيت حلاً لتعارض أحاديث المدرستين فذاك لأن كل هذه الأفعال التي ذكرناها هي محرمة وممنوعة عند الشيعة. وكان أئمة أهل البيت قد طردوا الغلاة ووضّاع الحديث والكذابين وعرّفوهم بأسمائهم. فنحن مضطرون إلى التعامل بحذر مع أحاديث مدرسة الخلفاء.

علوم الحديث: نرجو أن توضحوا أيضاً موقع الكتب الأربعة عند الشيعة؟
ـ هذه هي أمهات كتب الحديث عندنا. اتصالنا بالنبي (ص) وأهل البيت (ع) هو عن طريق هذه الكتب الأربعة. في كلمتي في تركيا شرحت ما هو تقويمنا لهذه الكتب الأربعة. بين هذه الكتب والمعصوم هناك واسطة واحدة هي الأصول الأربعمئة للشيعة، أي الكتب الحديثية الصغيرة التي أخذت أحاديثها عن المعصوم. الكتب الأربعة هي أصول العمل عندنا، إلا أنه في مدرسة أهل البيت لا نؤمن بكتاب معصوم من الخطأ والسهو والنسيان غير القرآن دون سواه من الكتب الأخرى. ولذلك يجب أن تمر أحاديث هذه الكتب من تحت مجهر قواعد الأصول والدراية قبل أي استخدام لها.

علوم الحديث: أستاذ! آخر كتاب رأيناه لك هو القرآن الكريم وروايات المدرستين وهو عبارة عن تحقيق حديثي ـ قرآني. هذا الكتاب إلى كم مجلد سيصل وما هو الهدف منه؟
ـ لا بد أنكم تعرفون أن الحاج النوري لديه كتاب باسم فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب. هذا الكتاب كان بطبعة الحجر القديمة ومن النادر أن رآه أحد من الشيعة والسنة. بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، أخذ إحسان ظهير فصلاً من هذا الكتاب يحتوي على أحاديث الشيعة في باب تحريف القرآن وطبعه بأموال الوهابية وجعل اسمه: الشيعة والقرآن. وهذا الكتاب وأمثاله أدى إلى طبع نحو من مئتي كتاب صغير وكبير من بعد الثورة في الرد على الشيعة في الهند وحدها. هذا في حين أن أساس كلام الحاج النوري كان خطأً ومنهجه في البحث فيه إشكال ووثائقه لا يُعتمد عليها أو أنها لم تكن شيعية أو لا علاقة لها بالموضوع وإنما كان فهمه لها خطأً.
في كتاب القرآن وروايات المدرستين حاولت تقديم كل معتقدات الشيعة حول القرآن بصورة جلية وموثقة ومصنفة. فجئت بالاصطلاحات المتعلقة بالقرآن وتاريخ جمعه وكتابته ثم تناولت البحوث التمهيدية حول مكانة القرآن في المدرستين ومنها (صيانة القرآن من التحريف)، وفي المجلد الثاني نفسه أوردت عدداً كبيراً من روايات أهل السنة حتى من الصحاح تدل على تحريف القرآن، إلا أني أثبت إشكالاً فيها واحدةً واحدةً سنداً ونصاً، بل والكثير منها منسوب إلى الصحابة عن طريق الزنادقة وأن هذه الروايات غير صحيحة بشكل عام. أحد أبواب كتاب الحاج النوري هو استدلاله بأحاديث أهل السنة هذه التي تدل على تحريف القرآن، إلا أنها أحاديث لا يعتمد عليها. من قبيل القصة التي تقول إن عائشة أرادت من رجال طلبوا منها سماع الحديث أن يشربوا خمس مرات من لبن بنات أختها أو أخيها كي يصبحوا محرماً عليها. وعندما اعترض عليها نساء النبي في مصدر هذا الحكم قالت (بأن هناك سورة كتبت على جريد النخل نسخت حكم الرضاع السابق. وعندما كنا نكفّن النبي وندفنه جاءت ماعز وأكلتها!).
كان الحاج النوري يستند إلى أي رواية ليثبت ـ طبقاً للرواية المشهورة ـ جريان كل ما مر على الأمم السابقة في هذه الأمة أيضاً ولو كان تحريف الكتاب! وفي الجواب قلت نعم إنهم حرفوا لفظ القرآن ومعناه ولكن لا ما بين الدفتين، بل في الأقوال والكتابات الأخرى. أرادوا التحريف إلا أنه لم يتطرق التحريف إلى ذلك الكتاب السماوي، كما ألقوا إبراهيم في النار فحفظة الله منها ولم يحترق.
