39
مكاتيب الأئمّة ج2

كتابه عليه السلام إلى المارقين

۰.« من عَبدِ اللّه ِ عليٍّ أميرِ المُؤمِنينَ إلى مَن قُرِئ عَليهِ كتابي هذا ؛ مِنَ المُسلِمينَ والمُؤمِنينَ والمارِقينَ والنَّصارى والمُرتدِّينَ . سلامٌ علَى مَنِ اتَّبعَ الهُدى ، وآمَنَ باللّه ِ ورَسُولِهِ وكتابِهِ ، والبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ وافيا بِعَهْدِ اللّه ِ ؛ ولَم يَكُنْ مِنَ الخائِنينَ .
أمَّا بَعْدُ ؛ فإنِّي أدعوكُم إلى كتابِ اللّه ِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ؛ وأَن أعمَلَ فِيكُم بالحَقِّ وبِما أمَرَ اللّه ُ تعالى فِي كتابِهِ ، فَمَنْ رجَعَ مِنكُمْ إلى رَحْلِهِ وكَفَّ يَدَهُ ، واعتَزَلَ هذا المارِقَ الهالِكَ المُحارِبَ ؛ الَّذي حارَبَ اللّه َ ورَسولَهُ والمُسلِمينَ ، وسعَى في الأرضِ فَسادا ، فَلَهُ الأَمانُ على مالِهِ وَدمِهِ . ومَنْ تابَعَهُ علَى حَرْبِنا والخُروجِ مِنْ طاعَتِنا ، استَعَنَّا باللّه ِ عَليْهِ ، وجَعلْناهُ بَيْننا وَبيْنَهُ ، وكفَى باللّه ِ ولِيّا ، والسَّلامُ » .

