539
مكاتيب الأئمّة ج1

مكاتيب الأئمّة ج1
538

140

كتابه عليه السلام إلى الامام الحسن عليه السلام

۰.ذكر محمَّد بن يعقوب الكليني في كتاب( الرَّسائل ) بإسناده إلى أبي جعفر بن عَنْبَسة ، عن عبَّاد بن زياد الأسدي ، عن عَمْر بن أبي المِقْدَام ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : لمَّا أقبَل أمير المؤمنين عليه السلام من صفِّين كتب إلى ابنه الحسن عليه السلام :« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
منَ الوالِد الْفَانِ ، المُقِرِّ للزَّمانِ ، المُدْبِر العُمْرِ ، المُسْتَسْلِمِ لِلدَّهر ، الذَّامِ لِلدُّنيا ، السَّاكِنِ مسَاكِنَ المَوْتى ، والظَّاعِن عنْها غَدا ، إلى المولود المُؤَمِّل ما لا يُدْرَكُ ، السَّالِكِ سَبِيلَ مَن قدْ هَلَكَ ، غَرَضِ الأسْقامِ ، ورَهِينَةِ الأيَّامِ ، ورَمِيَّةِ المَصائِبِ ، وعَبْدِ الدُّنيا ، وتاجِرِ الغُرُور ، وغَرِيم المَنايَا ، وأسيرِ المَوْتِ ، وحَلِيفِ الهُمُوم ، وقَرِين الأحْزان ، ونُصُبِ الآفاتِ ، وصَريعِ الشَّهواتِ ، وخَلِيفَةِ الأمْواتِ .
أمَّا بعدُ ، فإنَّ فِيما تَبَيَّنْتُ من إدْبارِ الدُّنيا عَنِّي ، وجُمُوحِ الدَّهْرِ علَيَّ ، وإقبالِ الآخِرَةِ إليَّ ، ما يَزَعُنِي ۱ عن ذِكْر مَن سِوايَ ، والإهْتِمام بما ورائيَ ، غيرَ أنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بي دُونَ هُموم النَّاس هَمُّ نفْسِي ، فَصَدفَنِي رأيي ، وصَرَفَني عن هوايَ ، وصَرَّحَ لي مَحْضُ أمْري ، فأفْضَى بي إلى جدٍّ لا يَكون فيه لَعِبٌ ، وصِدْقٍ لا يَشُوبُه كَذِبٌ ، ووَجَدْتُك بَعضِي ، بل وَجَدْتُك كُلِّي حَتَّى كأنَّ شَيْئا لو أصابَك أصابَني ، وكأنَّ الموت لوْ أتاك أتانِي ، فَعَنانِي من أمرك ما يَعْنِينِي من أمْر نَفسِي ، فَكَتَبْتُ إليك ، مُسْتَظِهرا ۲ به إنْ أنَا بقيِتُ لكَ أو فَنيتُ .
فإني أوْصِيك بتَقْوَى اللّه ، أي بُنَيَّ ، ولُزُوم أمرِه ، وعِمارَة قلبِك بذكْرِه ، والاعْتِصام بحَبْلِه ، وأيُّ سَبَب أوْثَقُ من سَبَبٍ بيْنَك وبَيْن اللّه ، إنْ أنْتَ أخَذْتَ به ؟
أحْيِ قَلْبَك بالمَوْعِظَة ، وأمِتْهُ بالزَّهْادة ، وقَوِّه باليَقِين ، ونَوِّرْه بالحِكْمَة ، وذَلِّلْهُ بِذِكْر المَوْت ، وقَرِّرْه بالفَناء ، وبَصِّرْه فجائِع الدُّنيا ، وحَذِّرْه صَوْلَةَ الدَّهر ، وفُحْشِ تَقَلُّبِ اللَّيالي والأيَّام ، واعْرِض عليْه أخبارَ الماضِين ، وذَكِّرْه بما أصابَ مَن كان قبلك من الأوَّلين ، وسِرْ في ديارِهم ، وآثارِهِم ، فانْظُر فيما فَعَلوا ، وعمّا انتقلوا ، وأيْنَ حَلُّوا ونَزَلُوا ، فإنَّك تَجِدُهُم قد انْتَقَلُوا عن الأحِبَّة ، وحَلُّوا ديارَ الغُرْبَة ، وكأنَّك عن قَلِيلٍ قد صِرْتَ كأحَدِهِم ، فأصْلِح مَثَواك ، ولا تَبْعِ آخِرَتَك بدُنْياك .
ودَعِ القَوْل فِيما لا تَعْرِفُ ، والخِطابَ فِيما لم تُكَلَّف ، وأمْسِكْ عن طَريق إذا خِفْتَ ضَلالَتَه ، فإنَّ الكَفَّ عنْد حَيْرَة الضَّلالَ خَيْرٌ من رُكُوب الأهْوال ، وَأْمُر بالمَعْرُوف تَكُن من أهلِهِ ، وأنْكِر المُنْكَرَ بيدك ولسانِك ، وبايِنْ مَن فَعَلَه بجُهْدِك ، وجاهِدْ في اللّه حقَّ جهادِه ، ولا تأخُذْك في اللّه لوْمَةُ لائِم ، وخُضِ الغَمَرات للحقِّ حَيْثُ كان ، وتَفَقَّه في الدِّين ، وعَوِّدْ نفْسَك التَّصبّر على المَكْرُوه ، ونِعْمَ الخُلُقُ التَّصَبُرُ ، وأَلْجِئْ نفْسَك في الأُمور كلِّها إلى إلهِك ، فإنَّك تُلْجِئُها إلى كَهْف حَريزٍ ، ومانِعٍ عَزِيزٍ ، وأخْلِص في المسْألَة لِرَبِّكَ ، فإنَّ بيَده العَطاءَ والحِرْمانَ ، وأكْثِرِ الاسْتِخارَةَ ، وتَفَهَّم وَصِيَّتِي ، ولا تَذْهَبَنَّ عنْها صَفْحا ، فإنَّ خَيْر القَوْل ما نَفَعَ ، واعلَم أنَّه لا خَيْرَ في علْم لا يَنْفَع ، ولا يُنْتَفَعُ بعلْمٍ لا يَحِقُّ تَعَلُّمُه .