المجلد الثالث من الكتاب يتناول دراسة أكثر من ألف رواية منسوبة إلى الشيعة أوردها الحاج النوري وإحسان ظهير. وفي مقدمة هذا القسم جئت بآراء كبار العلماء والمحدثين الشيعة في رد نظرية التحريف، من ابن شاذان ـ المعاصر للائمة ـ وإلى المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وهكذا إلى الإمام الخميني. فإجماع علماء الشيعة أساساً على أنه لم تتغير حتى كلمة واحدة من القرآن ولم يتغير موضعها أيضاً. من بعد ذلك قمت بدراسة أكثر من ألف رواية واحدةً واحدةً سنداً ومتناً مبيناً ضعفها أو مثبتاً أن المراد منها انفصال الوحي البياني (تفسير النبي) عن الوحي القرآني.
وطرحت نظريتي هناك من أن آيات وسور القرآن بل وحتى كلمات وحروف القرآن تقع في نظم معنوي داخلي خاص (مشابه للنظم الصوتي) سميته (الوزن) معتقداً أنه لا يمكن تغيير حتى كلمات وحروف القرآن بسبب هذا الطراز والنظم. ولعلي اليوم لا أستطيع إثبات هذه القضية بالشكل المطلوب، إلا أني واثق من أنهم في المستقبل سيثبتون ذلك. ذلك أنه لدي إدراك وإحساس شخصي لهذا (الوزن)، إلا أن توضيحه للآخرين صعب.
الأحاديث الموجودة في كتب أهل السنة والتي تعزو إلى الصحابة قول النبي بإمكان قراءة القرآن بأي شكل بشرط ألا تصبح آية الرحمة عذاباً ولا آية العذاب رحمة... أو الأحاديث التي تقول بالإمكان وضع (أسرع) أو (هلمّ) بدل (أقبل) في الآية... من الواضح أن وضّاعها ليسوا من العرب. فالصحابة كانوا عرباً ويعلمون جيداً أنه لا يمكن وضع أي من هذه الأفعال بدل الآخر. وأنا أتصور أن زنادقة الشام الذين كان يدعمهم بنو أمية هم الذين وضعوا أحاديث من هذا القبيل ونسبوها إلى الصحابة، فشخص مثل ابن أبي العوجاء الذي قتله العباسيون في عام 150 للهجرة بسبب وضعه للأحاديث قال حين موته: (لئن قتلتموني، فقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحلل فيها ما حرم الله وأحرم فيها ما أحل الله!).
أضرب مثلاً آخر حول مفردات القرآن. نقرأ في سورة (تبّت): (في جيدها حبل من مسد). في العربية هناك ثلاثة ألفاظ للرقبة: جيد، عنق، رقبة. وكل من هذه له معناه الخاص إلى جانب معناه العام، ولذلك لا يمكن استبدال واحدة بأخرى، بمعنى أن الفصحاء لا يستعملونها بهذا الشكل. في (العنق) نجد معنى الرقبة الطبيعة التي فيها الطويل والقصير. وفي (الرقبة) نجد معنى النفس الإنسانية. وفي كلمة (جيد) نجد مضمون الجمال. يقول الإمام الحسين في خطبته في مكة: (خُط الموت على ابن آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة...). إذن لا يمكن استبدال (جيد) بأيٍ من تلك الكلمتين، لأن وزن الآية أو نظمها المعنوي يختل. إدراك هذا النظم بحاجة إلى تخصص وربما لو لم أكن قد عشت في بيئة عربية وأدبية ولم أعمل بهذا القدر على فهم لغة العرب في زمن النبي (ص) لما ادعيت شيئاً من هذا القبيل. وفي ضوء هذا الإدراك حققت ورأيت مثلاً أن السياري صاحب كتاب القراءات كان إيرانياً وكاتباً لآل طاهر، أو وجدت علاقة بين سورة (ق) وحرف القاف وسورة (ص) وحرف الصاد. يقول أمير المؤمنين (ع) في القرآن: (لا تنقضي عجائبه).

علوم الحديث: أستاذ! ذكرتم الإمام الراحل، فهل يمكن أن تحدثونا عن سابق معرفتكم بالإمام.