قال : فأَخرج مَعْقِل رايةَ أمان فنصبها ، وقال : مَن أتاها من النَّاس فهو آمن ، إلاّ الخِرّيت وأصحابه الَّذِين نابذوا أوّل مرّة ، فتفرَّق عن الخِرّيت كل من كان معه من غير قومه . . . [ ثُمَّ وقعت حرب شديدة ، قتل فيها النَّاجي ] قتله النُّعْمَان بن صهبان الرَّاسبيّ وقتل معه في المعركة سبعون ومئة ، وذهب الباقون في الأرض يمينا وشمالاً . . .
وكتب مَعْقِل إلى عليّ عليه السلام :
أمَّا بعدُ ؛ فإنّي أخبر أمير المؤمنين عن جُنْده ، وعن عدوّه ، أنَّا دفعنا إلى عدوّنا بأسْياف البحر ، فوجدنا بها قبائل ذات حَدّ وعدد ؛ وقد جمعوا لنا ، فدعوناهم إلى الجماعة والطَّاعة ، وإلى حكم الكتاب والسُّنَّة ؛ وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين عليه السلام ، ورفعنا لهم راية أمان ؛ فمالت إلينا طائفة منهم ، وثبتت طائفة أُخرى ، فقبِلْنا أمر الَّتي أقبلت ، وصمَدنْا إلى الَّتي أدبرتْ ، فضرب اللّه وجوههم ،
ونصَرَنا عليهم ؛ فأمّا من كان مسلما ؛ فإنَّا مننَّا عليه ، وأخذنا بيعته لأمير المؤمنين عليه السلام ، وأخذنا منهم الصَّدقة الَّتي كانت عليهم ؛ وأمَّا مَن ارتدَّ فعرضْنا عليهم الرُّجوع إلى الإسلام ؛ وإلاَّ قتلناهم ؛ فرجعوا إلى الإسلام ؛ غيرَ رجل واحد فقتلناه ؛ وأمَّا النَّصارى ؛ فإنَّا سبيْناهم وأقبلنا بهم ؛ ليكونوا نَكالا لمن بعدهم من أهل الذِّمة ، كي لا يمنعوا الجزية ، ولا يجترئوا على قتال أهل القبلة ؛ وهم للصَّغار والذّلّة أهل . رحمك اللّه يا أمير المؤمنين ، وعليك الصَّلاة والسَّلام ، وأوجب لك جنَّات النَّعيم ، والسَّلام .
قال : ثُمَّ أقبل بالأُسارى ، حَتَّى مرّ على مَصْقلة بن هُبيرة الشَّيْبانيّ ، وهو عامل لعليّ عليه السلام على أردَشير خُرَّة ۱ ، وهم خمسمئة إنسان ، فبكى إليه النِّساء والصِّبيان ، وتصايح الرِّجال : يا أبا الفضل ، يا حامل الثِّقَل ، يا مؤوي الضَّعيف ، وفكَّاك العصاة ، امنن علينا فاشترنا وأعتقْنا . . . [ فاشتراه مصقلة على خمسمئة ألف درهم ، على أن يصدر المال أوَّلاً وثانيا ؛ فرجع مَعْقِل إلى عليّ عليه السلام ، وأخبره الخبر ] .
فقال عليه السلام له : « أحسَنْتَ وأصَبْتَ وَوُفِّقْتَ » .
وانتظر عليّ عليه السلام مصقلة أن يبعث بالمال ، فأبطأ به . وبلغ عليَّا عليه السلام أنَّ مصقلة خلَّى الأُسارى ، ولم يسألهم أن يعينوه في فَكاك أنفسهم بشيء .
فقال عليه السلام : « ما أرى مَصْقَلَةَ إلاَّ قَدْ حَمَل حَمالَةً ، ولا أراكُم إلاَّ سَترَوْنَهُ عَنْ قَرِيبٍ مُبَلْدَحا »۲، ثُمَّ كتب إليه :« أمَّا بَعْدُ ؛ فَإنَّ من أعظَمِ الخِيانَةِ ، خِيانَةُ الأُمّةِ . . . » .۳
أقول : زياد بن خصفة ، هو التيميّ البَكريّ ، من المخلصين في ولاء عليّ عليه السلام ، وابنه المجتبى السِّبط الأكبر ، بعثه أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية لإتمام الحجَّة ، والدَّعوة إلى الحقّ . ۴
وهو قاتل عبيد اللّه بن عمر في صفِّين ، كما صرَّح به ابن سعد . ۵
كفى في مدح أمير المؤمنين عليه السلام إيّاه في كتابه إليه : « أنْتَ وأصحابُكَ مأجورون ، فقد أطَعْتُم وسَمِعْتُم وأحسَنْتُم البَلاءَ » . وفي كتابه عليه السلام إلى ابن عبَّاس : « فَنِعْمَ المرءُ زِيادٌ ، ونِعْمَ القَبِيلُ قَبِيلُهُ » .
وعدَّه الطَّبري : من الرُّؤساء الَّذِين كان يخرجهم أمير المؤمنين عليه السلام للحرب في صفِّين ، كل يوم جندا مع رئيس . ۶
وعدَّه الطَّبري : من الَّذِين أرسلهم أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية للاحتجاج ، قال زياد في جواب معاوية : ـ حيث قال معاوية لزياد : فإن قطع أرحامنا ، وقتل إمامنا ، وآوى قتلة صاحبنا ، وإنِّي أسألك النُّصرة بأُسرتك وعشيرتك ولك عليّ عهد اللّه وميثاقه إذا ظهرت أن أُوليك أيَّ المصرين أحببت ـ فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : أمَّا بعدُ ؛ فإنِّي على بيِّنة من ربِّي ، وبما أنعم عليَّ ، فلن أكون ظهيرا للمجرمين . ۷
وعدَّه الطَّبريّ من الرُّؤساء الَّذِين أجابوا أمير المؤمنين عليه السلام للخروج إلى حرب معاوية بعد قصّة الحكمين ، وكتبوا أسماء مقاتلة قومهم ، وبعثه أمير المؤمنين عليه السلام إلى المَدائِن ، لإشخاصهم إلى الحرب . ۸
ولمّا خان خالد بن المعمَّر السُّدوسي ، أو اتَّهم بذلك ، قال : زياد بن خصفة لأمير المؤمنين عليه السلام : يا أمير المؤمنين ، استوثق من ابن المعمَّر بالأيمان لا يغدر . ۹
فقال أبو الصَّلت التَّيميّ :ـ لمّا فرَّ يزيد بن حجية إلى معاوية ـ كان دعاؤه عليه السلام : « اللَّهمَّ إنَّ يزيدَ بنَ حُجَيَّةَ هَرَبَ بمالِ المُسلِمينَ ، ولَحِقَ بالقَوْمِ الفاسِقينَ ، فاكفِنا مَكْرَهُ ، وكَيْدَهُ ، واجزِهِ جَزاءَ الظَّالِمينَ » .
قال : ورفع القوم أيديهم يؤمنون ، وكان في المسجد عفاق بن شرحبيل بن أبي رهم التَّيميّ شيخا كبيرا ، وكان يعدّ ممَّن شهد على حُجْر بن عَدِيّ ، حَتَّى قتله معاوية ، فقال عفاق : على من يدعو القوم ؟ قالوا على يزيد بن حُجَيَّة ، فقال : تربت أيديكم أَعلى أشرافنا تدعون ، فقاموا إليه فضربوه حَتَّى كاد يهلك ، وقام زياد بن خصفة ، وكان من شيعة عليّ عليه السلام . . . يذكر ضرب النَّاس عفاقا :
دَعَوْتُ عِفَاقا لِلهُدى فاستَغَشَّنِيوَوَلَّى فَرِيّا قَولُهُ وهُوَ مُغْضَبُ
وَلوْلا دِفاعِي عَنْ عِفاق ومَشْهَدِيهَوَتْ بِعفاقٍ عَوضُ عَنْقاءَ مُغْرِبُ
أُنَبِّئهُ أَنَّ الهُدى في اتِّباعِنافَيَأْبى ويُضْرِيهِ المِرَاءُ فَيَشْغَبُ
فَإِنْ لا يُشايِعْنا عِفَاقُ فَإِنَّناعلَى الحقِّ ما غَنَّى الحَمَامُ المُطَرِّبُ
سَيُغنِي الإلهُ عَنْ عِفَاقٍ وسَعْيِهِإذا بُعِثَتْ للناسِ جَأْوَاءُ تُحْرَبُ