أي بُنَيَّ إنَّي لَمَّا رأيْتُني قد بَلَغْتُ سِنَّا ، ورأيْتنِي أزْداد وَهْنا ، بادَرْتَ بوَصِيَّتِي إليك ، وأوردتُ خصالاً منْها ، قبْلَ أنْ يعْجَلَ بِي أجَلِي دُونَ أنْ أُفْضِي إليك بما في نفسِي ، وأن أُنْقَصَ في رأيِي كمَا نُقِصْتُ في جسمِي ، أو يَسْبِقَني إليك بَعْضُ غَلَبات الهَوى وفِتَنِ الدُّنْيا ، فتَكون كالصَّعْب النَّفُور ، وإنَّما قلْبُ الحَدَث كالأرض الخاليَة ما
أُلقِي فيها من شَيء إلاَّ قَبِلَتْه ، فبادَرْتُك بالأدب قبْلَ أنْ يَقْسُو قَلبُك ، ويَشْتَغِل لُبُّك ، لتَسْتَقبِلَ بجِدِّ رَأيك من الأمْر ما قَدْ كفَاك أهْلُ التَّجارُب بُغْيَتَه وتَجْرِبَتَه ، فتَكونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤونَة الطَّلب ، وعُوفِيتَ من عِلاج التَّجْرِبَة ، فأتاك من ذلِك ما قَدْ كنَّا نأتيه ، واسْتَبَان لَكَ ما رُبَّما أظْلَمَ علَيْنا منهُ .
أي بُنَيَّ إنِّي وإنْ لم أكنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَنْ كانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ في أعمالهم ، وفَكَّرتُ في أخبارِهِم ، وسِرْتُ في آثارهم ، حَتَّى عُدْتُ كأحَدِهِم ، بل كأ نِّي بما انْتَهى إليَّ مِن أُمُورهم قَدْ عُمِّرْتُ مع أوَّلهم إلى آخِرهِمِ ، فعرفْتُ صَفوَ ذلِك من كَدَرِهِ ، ونَفْعَهُ من ضَرَرِهِ ، فاسْتَخْلَصتُ لَكَ من كلِّ أمْر نخيلَهُ ، وتَوَخَّيتُ لَكَ جَميلَه ، وصَرَفْتُ عنْك مَجْهُولَه ، ورأَيتُ حيث عَنانِي من أمْرك ما يَعْنِي الوالِدَ الشَّفِيقَ ، وأجْمَعتُ علَيْه من أدَبك ، أنْ يكون ذلِك وأنْت مُقْبِلُ العُمْر ومُقْتَبَلُ الدَّهر ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمة ، ونفْسٍ صافِية ، وأنْ أبْتَدئك بتَعْلِيم كتاب اللّه وتأويلِه ، وشَرائِعِ الإسْلامِ وأحكامِهِ ، وحَلالِه وحرامِهِ ، لا أُجاوِزُ ذلِك بك إلى غَيْرِه ، ثُمَّ أشْفَقْتُ أنْ يَلْتَبِس علَيْك ما اخْتَلَف النَّاسُ فيْه من أهوائهم ، مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ علَيْهم ، فكانَ إحْكامُ ذلِك لَكَ على ما كَرِهْتُ من تَنْبِيْهِك لَهُ ، أحَبَّ إليَّ من إسلامِكَ إلى أمْرٍ لا آمَنُ علَيْك بهِ الهَلَكَةَ ، ورَجَوْتُ أنْ يُوَفِّقَك اللّه فيْه لِرُشْدك ، وأنْ يَهدِيَكَ لِقَصدِكَ ، فعَهِدْتُ إلَيْك وَصِيَّتِي هذه .
واعْلَم يا بُنَيَّ أنْ أحَبَّ ما أنْتَ آخِذٌ به إليَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللّه ِ ، والاقْتِصارُ على ما فرَضَهُ اللّه ُ علَيْكَ ، والأخْذُ بما مَضى عليْه الأوَّلون من آبائك ، والصَّالحون من أهل بيتك ، فإنَّهم لم يَدَعُوا أنْ نَظَروا لأنفسهم كمَا أنْت ناظِرٌ ، وفَكَّروا كمَا أنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهم آخِرُ ذلِكَ إلى الأخذِ بما عَرَفُوا ، والإمْساكِ عمَّا لمْ يُكَلَّفوا ، فإنْ أبَتْ نفسُك أنْ تَقبَل ذلِكَ دُونَ أنْ تَعْلَمَ كمَا عَلِمُوا ، فَلْيَكُنْ طَلَبُك ذلِك بتَفَهُّمٍ وتَعَلُّمٍ ، لا بتَوَرُّط الشُّبُهات ، وغُلُوِّ الخصومات ، وابْدَأ قبْلَ نَظَرِكَ في ذلِكَ بالاستِعانَةِ بإلهِكَ ، والرَّغبةِ إليْهِ في تَوْفِيقِكَ ، وتركِ كلِّ شائِبَةٍ أولَجَتْكَ في شُبْهَةٍ ، أو أسْلَمَتْكَ إلى ضَلالَةٍ ، فإذا أيقَنْتَ أنْ قَدْ صَفى قَلْبُكَ ، فخَشَعَ ، وتَمَّ رأيُك فاجْتَمَعَ ، وكان هَمُّك في ذلِك هَمَّا واحدا ، فانْظُر فِيما فَسَّرْتُ لَكَ ، وإنْ أنْت لم يجتَمِعْ لَكَ ما تُحِبُّ مِن نَفسِكَ ، وفَراغِ نظَرِكَ وفِكْرِكَ ، فاعْلَم أنَّكَ إنَّما تَخْبِطُ العَشْواءَ ، وتَوَرَّطُ الظَّلماءَ ، ولَيْسَ طالِبُ الدِّين مَن خَبَطَ أو خَلَطَ ، والإمساكُ عن ذلِك أمْثَلُ ، فَتَفَهَّمْ يَابُنَيَّ وَصِيَّتِي، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعيدُ ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إلاّ عَلَى مَا جَعَلَهَا اللّه ُ عَلَيْهِ مِنْ النَّعْمَاءِ ، وَالاِبْتِلاَءِ ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لاَ نَعْلَمُ ، فَإنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ بِهِ فَإنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلاً ثُمَّ عَلِمْتَ . وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ فاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ .
وَاعْلَمْ يَابُنَيَّ أَنَّ أَحَدا لَمْ يُنْبئْ عَنِ اللّه ِ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه و آله . فَارْضَ بِهِ رَائِدا ، وَإلَى النَّجَاةِ قَائِدا ، فَإنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً . وَإنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرَ لِنَفْسِكَ ـ وَإنِ اجْتَهَدْتَ ـ مَبْلَغَ نَظَريَ لَكَ .
وَاعْلَمْ يَابُنَيَّ أنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَريكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ ، وَلكِنَّهُ إلهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ . لاَيُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أحَدٌ ، وَلاَ يَزُولُ أَبَدا . وَلَمْ يَزَلْ أَوَّلَ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلاَ أَوَّليَّةٍ ، وَآخِرَ بَعْدَ الْأشيَاءِ بِلا نِهَايَةٍ . عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبيَّتُهُ بِإحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَر . فَإذَا عَرَفْتَ ذلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ ، وقِلَّةِ مَقْدرَتِهِ ، وكَثْرَةِ عَجْزِهِ ، وَعَظيمِ حاجتِهِ إلى
ربّه في طلب طاعته ، والرهبةِ مِنْ عُقوبتِهِ ، والشَّفقةِ مِنْ سُخْطِهِ ، فإنّهُ لم يأمرك إلاّ بحسن ، ولم ينهك إلاّ عن قبيح .