ـ كان للإمام في قم مجموعة أصدقاء: السيد أحمد لواساني (الأخ الأكبر للسيد صادق)، الحاج السيد علي تهجدي (أخي وأكبر مني)، الحاج الشيخ محمد علي أديب الطهراني وغيرهم ممن لا أذكر. أخي الأكبر مني كان تلميذ الميرزا حسين النائيني وزميل مباحثة لآية الله الخوئي حيث جاء من النجف إلى قم وبعدها ذهب إلى ساوه ليسكن فيها. وعلى هذا فأنا أعرف الإمام من مقتبل شبابي. كما ذكرت أني كنت أحضر درسه في الكلام والعقيدة حتى رجعت إلى العراق. ومن بعد نفيه إلى العراق، وبمجرد دخوله إلى بغداد ذهبت مع صديقين لاستقباله وقدمنا له بعض الخدمات في الكاظمية. ومن الصدف أنه لم يأت أحد غيرنا. جئت أنا والشهيد الحاج عبد الصاحب دخيل ـ الذي ألقاه البعثيون في حوض التيزاب ـ والشهيد محمد هادي السبيتي. قلنا للإمام: بماذا تأمرون؟ ما الذي يمكن أن نقدمه؟ قال: لا، لا أحتاج شيئاً. طبعاً في تلك الأيام كنت أنا على واجهة السياسة الشيعية في العراق ـ كما أشرتم آنفاً ـ وأرأس (جماعة علماء بغداد والكاظمية) التي كانت تشبه (جماعة العلماء المجاهدين في طهران) ولهذا لم أستطع تكوين علاقة علنية مع الإمام، لأن ذلك يؤدي إلى مشاكل لكلا الطرفين. أعضاء الجماعة الآخرون كانوا السيد إسماعيل الصدر، الشيخ علي الصغير، السيد مهدي الحكيم والسيد هادي الحكيم. في تلك الأيام كنت معارضاً لرؤساء الجمهورية في العراق ولم أكن أستطيع رؤية الإمام إلا في التجمعات والمجالس العامة.
طبعاً غير تلك المرة، ذهبت للقائه في النجف ثلاث مرات أخرى، وكان ذلك في الليل ولم يجرِ بيننا أي كلام في السياسة. في إحداها تحدثنا عن أوضاع إحدى المدن الإيرانية واشتكيت عنده على عالم تلك المدينة (وهو متوفى الآن ولا أذكر اسمه). قال الإمام إن سوء أوضاع تلك المدينة هي بسبب ذلك العالم أيضاً. كنت ليلتها مع الشيخ نصر الله الخلخالي. وبعد أن ودعته لاحظت أنه لا يوجد إلا مصباح 100 واط واحد مُضاء في غرفة استقباله. قلت للشيخ نصر الله: لماذا لا تهتمون بأوضاع هذا البيت؟ قال: الإمام نفسه يرفض ذلك.

علوم الحديث: أستاذ! هل تعرفون الإمام (محدثاً) بالمعنى الاصطلاحي؟
ـ الإمام أستاذ في الحديث وعلوم الحديث بالمعنى الخاص للكلمة كما أنه كان بالمعنى العام من مصاديق (فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا). وأساساً، كبار فقهاء الشيعة متمكنون في الحديث أيضاً. فهم لا يتجهون فجأة إلى الفقه والأصول. هناك مسيرة طويلة يجب قطعها. الفقيه الشيعي في الحقيقة يحصل على عدة شهادات دكتوراه لكي يُعطى شهادة اجتهاد. ولذلك فإني لا أعتمد على معلومات المتخصصين في الإسلام القادمين من باريس ولندن وأرى أن عملهم سطحي وانتقائي ومُهدِّم. وبالإضافة إلى التبحر العام الذي لدى الفقهاء، كان الإمام محدثاً ناجحاً أيضاً، لأنه كان ذا شمولية نادرة. فليس ببالي أحد من علماء الشيعة يمتلك شموليته. وهذه الشمولية تؤثر في فهم الحديث أكيداً. فانظروا إلى كتابه "الأربعون حديثاً" أو شرح حديث جنود العقل والجهل أو شرح دعاء السحر. هذه كلها تعكس مهارته في فهم الحديث. كما أن الإمام دقيق جداً في الرجال ونقد الرجال. فمثلاً يرى أن أحمد بن محمد السياري، صاحب كتاب القراءات (في غاية الضعف) [4] وغالباً ما يعتبر الكتب الروائية للحاج النوري (لا يعتمد عليها) ويقول: والعجب من معاصريه كيف ذهلوا وغفلوا حتى وقع ما وقع مما بكت عليه السماوات وكادت تدكدك على الأرض! [5] فقهاؤنا في الغالب لا يرون لأنفسهم تكليفاً أكثر من البحوث والمؤلفات الفقهية، إلا أن الإمام عندما رأى أن حكمي زاده يبث الشكوك في تعاليم النبي وأهل البيت (ع) ترك درسه وبحثه جانباً وراح يؤلف "كشف الأسرار" الذي كان كلمة الفصل والجواب الأكمل آنذاك. إدراك الواجب والتكليف هذا هو الذي أينع ثمار الثورة واستطعنا أنا وأنتم الآن التحاور في الحديث وعلوم الحديث ولدينا كلية أصول الدين.[6] كل تلك الطمأنينة الروحية، كل تلك القوة في مواجهة الطاغوت، كل ذلك الثبات في قبال الصعاب والمشكلات... هي نتيجة تربية النفس بعمق وطلب العلم بجد. هذا أدركته من أول يوم بدأت فيه حركة الإمام ولذلك لم أتردد في صحة طريقه وسلامة نفسه أبداً، لا في الثورة ولا في الأزمات التي كانت بعدها ولا في الحرب. لأذكر لكم هذه الحادثة...