قَبائِلُ مِنْ حَيَّيْ مَعَدٍّ ومِثْلُهايَمانِيَةٌ لا تَنْثَنِي حِينَ تُنْدَبُ
لَهُم عَدَدٌ مِثلُ التُّرابِ وطَاعَةٌ
تُوَدُّ وبَأْسٌ فِي الوَغى لا يُؤنَّبُ۱۰


فقال زياد بن خصفة ـ بعد غارة بُسْر بن أرطاة وخطبة أمير المؤمنين عليه السلام ـ : نحن شِيعَتُكَ يا أميرَ المؤمنين ، الَّتي لا نعصيك ولا نخالفك ، فقال : « أَجَلْ أَنتُم كَذلِكَ ، فَتَجهَّزُوا إلى غَزوِ الشَّامِ » .۱۱
[ وهو من الَّذِين قاموا إلى الحسن عليه السلام ، وأظهروا له الإخلاص والوفاء والنَّصيحة ، ]فقال لهم : « صَدَقْتُم رَحِمَكُم اللّه ُ ! ما زِلْتُ أَعرِفُكُم بِصِدْقِ النِّيَّةِ والوَفاءِ والقَبُولِ والمَودَّةِ الصَّحِيحَةِ ، فَجزاكُمُ اللّه ُ خَيْرا » .۱۲

1.أرْدَشِيْر خُرَّه ،بالفتح ثُمَّ السُّكون وفتح الدال المهملة، وكسر الشِّين المعجة، وياء ساكنة وراء ، وخاء معجمة مضمومة ، وراء مفتوحة مشدّدة وهاء : من كور فارس ( مراصد الاطلاع ) .

2.المبلدح : الملقى على الأرض من الضرب .