وإنَّ أوَّل ما أبدؤك به من ذلِك وآخِرَه أنِّي أحْمَدُ اللّه إلهَ الأوَّلين والآخِرين ، وربَّ مَن في السَّماوات والأرضين ، بما هو أهلُه ، وكمَا يَجِبُ ويَنْبَغي له ، ونَسْألُه أنْ يُصلِّي على محمَّد وآل محمَّد ، صلَّى اللّه علَيْهم وعلى أنبِياء اللّه بصلاة جميعِ مَن صلَّى عليْه من خَلْقه ، وأن يُتِمَّ نعمتَه علَيْنا بما وَفَّقَنا له من مسْألته بالاستجابَة لَنا ، فإنَّ بِنعمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالحات .
يا بُنَيَّ إنِّي قَدْ أنْبَأتُك عن الدُّنيا وحالها وانتِقالِها وزَوالِها بأهلها ، وأنبأتُك عن الآخِرة وما أعَدَّ اللّه لأهلها فيها ، وضَرَبْتُ لَكَ أمْثالاً لتَعْتَبِر بها وتَحْذُوا علَيْها .
إنَّما مَثَلُ مَن خَبَر الدُّنيا مَثَلُ قَوْم سَفْرٍ نَبا بِهِم مَنْزِلٌ جَدِيبٌ ، فأمُّوا مَنْزِلاً خَصِيبا وجَنابا مَرِيعا فاحْتَمَلوا وَعْثاءَ الطَّريقِ ، وفِراقَ الصَّدِيق ، وخشُونَةَ السَّفَر في الطَّعام والمَنام وجُشُوبَةَ المَطْعَم ؛ ليَأتُوا سَعَةَ دارِهم ومَنْزِلَ قَرارِهم ، فلَيْسَ يَجِدون لشَيْء من ذلِك ألَما ، ولا يَرَوْن لِنَفَقةٍ مَغْرَما ، ولا شَيْء أحَبُّ إليْهم ممَّا قرَّبهم من منْزِلهم ، ومَثَلُ مَن اغترَّ بها كقوْم كانوا في منْزل خَصِيبٍ فنَبَا بِهم إلى منْزِل جَدِيب ، فليْس شَيْءٌ أكْرَه إليْهم ولا أفْظَعَ عندهم من مُفارَقَة ما هم فيْه ، إلى ما يَهْجُمُون علَيْه ويَصِيرون إليْه .
ثُمَّ فَزَعْتُك بأنْواع الجَهالاتِ ، لئَلاَّ تعُدَّ نفسَك عالِما ، لأنَّ العالم مَن عرَف أنَّ ما يَعْلَمُ فِيما لا يَعْلَمُ قَلِيلٌ ، فَعَدَّ نفسَه بذلِك جاهِلاً ، وازْدادَ بما عرَف من ذلِك في طلب العِلم اجتهادا ، فما يَزالُ للْعِلم طالِبا ، وفيه راغبِا ، ولَه مسْتَفِيدا ، ولأهلِه خاشِعا ، ولرأيه مُتَّهِما ، وللصَّمْتِ لازِما ، وللخطأ جاحِدا ، ومنه مُسْتَحِييا ، وإنْ وَرَدَ عليْه مالا يعرِفُ لم يُنْكِر ذلِك ، لِما قَرَّر به نفسَه من الجِهالة ، وإنَّ الجاهل مَن عَدَّ
نفسَه لِما جهِل من معرفة العلم عالِما ، وبرأيِه مكْتَفِيا ، فما يَزالُ للعلماء معانِدا ، وعليْهم زارِيا ، ولِمَن خالَفه مُخَطِّئا ، ولِما لا يعرِفُ مِنَ الأُمورِ مُضَلِّلاً ، فإذا ورَدَ عليْه من الأمر ، مالا يعْرِفُه أنْكَرَه وكَذَّبَ به ، وقال بجَهالَته : ما أعرِف هذا ، وما أراهُ كان ، وما أظُنُّ أنْ يكون ، وأنَّى كان ولا أعرِف ذلِك ، لِثِقَتِه برأيِه ، وقِلَّةِ معْرِفَتهِ بجَهالَتهِ ، فَما يَنْفَكُّ ممَّا يرى فِيما يَلْتَبِسُ علَيْه برأيه ، ممَّا لا يَعرِفُ للجَهلِ مُسْتفيدا ولِلحقِّ مُنْكِرا ، وفي اللَّجاجَة متجرِّئا ، وعن طلب العلم مسْتَكْبِرا .
يا بُنَيَّ فتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي ، واجعَل نفسِك ميزانا فِيما بينك وبين غَيْرِك ، فأحْبِبْ لغَيْرِك ما تُحبُّ لنفسِك ، واكْرَه له ما تَكْرَه لها ، ولا تظْلِم كمَا لا تُحبُّ أنْ تُظْلَم ، وأحْسِن كمَا تُحبُّ أنْ يُحْسَنَ إليْكَ ، واسْتَقْبِحْ لِنفسِكَ ما تسْتَقْبِحُ من غَيْرِك ، وارْضَ من النَّاس بما تَرْضَاه لهم مِن نفسك ، ولا تَقُل ما لا تَعلَم ، بل لا تَقُل كلَّ ما عَلِمْت ، ممَّا لا تُحبُّ أنْ يُقال لَكَ .
واعلَم أنَّ الإعجابَ ضِدُّ الصَّوابِ وآفةُ الألبابِ فاسعَ في كَدْحِكَ ، ولا تَكُنْ خازِنا لِغَيْرِكَ ، وإذا هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أخْشَعَ ما تكونُ لِرَبِّكَ .
واعلم يا بُنَيَّ أنَّ أمامَك طريقا ذا مَسافَة بعيدَةٍ ومَشَقّة شديدةٍ ، وأهوالٍ شديدَةٍ ، وأنَّه لا غِنى بِكَ فِيْهِ عَن حُسْنِ الإرتيادِ ، وقَدِّرْ بلاغَكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ ، فَلا تَحْمِلَنَّ على ظَهْرك فوْقَ بلاغِك فيكونُ ثقِيلاً ووَبالاً علَيْك ، وإذا وجدْتَ مِن أهْلِ الفاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ زادَك إلى يوْم القِيامَةِ فيُوافِيكَ بِهِ غَدا ، حَيْثُ تَحتاجُ إليْهِ فاغْتَنِمْهُ ، وحَمِّلْهُ إيَّاهُ ، واغْتَنِم مَنِ اسْتَقْرَضَكَ في حالِ غِناكَ ، وجعَلَ يوم قضاءه لك في يَومِ عُسْرَتِكَ ، وحمِّلْه إيَّاه ، وأكْثِر مِن تَزْويدِهِ وأنت قادرٌ ، فلَعلَّك تطلُبُه فلا تَجِدُهُ .