من بعد حادثة التجاوز على طلاب المدرسة الفيضية، أقمت الفاتحة على الشهداء في حسينيتي في بغداد وملأ شبابنا بغداد بالشعارات والكتابات على الجدران (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً...) من بعدها ذهبت إلى الحج وكان السعوديون مشغولين بتأسيس (الجامعة الإسلامية). فدعاني بن باز وذهبت وتناولت في كلمتي أوضاع المسلمين في الجزائر وفلسطين وواصلت الحديث بأن هناك في إيران جامعة تشبه (الأزهر) تسمى (الفيضية) ولعلكم لا تعلمون بأن طلابها قبل حين تعرضوا للضرب والقتل وإلى آخره.
وفي سفر الحج هذا، من بعد عرفات، كان لأبي الأعلى المودودي خطبة في مسجد كبير. فذهبت إليها أنا والشهيد عبد المنعم الشوكي. كان أبو الأعلى في يومها ذا مكانة في العالم الإسلامي وكان يعمل بنظرية الخلافة الإسلامية. قال في كلمته إن المسلمين بحاجة إلى ثمانية أمور لكي يعودوا إلى قوتهم التي كانوا عليها في عصر النبوة. كان عريف المجلس هو إمام جماعة ذلك المسجد نفسه. فأرسلت رفيقي لكي يقول إن أحد علماء بغداد لديه كلام يؤيد به المودودي. فذهب وقال (كبير علماء بغداد) فتصوروا أن ذلك العالم هو من أهل السنة كما هو معتاد (لأن عبد المنعم كان يضع على رأسه الكوفية دون العمامة). فذهبت إلى المنصة ووقفت إلى جانبه وكان رجلاً مُسناً جالساً فأثنيت عليه باختصار وقلت إني قرأت كتبه وأضفت أن المسلمين بنظري يحتاجون إلى ثلاثة أمور فحسب:
الأول هو معرفة سنة النبي الأكرم بمعناها العام (لا الصحيحين فقط).
الثاني وحدة المسلمين ودفاعهم عن بعضهم بجدية. وهنا أعدت الحديث عن قضية المدرسة الفيضية وقلت: لعلكم لا تعلمون بأنه حدث كذا وكذا...
الثالث الإيمان، إيمان مثل بلال والخباب وعمار وسمية، وحكيت قصة التعذيب والمقاومة التي كانت لهم في أرض الحجاز هذه وكنت على درجة من الجدية والعمق في الحديث بحيث أخذتني العبرة وأهل السنة ـ الذين لا يبكون أساساً ـ راحوا يجهشون بالبكاء قائمين وجالسين وسالت دموعهم وأخذوا يقبلون رأسي ووجهي بعد انتهاء الكلمة. من بعد ذلك ذهبت إلى بيت المقدس وصليت في المسجد الأقصى وهناك أيضاً أعدت الحديث عن الفيضية وشهداء الفيضية.