3.شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۳ ص۱۲۸ ـ ۱۴۵ ؛ الغارات : ج۱ ص۳۳۲ ـ ۳۶۴ ، بحار الأنوار : ج ۳۳ ص۴۰۵ ـ ۴۱۹ كلاهما نحوه وراجع : تاريخ الطبري : ج ۳ ص۱۳۷ ـ ۱۴۶ ، تاريخ مدينة دمشق : ج ۵۸ ص۲۷۱ ـ ۲۷۳ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۴۱۷ ـ ۴۲۳ ، الفتوح : ج۴ ص۲۴۲ ـ ۲۴۴ ، أنساب الأشراف : ج ۳ ص۱۷۷ ـ ۱۸۴ .

4.راجع : تاريخ الطبري : ج۵ ص۵ ؛ قاموس الرجال : ج۴ ص۴۹۹ .

5.راجع : الطبقات الكبرى : ج۵ ص۱۸ .

6.تاريخ الطبري : ج۵ ص۱۰ ـ ۱۱ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۳۶۶ .

7.راجع : تاريخ الطبري : ج۵ ص۷ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۳۶۸ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۴ ص۲ ـ ۲۲ ؛ وقعة صفّين : ص۱۹۷ ـ ۱۹۹ ، بحار الأنوار : ج۳۲ ص۴۵۴ ـ ۴۵۵ .

8.راجع : تاريخ الطبري : ج۵ ص۷۹ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۴۰۲ ؛ قاموس الرجال :ج۴ ص۵۰۰ .

9.راجع : وقعة صفِّين : ص۲۸۸ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۵ ص۲۲۶ .

10.شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۴ ص۸۵ وراجع : تاريخ مدينة دمشق : ج۶۵ ص۱۴۹ ؛الغارات : ج۲ ص۵۲۸ و۵۳۰ و۶۳۷ .

11.الغارات: ج ۲ ص ۶۳۷.

12.شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۱۶ ص۳۹ ، مقاتل الطالبيين : ص۷۰ ؛ بحار الأنوار :ج۴۴ ص۵۰ .


مكاتيب الأئمّة ج2
38

كتابه عليه السلام إلى مَعْقِل بن قَيْس

۰.« أمَّا بعدُ ؛ فالحمد للّه على تأييده أولياء ، وخَذْله أعداءه ، جزاك اللّه والمسلمين خيرا ؛ فقد أحسنتم البلاء ، وقضيْتم ما عليكم ، فاسأل عن أخي بني ناجية ، فإن بلَغَك أنَّه استقرّ في بلد من البلدان ، فسِرْ إليه حَتَّى تقتله أو تنفيَه ، فإنَّه لم يزل للمسلمين عدوَّا ، وللفاسقين وليَّا ، والسَّلام » .

قال : فسأل مَعْقِل عن مسيره والمكان الَّذي انتهى إليه ، فنُبِّئ بمكانه بسيف البحر بفارس ، وأنَّه قد ردّ قومه عن طاعة عليّ عليه السلام ، وأفسد من قبله من عبد القَيس ، ومَن والاهم من سائر العرب ، وكان قومه قد منعوا الصَّدقة عام صفِّين ، ومنعوها في ذلك العام أيضا ، فسار إليهم مَعْقِل بن قَيْس في ذلك الجيش من أهل الكوفة والبصرة ، فأخذوا على أرض فارس ، حَتَّى انتهوْا إلى أسياف البحر ؛ فلمَّا سمع الخِرّيت بن راشد بمسيره ، أقبل على من كان معه من أصحابه ـ ممَّن يرى رأي الخوارج ـ فأسرَّ إليهم : إنِّي أرى رأيكم ، وإنَّ عليَّا ما كان ينبغي له أن يحكِّم في دين اللّه . وقال : لمن منع الصَّدقة : شُدُّوا أيديكم على صدقاتكم . قال : فلمَّا رجع مَعْقِل ، قرأ على أصحابه كتابا من عليّ عليه السلام فيه :

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة ج2
    المساعدون :
    فرجي، مجتبي
    المجلدات :
    7
    الناشر :
    دارالحديث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1384 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 33347
الصفحه من 528
طباعه  ارسل الي