واعْلَم أنَّ أمامَك عَقَبَةً كَؤودا المُخِفُّ فيها أحسنُ حالاً مِنَ المُثقلِ، والمُبْطئ عليها أقبحُ حالاً من المُسرعِ، وأنّ مهبطَكَ بها لا محالَةَ ، علَى جنَّة أو نارٍ ، فارْتَدْ
لنَفسِكَ قبلَ نزُولِكَ ووَطِّئَ المَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ ، فليْسَ بعدَ الموْت مسْتَعْتَبٌ ، ولا إلى الدُّنيا مُنْصَرَفٌ .
واعلَم أنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزائِنُ مَلَكوتِ الدُّنيا والآخِرَةِ قَدْ أذِنَ لِدُعائِكَ ، وتَكَفَّلَ لإجابَتِكَ ، وأمَرَك أنْ تسْأَلَه ليُعْطِيَكَ وتستَرْحِمَه ليَرْحَمَك ، وهو رَحيمٌ كريمٌ ، لم يَجعل بينك وبينَه مَن يَحْجُبُك عنه ، ولم يُلْجِئْك إلى مَن يَشْفَعُ لَكَ إليْهِ ، ولم يَمْنَعْكَ إنْ أسَأْتَ مِنَ التَّوبَةِ ، ولم يُعَيِّرْكَ بالإنابَةِ ، ولم يُعاجِلْكَ بالنَّقِمَةِ ، ولم يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ للْفَضِيحَةِ ، ولم يُناقِشْكَ بالجَريْمَةِ ، ولم يُؤيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ ، ولم يُشَدِّدْ علَيْك في التَّوبَةِ ، فجَعَل توْبَتَك التَّوَرُّعَ مِنَ الذَّنْبِ ، وحَسَبَ سَيِّئَتَك واحِدَةً ، وحَسَنَتَكَ عَشْرا ، وفَتَحَ لَكَ بابَ المَتابِ والاستِعْتابِ ، فمَتَى شِئْتَ نادَيْتَهُ سمِع نِداءَكَ ونَجْواك ، فأفْضَيْتَ إليْه بحاجَتِك ، وأبْثَثْتَهُ ذاتَ نَفسِكَ ، وشكوْتَ إليْه هُمُومَك ، واسْتَكْشَفْتَه كرُوبَكَ ، واسْتَعَنْتَه على أُمورِكَ ، وسألتَه مِنْ خزائِنِ رحْمَتِهِ ما لا يَقدِرُ على إعطائِهِ غَيْرُهُ : مِن زيادة الأعْمارِ ، وصِحَّةِ الأبْدانِ ، وسِعَة الأرزاق ، ثُمَّ جَعَل في يَديْكَ مفاتيحَ خزائنِهِ ، بِما أذِنَ فيْه مِن مَسْألَتِهِ ، فمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بالدُّعاء أبوابَ خزائِنِهِ ، فألْحِحْ علَيْهِ بِالمَسألَةِ يَفْتَحْ لَكَ بابَ الرَّحْمَةِ ، ولا يُقْنِطُكَ إنْ أبطَأَتْ عَلَيْكَ الإجابَةُ ، فإنَّ العَطِيَّةَ على قَدْرِ المَسألَةِ ، ورُبَّما أُخِّرَتْ عَنْكَ الإجابةُ لِيَكونَ أطوَلَ في المَسْألَةِ ، وأجْزَلَ للعَطِيَّةِ ، ورُبَّما سألْتَ الشَيْء فلا تُؤتاه فلم تَؤْتِه ، وأُوتَيْتَ خَيْرَا منْه عاجِلاً أو آجِلاً ، أو صِرْتَ إلى ما هو خَيْرٌ لَكَ ، فَلَرُبَّ أمْرٍ قَدْ طلَبْتَهُ فيْهِ هَلاكُ دينِكَ ودُنياكَ لو أُوْتِيتَهُ ، ولتكن مسألتُك فِيما يَعْنِيكَ ممَّا يَبْقى لَكَ جَمالُهُ ، ويُنْفى عنْك وَبالُهُ ، فإنَّ المال لا يَبْقى لَكَ ولا تَبْقى لَهُ ، فإنَّه يوشَك أنْ تَرى عاقِبَةَ أمْرِك حَسَنا أو سَيِّئا أو يَعْفُوَ العَفُوُّ الكريم .
واعلَم يا بُنَيَّ أنَّك إنَّما خُلِقْتَ للآخِرةِ لا للدُّنيا ، وللفَناءِ لا للبَقاءِ ، وللموْتِ لا للحَياةِ ، وأنَّك في مَنْزِلِ قُلْعَةٍ ودارِ بُلْغَةٍ ، وطريقٍ إلى الآخِرَةِ ، وأنَّك طَرِيدُ المَوْتِ الَّذِي لا يَنْجو منه هارِبُهُ ، ولابُدَّ أنَّه مُدْرِكهُ ، فكن منْه على حذَرٍ أنْ يدرِكَك وأنت على حالٍ سَيِّئةٍ قَدْ كنتَ تُحَدِّثُ نفسَك منْها بالتَّوبَةِ ، فيَحُولَ بينك وبين ذلِك ، فإذا أنْتَ قَدْ أهلَكْتَ نَفسَكَ .
يا بُنَيَّ أكْثِر مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ ، وذكْرِ ما تَهْجُمُ عَليْهِ ، وتُفْضي بَعْدَ الموْتِ إليْهِ ، واجعلْه أمامَكَ حَيْثُ تَراه ، حَتَّى يأتيك وقد أخذْتَ منْه حِذْرَك ، وشَدَدْتَ لَهُ أزْرَكَ ، ولا يأتيك بَغْتَةً فَيَبْهَرَك ، ولا يأخُذَك على غِرَّتِك ، وأكْثِر ذكْر الآخِرة وما فيها من النَّعيم والعذاب الأليم ، فإنَّ ذلِك يُزَهِّدُك في الدُّنيا ويُصَغِّرُها عِنْدَكَ .
وإيَّاك أنْ تَغْتَرَّ بما تَرى من إخْلاد أهل الدُّنيا إليْها ، وتَكالُبِهِم عليْها ، فَقَدْ نَبَّأك اللّه جل جلالهعنْها ، ونَعَتْ لَكَ نفسَها ، وتَكَشَّفَتْ لَكَ عَن مَساوِيها ، فَإنَّما أهلُها كِلابٌ عاوِيَةٌ ، وسِباعٌ ضارِيةٌ ، يَهِرُّ بعضُها بعْضا ، ويأكُلُ عزيزُها ذليلَها ، ويَقْهَر كبيرُها صغِيرَها ، وكثيرُها قَلِيلَها ، نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ ، وأخرَى مُحْفَلَةٌ مُهْمَلَةٌ ، قَدْ أضَلَّت عقُولَها ، ورَكِبَتْ مَجْهُولَها ، سُروحُ عاهَةٍ في وادِ وَعْثٍ ، ليْسَ لها راعٍ يُقِيمُها ، ولا مُسِيمٌ يُسيمُها ، لَعِبَتْ بهم الدُّنيا ، فَلَعِبُوا بها ، ونَسُوا ما وَراءَها ، رُوَيْدا حَتَّى يُسْفِرَ الظَّلامُ ، كأن ورَبِّ الكعْبة ، يوشَك مَن أسْرَع أنْ يلْحَق .