علوم الحديث: أستاذ! سؤالنا الأخير، نرجو أن تحدثونا عن (كلية أصول الدين) هذه كيف تأسست؟
ـ تلك الكلية التي أسستها في بغداد تعطلت بانقلاب حزب البعث [1968م] وخروجي من العراق. وفي إيران فكرت بتأسيس مركز للنشاطات التبليغية والعلمية والتعليمية، وهكذا كان الأمر قبل الثورة حيث قمت بتأسيس (المجمع العلمي الإسلامي) بالتعاون مع بعض الأصدقاء. هذا المجمع كانت له لجنة علمية ونشاطات ثقافية وتعليمية وقام بتأليف وتحقيق ونشر بعض المناهج الدراسية في العلوم الإسلامية ولا بد أنكم رأيتموها. نشاطات هذا المجمع انحصرت تدريجاً بنشر المناهج الدراسية الحوزوية.
وعندما أقرّ المجلس الأعلى للثورة الثقافية تأسيس مراكز تعليمية عليا أهلية غير حكومية، قدمت مع أربعة من الأصدقاء طلباً لتأسيس (كلية أصول الدين) فجاءت الموافقة عليه في كانون الأول من عام 1995م وأخذت الكلية تستقبل الطلاب في قم عام 1996م وفي قم وطهران في العام الذي تلاه لدراسة الماجستير في علوم القرآن والحديث. في عام 1998م افتتح فرع الكلية في دزفول وهو يعمل على مستوى البكالوريوس فقط.

علوم الحديث: نشكركم مرة أخرى على إتاحة هذه الفرصة للحديث معكم.
ـ وأنا أشكركم أيضاً. وفقكم الله وزملاءكم في دار الحديث.

ملحق الحديث:
بعض مؤلفات آية الله السيد مرتضى العسكري
ـ أحاديث أمّ المؤمنين عائشة (أربعة أجزاء في مجلدين)
ـ خمسون ومئة صحابي مُختلَق (ثلاثة مجلدات)
ـ عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى (مجلدان)
ـ معالم المَدرستَين (ثلاثة مجلدات)
ـ القرآن الكريم وروايات المدرستين (ثلاثة مجلدات)
ـ عقائد الإسلام من القرآن الكريم (ثلاثة مجلدات)
ـ قيام الأئمّة بإحياء الدين (أربعة عشر مجلداً)
ـ دور الأئمّة في إحياء السنّة
ـ مقدّمة (مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول) (مجلدان)
ـ مع أبي الفتوح التليدي في كتابه: (الأنوار الباهرة)
ـ مع الدكتور الوردي في كتابه: (وعّاظ السلاطين) (المجلد الأول)
ـ آراء وأصداء حول عبد الله بن سبا وروايات سيف بن عمر
ـ طبّ الرضا (ع) وطبّ الصادق (ع)
ـ مصطلحات إسلامية
ـ على مائدة الكتاب والسنّة (19 مجلداً): السجدة على التربة، البكاء على الميّت، زيارة قبور الأنبياء والأئمّة والصلحاء، التوسّل بالنبي (ص) والتبرّك بآثاره، الصلوات على محمد (ص) وآله، يكون لهذه الأمّّة اثنا عشر قيّماً، عدالة الصحابة، عصمة الأنبياء، البناء على قبور الأنبياء والأولياء، الشفاعة، البَداء، الجبر والتفويض والقضاء والقَدَر، صلاة أبي بكر، المتعة أو الزواج المؤقّت، حديث الكساء من طُرق الفريقين، تعليم الصلاة، المصحف في روايات الفريقين، صفات الله ـ جلّ جلاله ـ في روايات الفريقين، آية التطهير في مصادر الفريقين.*
ويُذكر هنا أن القائمة أعلاه لا تحتوي مؤلفات السيد العسكري باللغة الفارسية، ومقالاته وكلماته الصادرة في إيران، ومقدماته على بعض المؤلفات، وكذلك مؤلفاته الصادرة في خارج إيران.


1 . كمثال على ذلك كتاب: فصول من تجربة الحركة الإسلامية في العراق خلال 40 عاماً، صلاح الخرسان، دمشق: المؤسسة العربية للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1999م.
2 . سنن أبى داود، ج 2، ص 45؛ السنن الكبرى، ج 9، ص 204 .
3 . مسند أحمد، ج 2، ص 162، المستدرك على الصحيحين، ج 1، ص 106 .
4 . البيع، ج 3، ص 18 .
5 . أنوار الهداية، ج 1، ص 244 و245 .
6 . إشارة إلى مكان حديثنا معه. وجدير بالذكر أنه يرأس كلية أصول الدين.
* تلبي كلية أصول الدين في قم وطهران حاجات الباحثين بالنسبة إلى هذه المؤلفات.