203
مكاتيب الأئمّة ج2

مكاتيب الأئمّة ج2
202

175

وصيَّته عليه السلام لابنه محمَّد بن الحَنَفيَّة

۰.« يا بُنَيَّ لا تَقلْ ما لا تَعلَم ، بَل لا تَقُل كلَّ ما تَعلَم ، فإنَّ اللّه َ تَبارَك وتَعالَى قَدْ فَرَضَ علَى جَوارِحِكَ كُلِّها فَرَائِضَ يَحتَجُّ بها علَيْكَ يَوْمَ القِيامَةِ ، ويَسأَلُكَ عَنْها ، وذَكَّرَها
ووَعَظَها ، وحَذَّرَها وأدَّبَها ، ولَمْ يَترُكْها سُدىً .
فقالَ اللّه ُ عز و جل : « وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـئولاً »۱ ، وقال عز و جل : « إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَ هُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ »۲ ، ثُمَّ اسْتعْبدَها بطَاعَتِهِ فقالَ عز و جل : « يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ارْكَعُواْ وَ اسْجُدُواْ وَ اعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَ افْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »۳ ، فَهذِه فَرِيضَةٌ جامِعَةٌ وَاجِبَةٌ علَى الجَوارِحِ .
وقال عز و جل : « وَ أَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا »۴ ، يعْنِي بالمَساجِدِ ، الوَجْهَ ، واليَدَيْنِ ، والرُّكْبَتَيْنِ والإبْهامَينِ .
وَقالَ عز و جل : « وَ مَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لاَ أَبْصَرُكُمْ وَ لاَ جُلُودُكُمْ »۵ ، يعْني بالجُلُودِ الفَروجَ ، ثُمَّ خصَّ كلَّ جَارِحَةٍ مِن جَوَارِحِكَ بفَرْضٍ ، ونَصَّ علَيْها :
فَفَرَضَ علَى السَّمْعِ ، ألاّ تُصغي بهِ إلَى المَعاصِي ، فقال عز و جل : « وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ » ، وقال عز و جل : « وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ »۶ ، ثمَّ اسْتَثْنى عز و جل موْضِعَ النِّسيانِ ، فَقالَ : « وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَالْقَوْمِ الظَّـلِمِينَ »۷ ، وقال عز و جل : « فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَ أُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ »۸ ، وقال عز و جل : « وَ إِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرَامًا »۹ ، وقال عز و جل : « وَ إِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ »۱۰
، فهذا ما فَرَضَ اللّه ُ عز و جل علَى السَّمعِ ، وهوَ عَملُهُ .
وفَرَضَ على البَصر ، ألاّ ينْظرَ إلَى ما حَرَّم اللّه عز و جل علَيْهِ ، فقالَ عَزَّ مَن قائلٍ : « قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَ يَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ »۱۱ ، فَحَرَّمَ أنْ يَنظُرَ أحدٌ إلى فَرْجِ غَيْرِهِ .
وفَرَضَ علَى اللِّسانِ ، الإقْرارَ والتَّعبِيرَ عَنِ القَلبِ بِما عَقَدَ عَلَيْهِ ، فقال عز و جل : « قُولُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا »۱۲ ـ الآية ـ ، وقال عز و جل : « وَ قُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا »۱۳ .
وفَرَضَ على القلبِ ، وهو أمِيرُ الجَوارِحِ ، الَّذِي بهِ تعْقِلُ وتَفْهَمُ وتَصْدُرُ عَن أمْرِهِ ورأيهِ فَقالَ عز و جل : « إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئنُّ بِالاْءِيمَنِ »۱۴ ـ الآية ـ ، وقالَ تَعالَى حِيْنَ أخْبَرَ عَن قومٍ أعطَوا الإِيمانَ بأفواهِهِم ، ولم تُؤمِنْ قلُوبُهُم ، فَقالَ تعالى : « الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوَ هِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ »۱۵ ، وَقالَ عز و جل : « أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ »۱۶
، وقال عز و جل : « وَإِن تُبْدُواْ مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ »۱۷ .
وفَرَضَ علَى اليَدَينِ ألاّ تمدَّهما إلى ما حرَّمَ اللّه ُ عز و جل علَيْكَ ، وأنْ تَستَعمِلَهُما بِطاعَتِهِ ، فقال عز و جل : « يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ »۱۸ ، وقال عز و جل : « فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ »۱۹ .
وفَرَضَ علَى الرِّجْلَينِ أنْ تَنقُلَهما في طاعَتِهِ ، وألاّ تمْشي بِهِما مِشيةَ عاصٍ ، فقال عز و جل : « وَ لاَ تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا »۲۰ ، وقال عز و جل : « الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَ هِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ »۲۱ ، فأخبَرَ عنْها أنَّها تشهَدُ علَى صاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ .
فهذا ما فَرَضَ اللّه ُ تَبارَكَ وتَعالَى علَى جَوارِحِكَ ، فاتَّقِ اللّه َ يا بُنَيَّ ، واسْتَعمِلْها بِطاعَتِهِ ورِضْوانِهِ .
وإيَّاك أنْ يَراكَ اللّه ُ تَعالَى عِنْدَ معْصِيتِهِ ، أو يَفقِدَكَ عِنْدَ طاعَتِهِ ، فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرينَ .
وعلَيْكَ بقراءَةِ القُرآنِ ، والعَملِ بِما فيْهِ ، ولُزُوم فَرائِضِهِ وشَرائِعِهِ ، وحَلالِهِ وحَرامِهِ ، وأمْرِهِ ونَهْيِهِ ، والتَّهجُّدِ بهِ ، وتِلاوَتِهِ في لَيْلِكَ ونَهارِكَ ، فإنَّهُ عَهدٌ مِنَ اللّه ِ تَبارَكَ وتَعالَى إلى خَلقِهِ ، فَهوَ واجِبٌ على كُلِّ مُسلِمٍ أنْ يَنْظر كلَّ يَوْمٍ في عَهْدِهِ ، ولوْ خَمسِينَ آيةً .
واعْلَم أنَّ درجاتِ الجَنَّةِ على عَدَدِ آيات القُرآنِ ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُقال لِقارِئ القُرآنِ : اقْرَأ وارْقَ ، فَلا يكونُ في الجَنَّةِ بَعْد النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ أرفع دَرجَةً مِنْهُ » . ۲۲

1.الإسراء :۳۶ .

2.النور :۱۵ .

3.الحج :۷۷ .

4.الجن :۱۸ .

5.فصلت :۲۲ .

6.الأنعام :۶۸ .

7.الأنعام :۶۸ .

8.الزمر : ۱۷ و ۱۸ .

9.الفرقان : ۷۲ .

10.القصص :۵۵ .

11.النور :۳۰ .

12.البقرة : ۱۳۶ .

13.البقرة :۸۳ .

14.النحل :۱۰۶ .

15.المائدة :۴۱ .

16.الرعد :۲۸ .

17.البقرة :۲۸۴ .

18.المائدة :۶ .

19.محمد :۴ .

20.الإسراء :۳۷ و۳۸ .

21.يس :۶۵ .

22.من لايحضره الفقيه : ج۲ ص۶۲۷ ح۳۲۱۵ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة ج2
    المساعدون :
    فرجي، مجتبي
    المجلدات :
    7
    الناشر :
    دارالحديث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1384 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 33349
الصفحه من 528
طباعه  ارسل الي