واعلْم يا بُنَيَّ ، أنَّ كلَّ مَن كانت مَطِيَّتُه اللَّيْلَ والنَّهارَ فإنَّهُ يُسارُ به ، وإنْ كان لا يَسِيْر ، أبَى اللّه إلاّ خَرابَ الدُّنيا وعِمارَةَ الآخِرة .
يا بُنَيَّ ، فإنْ تَزْهَد فِيما زَهَّدْتُكَ فيْه وتَعْزِفُ نفسُكَ عنْها فهي أهلُ ذلك ، وإنْ كنْتَ غَيْرَ قابِلٍ نَصِيحَتي إيَّاك فيْها ، فاعلَم يقينا أنَّك لن تَبْلُغَ أمَلَك ، ولا تَعْدُو أجلَكَ ، فإنَّك في سبيل مَن كان قبلَك ، فخَفِّضْ في الطَّلَبِ ، وأجمِل في المُكْتَسَبِ ،
فإنَّه ربَّ طَلَبٍ قَدْ جرَّ إلى حَرْب ، وليس كلُّ طالب بناجٍ ، ولا كلُّ مُجْمل بمُحْتاج ، وأكرِم نفسَك عن كلّ دَنِيَّة ، وإن ساقَتْك إلى الرَّغائِب ، فإنَّك لن تُعتاض بما تَبْذُلُ شَيْئا من دِينك وعِرْضِك بثَمَن ، وإنْ جَلَّ .
ومِن خَيْرِ حَظِّ امْرى ءٍ قَرينٌ صالِحٌ ، فقارِنْ أهلَ الخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُم ، وبايِنْ أهلَ الشَرِّ تَبِنْ مِنْهم ، لا يَغْلِبنَّ علَيْك سُوْءُ الظَّن ، فإنَّه لا يَدَعُ بينك وبينَ صَدِيقٍ صَفْحا ، بئس الطَّعام الحَرامُ ، وظُلْمُ الضَّعيف أفْحَشُ الظُّلم ، والفاحِشَةُ كاسْمِها ، والتَّصَبُّرُ على المَكروهِ يَعْصِمُ القلْبَ ، وإذا كان الرِّفْقُ خُرْقا كان الخُرْقُ رِفقا ، ورُبَّما كان الدَّاءُ دواءً ، ورُبَّما نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ ، وغَشَّ المُسْتَنْصَحُ المُتَنَصِّحَ .
إيَّاك والإتَّكال على المُنى ، فإنَّها بَضائِعُ النَّوْكى ، زكِّ قلبَك بالأدَبِ كمَا يُذكْى النَّارُ بالحَطَبِ ، لا تَكن كَحاطِب اللَّيْلِ ، وغُثاءِ السَّيْلِ ، وكُفرُ النِّعمَةِ لُؤْمٌ ، وصُحْبَةُ الجاهِلِ شُؤمٌ ، والعقلُ حِفْظُ التَّجارب ، وخَيْر ما جَربْت ما وَعَظَكَ ، ومن الكَرَمِ لِينُ الشِّيَم ، بادِر الفُرصَة قبْل أنْ تكون غُصَّةً ، ومن الحَزْم العَزْم ، ومن سَبَب الحِرمان التَّوانِي ، لَيْسَ كلّ طالِب يُصيبُ ، ولا كلّ غائِب يَؤُوبُ ، ومن الفَساد إضاعَةُ الزَّاد ، ومَفْسَدةُ المَعاد ، لكلِّ امْرئ عاقِبَةٌ ، رُبَّ يَسِير أنْمَى من كَثير ، ولا خَيْرَ في مُعِين مَهِينٍ ، ولا في صَدِيق ظَنِين ، ولا تَبيتَنَّ من أمر على عُذْرٍ ، مَن حَلُم سادَ ، ومَن تَفَهَّم ازدادَ ، ولقاءُ أهلِ الخَيْر عِمارَةُ القلْبِ ، ساهِلِ الدَّهرَ ما ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ .
وإيَّاك أنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجاج ، وإنْ قارَفْتَ سَيِّئَةً فعَجِّلْ مَحوَها بالتَّوبَةِ ، ولا تَخُنْ مَنْ ائتَمَنَكَ وإنْ خانَكَ ، ولا تُذِعْ سِرَّهُ وإن أذاعَ سِرَّكَ ، ولا تُخاطِرْ بشَيْء رَجاءَ أكْثَر منْه ، واطلُب فإنَّه يأتيك ما قَسَم لَكَ ، والتَّاجِر مُخاطِرٌ ، خُذْ بالفَضْلِ ، وأحْسِنْ البَذْلَ ، وقُل للنَّاسِ حُسْنا ، وأحسنُ كَلِمَة حِكَم جامعَةٍ أنْ تُحِبُّ للنَّاس ما تُحِبُّ لنفسِك ، وتَكْرَهَ لَهُم ما تُكرَهُ لَها ، إنَّك قلَّ ما تَسْلَمُ ممَّن تَسَرَّعْتَ إليْهِ أنْ تَنْدَمَ أو
تَتَفَضَّلَ علَيْه .
واعلَم أنَّ من الكَرَم الوَفاءُ بالذَّمَم ، والدَّفْعُ عن الحُرَم ، والصُّدود آيَةُ المَقْتِ ، وكَثْرَةُ التَّعلُّل آيَةُ البُخْلِ ، ولَبَعضُ إمساكِكَ على أخِيْكَ مَعَ لُطْفٍ خَيْرٌ من بَذْلٍ مَعَ عُنْفٍ ، ومِنَ الكَرَم صِلةُ الرَّحِم ، ومَن يَثِقُ بِكَ أو يَرجو صلَتَك ، أوْ يرْجُوك أو يَثِقُ بصلتَك إذا قَطَعْتَ قَرابَتَك ، والتَّجَرُّم ۳ وجْهُ القطِيعَة ، إحْمل نفسَك من أخيك عنْد صَرْمه إيَّاك على الصِّلَة ، وعند صُدُودِهِ علَى لُطْفِ المَسألَةِ ، وعِنْدَ جُمُودِهِ علَى البَذْلِ ، وعنْد تَباعُدِهِ علَى الدُّنُوِّ ، وعِنْدَ شِدَّتِهِ علَى اللِّينِ ، وعنْد تجَرُّمِهِ على الإعذارِ ، حَتَّى كأنَّك لَهُ عبْدٌ ، وكأنَّه ذو نِعْمَة علَيْكَ ، وإيَّاك أنْ تضَعَ ذلِكَ في غَيْر موْضِعِهِ ، أو تفْعَلَهُ في غَيْر أهلِهِ .
ولا تَتَّخِذَنَّ عدُوَّ صَدِيقك صديقا فتُعادِي صدِيقَكَ ، ولا تَعمَلْ بالخَدِيعَةِ ، فإنَّها خُلُقٌ لَئِيم ، وامْحَض أخاك النَّصيحة حَسَنةً كانت أو قبِيحَةً ، وساعِدْهُ على كلِّ حالٍ ، وزُلْ مَعَهُ حَيْثُ زال ، ولا تَطْلُبَنَّ مجازاتِ أخِيكَ وإنْ حَثا التُّرابَ بفِيكَ ، وجُدْ على عدُوِّك بالفَضْلِ ، فإنَّه أحرَى للظَّفَر ، وتسَلَّم من الدُّنيا بحُسِنِ الخُلُقِ ، وتَجرُّعِ الغَيْظَ ، فإنِّي لم أرَ جُرْعَةً أحْلَى منْها عاقِبَة ولا ألَذَّ منْها مَغَبَّةً ، ولا تَصْرِم أخاك على ارْتِياب ، ولا تَقْطَعْه دُونَ استعتابٍ ، ولِنْ لمَن غالَظَكَ ، فَإنَّهُ يوشَك أنْ يَلِين لَكَ .
ما أقبَحَ القَطِيعةَ بَعْدَ الصِّلَةِ ، والجَفاءَ بَعْدَ الإخاءِ ، والعَداوَةَ بعْدَ المَوَدَّةِ ، والخِيانَةَ لِمَنِ ائتَمَنَكَ ، والغَدْرَ بِمَنِ استأمَنَ إليْكَ ، وإن أنْتَ غَلَبَتْكَ قَطِيعَةُ أخِيكَ فاسْتَبِق لَهُ مِن نَفسِكَ بَقِيَّةً يرجِعُ إليْها إنْ بَدَا له ذلِك يوْما ما ، ومَن ظَنَّ بِكَ خَيْرا فصَدِّق ظَنَّهُ ، ولا تُضيِّعَنَّ حَقَّ أخِيكَ اتِّكالاً على ما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ ، فإنَّه لَيْسَ لَكَ بأخ مَنْ أضَعْتَ حَقَّهُ .
ولا يَكُنْ أهلُكَ أشْقَى النَّاسِ بِكَ ، ولا تَرْغَبنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ ، ولا يكونَنَّ أَخوكَ أقوَى علَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ علَى صِلَتِهِ ، ولا يَكُونَنَّ على الإساءَةِ أقوَى مِنْكَ علَى الإحْسانِ ، ولا على البُخْلِ أقوَى مِنْكَ علَى البَذْلِ ، ولا علَى التَّقْصِيرِ مِنْكَ علَى الفَضْلِ ، ولا يكْبرَنَّ عَلَيْكَ ظُلم مَن ظَلَمكَ ، فَإنَّه إنَّما يسْعَى في مَضَرَّتِهِ ونَفْعِكَ ، ولَيْسَ جَزاءُ مَن سَرَّك أنْ تَسُوءَه .
واعلَم يا بُنَيَّ ، أنَّ الرِزقَ رِزقان : رِزقٌ تَطْلُبُه ، ورِزقٌ يَطْلُبُكَ ، فإنْ لم تَأتِه أتَاك .
واعلَم يا بُنَيَّ أنَّ الدَّهر ذُو صُرُوفٍ ، فلا تكن ممَّن يَشْتَدُّ لائِمِتُه ، ويقِلُّ عنْد النَّاس عُذْرُه ، ما أقبحَ الخُضوعَ عنْدَ الحاجَة ، والجَفاءَ عِنْدَ الغَناء ، وإنَّما لَكَ من دُنياك ما أصْلَحْتَ بهِ مَثْواكَ ، فأنْفِق في حقٍّ ، ولا تَكن خازِنا لغَيْرِك ، وإنْ كنتَ جازَعا على ما يَفْلِت من بين يديك ، فاجْزَع على ما لم يَصِل إليْك ، واستَدْلِل على ما لم يكن بما كان ، فإنَّما الأمور أشْباهٌ ، ولا تكَفِّر نعْمَة ، فإنَّ كُفْر النِّعْمَة من ألْأمِ الكُفْرِ .
واقْبَل العُذْرَ ، ولا تكونَنَّ مِمَّن لا ينْتَفِعُ مِنَ العِظَةِ إلاَّ بما لَزِمَهُ إزالَتُهُ ، فَإنَّ العاقِلَ يَتَّعِظُ بالأدَبِ ، والبَهائِمُ لا تَتَّعِظُ إلاَّ بالضَّرْبِ ، إعْرِف الحَقَّ لِمَنْ عرَفَهُ ، رَفِيعا كانَ أو وَضِيعا ، واطْرَح عَنْكَ وارِداتِ الهُمُومِ بعَزائِمِ الصَّبرِ وحُسْنِ اليَقِين .
مَن تَرَك القصْدَ حادَ ، ونِعْمَ حَظُّ المَرْءِ القُنُوعُ ، ومن شَرِّ ما صَحِبَ المَرْءُ الحَسَدُ ، وفي القُنوطِ التَّفريطُ ، والشُّحُّ يَجلِبُ المَلامَةَ ، والصَّاحِبُ مُناسِبٌ ، والصَّدِيقُ مَن صَدَقَ غَيْبُهُ ، والهَوى شَرِيكُ العَمَى ، ومِنَ التَّوفِيقِ الوُقُوفُ عِنْدَ الحِيَرةِ ، ونِعْمَ طارِدُ الهُمُومِ اليَقينُ ، وعاقِبَةُ الكَذِبِ النَّدَمُ ( الذَّمُّ ) وفي الصِّدْق السَّلامَة .
ورُبَّ بعِيدٍ أقْرَب من قَرِيبٍ ( ورُبَّ قَريب أبْعَدُ من بَعيدٍ ) والغَريبُ مَن لم يَكن له حَبِيبٌ ، لا يَعْدِمُك من شَفِيق ( مِن حَبِيبٍ ) سُوءُ الظَّنِّ ، ومَن حَمَّ ظَمَأَ ، ومَن تَعَدَّى الحَقَّ ضاقَ مَذْهَبُه ، ومَن اقْتَصَر على قَدْرِه كان أبْقى له .
نِعْم الخُلُق التَّكرُّمُ ، وألْأمُ اللُّؤم البَغي عنْد القدْرَة ، والحَياءُ سَبَبٌ إلى كلِّ جَمِيلٍ ، وأوْثَقُ العُرى التَّقوى ، وأوْثَقُ سَبَبٍ أخَذْتَ به سَبَبٌ بينك وبين سرَّك مَن أعْتَبَك ، والإفراط في المَلامَة يَشِبُّ نِيرانَ اللّجاجَة ( اللَّجاج ) كم مِن دَنِفٍ ( قَدْ ) نجَى ، وصَحِيحٍ قَدْ هَوَى ، وقد يكون اليأسُ إدراكا إذا كان الطَّمع هلاكا ، ولَيْس كلُّ عَوْرَة تظْهَرُ ، ولا ( كلُّ ) فَريضَة تُصابُ ، ورُبَّما أخطأ البَصيرُ قصْدَه ، وأصابَ الأعْمى رُشْدَه ، وليْس كلُّ مَن طَلَب وَجَد ، ولا كلُّ مَن تَوَقَّى نَجى .
أخِّر الشَّرَّ فإنَّك إذا شِئت تَعَجَّلْتَه وأحسِن إنْ أحْبَبْت أنْ يُحْسَن إليْك ، ( و ) احْتَمِل أخاك على ما فيْه ، ولا تُكْثِر العِتابَ ، فإنَّه يورِثُ الضَّغِينَةَ ( ويَجرُّ إلى البغْضَة ) ، واسْتَعْتِب مَن رَجَوْتَ عُتْباهُ ، وقَطِيعَةُ الجاهِلِ تَعْدِل صِلَة العاقِل ، ومن الكَرَم مَنْعُ الحَزْم ، مَن كابَر الزَّمان عَطِب ، ومَن تَنَقَّم علَيْه غَضِبَ .
ما أقْرَبَ النَّقِمَة من أهْل البَغْي ، وأخْلَقَ بمَن غَدَرَ إلاَّ يُؤفى له ، زَلَّةُ المتَوَقِّي أشَدُّ زَلَّةٍ ، وعِلَّةُ الكِذب أقْبَحُ عِلَّة ، والفَسادُ يُبِيرُ الكَثِيرَ ، والاقتِصادُ يُنْمي اليَسِير ، والقِلَّةُ ذِلَّةٌ ، وبِرُّ الوالدَيْن من أكْرَم الطِّباع ( مِن كَرَم الطَّبيعَة ) ، والمخافِتُ شَرَّا يَخاف ، والزَّلَلُ مع العَجَل ، ولا خَيْرَ في لَذَّةٍ تَعْقِب نَدَما ، العاقلُ مَن وَعَظَتْه التَّجارب ، ورَسُولُك تَرجُمان عقلِك ، والهُدَى يَجْلُو العَمى ، ولَيْسَ مع الخِلاف ائتلافٌ .
مَن خَبَر خوَّانا فَقَدْ خان ، لَنْ يُهلِك مَن اقْتَصد ، ولَنْ يَفْتَقِر مَن زَهد ، يُنْبِئُ عن أمْر دَخيلُه ، رُبَّ باحِثٍ عن حَتْفِه ، ولا تَشُوبَنَّ بثِقَةٍ رَجاءً ، وما كلُّ ما يُخْشى يَصيِرُ ، ولَرُبَّ هزْلٍ قَدْ عادَ جِدا ، مَن أمِن الزَّمان خانَه ، ومَن تعَظَّم عليْه أهانَه ، ومَن تَرَغَّمَ عليْه أرْغَمَه ، ومَن لَجَأ إليْه أسْلَمَه ، ولَيْسَ كلُّ مَن رَمَى أصابَ ، وإذا تَغَيَّر السُّلطانُ تَغَيَّر الزَّمان ، خَيْرُ أهْلِك مَن كَفاك ، المزاحُ يُورِث الضَّغائِن ، أعْذَرَ مَن اجْتَهد ، ورُبَّما أكْدَى الحَرِيص .
رأسُ الدِّين صِحَة اليَقين ، وتمامُ الإخلاص تَجَنُّب ( تَجَنُّبك ) المعاصي ، وخَيْرُ المَقال ما صَدَّقَه الفِعال ، السَّلامةُ مع الاسْتِقامَة ، والدُّعاء مِفتاحُ الرَّحمة ، سَلْ عن الرَّفيق قبلَ الطَريق ، وعن الجَار قبلَ الدَّار ، وكنْ من الدُّنيا على قلْعَةٍ ، أجمِل مَن أذَلَّ علَيْك ، ( كذا ) واقْبِل عُذْرَ مَن اعْتَذَر إليْك ، وخُذْ العَفْو من النَّاس ، ولا تَبْلُغ من أحدٍ مكْرُوها ، أطِع أخاك وإنْ عَصاك ، وصَلْه وإنْ جَفاك ، وعَوِّد نفسَك السَّماح ، وتَخَيَّر لها مِن كلِّ خُلْقٍ أحسنَه ، فإنَّ الخَيْرَ العادَةُ .
وإيَّاك أنْ تكْثِر من الكَلام هَذَرا ، وأنْ تكون مضْحِكا ، وإنْ حَكَيْتَ ذلِك عن غَيْرك ، وأنْصِف من نفسك ( قبلَ أنْ يُنْتَصَف منك ) .
وإيَّاك ومشاوَرَة النِّساء ، فإنَّ رأيَهنَّ إلى الأفَن ، وعَزْمَهُنَّ إلى الوَهَن ، واكفُفْ عليْهِنَّ مِن أبصارِهنَّ بحِجابِك إيَّاهنَّ ، فإنَّ شِدَّة الحِجاب خَيْرٌ لَك ولَهنَّ مِن الارتِياب ، ولَيْسَ خروجُهُنَّ بأشدّ من دُخول مَن لا يُوثَقُ به عليهِنَّ ، وإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ لا يعْرِفنَ غَيْرَك من الرِّجال فافعل ، ولا تُمَلِّك المَرأة من الأمر ( من أمرها ) ما جاوز نفسها ، فإنَّ ذلِك أنْعَمُ لحالِها ، وأرْخَى لِبالِها ، وأدْوَمُ لجمالِها ، فإنَّ المرأة رَيْحانَةٌ ، وليسَتْ بقَهرِمانَة ، ولا تَعْدُ بكَرامَتها نفسها ، ولا تُطمِعْها في أنْ تَشْفَع لغَيْرها ( بغَيْرها ) ، فَيَميِل مَن شَفَعْت له علَيْك معها ، ولا تُطِل الخلْوَةَ مع النِّساء ، فيُمَلِّلَنَّك وتُمَلِّلُهُنَّ ، واستَبْق من نفسك بقيَّةً ، فإنهَّ إمْساكَك عنهنَّ وهُنَّ يَرَيْنَ أنَّك ذو اقْتِدارٍ خَيْرٌ من أنْ يَعْثُرن ( يظْهَرنَ ) منْك على انْكِسار ( علَى انْتِشار ) .
وإيَّاك والتَّغايُر في غَيْر موْضِع الْغِيْرة ( غِيرَةٍ ) ، فإنَّ ذلِك يدْعُو الصَّحِيحَةَ مِنهُنَّ إلى السَّقم ( والبَريئة إلى الرَّيْب ) ، ولكنْ أحْكِم أمْرَهنَّ ، فإنْ رأيْتَ عَيْبا ( ذنْبا ) فعَجِّل النَّكِيرَ على الكَبير والصَّغير .
وإيَّاك أنْ تُعاقِب فيَعْظمُ الذَّنْب ويَهُونُ العَتبُ ، ولا تكُن عبْدَ غَيْرك وقد جعَلَك
اللّه حُرَّا ، وما خَيٌْر بخَيْر لا يُنال إلاَّ بشَرٍّ ، ويُسْر لا يُنال بعُسْر .
وإيَّاك أنْ تُوجِفَ بك مطايَا الطَّمع ( فتُورِدَك مناهِل الهَلَكَة ) ، وإنْ استطعتَ أنْ لا يكون بينك وبين اللّه ذو نِعْمَة فافْعل ، فإنَّك مُدْرِكٌ قِسَمَك وآخِذٌ سَهْمَك ، وإنَّ اليسيرَ من اللّه أكْرَمُ وأعظمُ من الكَثير من خَلْقه ، وإنْ كان كلٌّ منْه ، فإنْ نظرتَ ـ فلله المثلُ الأعلَى ـ فِيما تَطْلُبُ من المُلوك ومن دونهم من السَّفَلَة ؛ لعَرَفْت أنَّ لَكَ في يسير ما تطلُبُ ( تُصِيبُ ) من المُلُوك إفتخارا ، وأنَّ علَيْك في كَثير ما تطلُب من الدُّناة عارا ، إنَّك لَيْسَ بائعا شَيْئا من دينك وعِرضك بثَمَنٍ ، والمغْبُون مَن غَبَن نفسَه من اللّه ، فخُذ من الدُّنيا ما أتاك ، وتولَّ ممَّا تولَّى عنْك ، فإنْ أنْتَ لم تَفعَل فأجْمَل في الطَّلَب .
وإيَّاك ومقارَبَة مَن رَهِبْتَه على دينك وعِرضك ، وباعِد السُّلطان لتَأمَنَ خُدَع الشَّيطان ، وتقول ما تَرى إنَّك تَرْغَب ، وهكذا هلَك مَن كان قبلَك ، إنَّ أهل القِبْلَة قَدْ أيقنوا بالمَعاد ، فلو سمِعتَ بعضَهم يَبِيع آخرتَه بالدُّنيا لم تُطِب بذلك نفسَا ، وقَدْ يَتَحيَّل ( يتَخَبَّله ) الشَّيْطانُ بخُدَعِه ومَكْرِه حَتَّى يُورِطَه في هَلَكةٍ بعَرَض من الدُّنيا يَسيرٍ حقِير ، ويَنْقُلَه من شَيْء إلى شَيْء حَتَّى يؤيسه من رَحْمَة اللّه ، ويُدخله في القُنوط ، فيَجِد الرَّاحة إلى ما خالَف الإسلام وأحكامه .
فإنْ أبتْ نفسُك إلاَّ حُبَّ الدُّنيا وقرْبَ السُّلطان فخالَفَتْك إلى ما نَهَيْتُك عنه ممَّا فيه رُشدُك فامْلِك علَيْك لسانَك فإنَّه لا ثِقَة للْمُلُوك عنْد الغَضَب ، فلا تَسْأَل عن أخبارِهم ، ولا تَنْطِق بأسْرارِهم ، ولا تدْخُل فِيما بينهم ، وفي الصَّمت السَّلامة من النَّدامَة ، وتَلافِيك ما فَرَط من صَمْتِك أيْسَرُ من إدراك ما فاتَ من مَنْطِقك ( فائِدةِ ما فات من مَنْطقك ) ، وحفْظُ ما في الوِعاء بِشدِّ الوِكاء ، وحِفْظُ ما في يديك أحَبُّ إليك ( إليَّ ) من طلَب ما في يد غَيْرِك ، ولا تُحدِّث إلاَّ عن ثِقَة كَذَّابا ، والكِذْب ذُلٌّ ،
وحُسْنُ التَّدبير مع الكَفاف أكْفَى لَكَ من الكَثير مع الإسراف ، وحُسْنَ اليَأس خَيْرٌ من الطَّلب إلى النَّاس ، والعِفَّةُ مع الحِرْفَة خَيْرٌ من سُرور مع فجور ، والمرءُ أحْفَظُ لِسِرِّه ، ورُبَّ ساعٍ فِيما يَضُرُّه ، مَن أكثَر أهْجَر ، ومَن تَفَكَّر أبْصَر .
وأحْسِن لِلْمَمالِيك الأدب ، وأقْلِل الغَضَبَ ، ولا تُكْثِر العَتَب في غَيْر ذَنْبٍ ، فإذا اسْتَحقَّ أحدٌ منهم ذَنْبا فأحْسِن العَفو ( فأحسِن العدل ) ، فإنَّ العفو مع العدل أشَدُّ من الضَّرب لمَن كان له عقلٌ ، ولا تُمْسِك مَن لا عقل له ، وخَفِ القِصاص ، واجعل لكل امْرءٍ منهم عمَلاً تأخُذُه به ، فإنَّه أحَرى أنْ لا يَتَواكَلوا .
وأكِرم عَشِيرَتَك ، فإنَّهم جَناحُك الَّذِي به تَطِير ، وأصْلُك الَّذِي إليه تَصِير ، ويدُك الَّذِي بها تَصولُ ، ( وهُمُ العُدَّة عِنْد الشِّدَّة ) ، أكرِم كريمَهم ، وعُدْ سَقيمَهم ، وأشْركهم في أمورهم ، وتَيَسَّر عنْد معْسُورِهم .
واسْتَعِنو باللّه علَى أمورك ، فإنَّه أكَفى مُعِينٍ ، وأسْتَوْدِع اللّه دِينَك ودُنياك ، وأسألُه خَيْرَ القَضاء لَكَ في العاجِلَة والآجِلَة ، والدُّنيا والآخِرة ، والسَّلام ( علَيْكَ ورَحْمَةُ واللّه وبَرَكاتُه ) » . ۴

1.وزعتُهُ أزَعُه وَزْعا : كفَفْتُهُ، فاتَّزع هو، أي كفَّ ( الصحاح: ج ۳ ص ۱۲۹۷ ) .

2.استظهر به، أي استعان (لسان العرب : ج ۴ ص ۵۲۵) .

3.فلان يتجرَّم علينا، أي يتجنّى ما لم نجنهِ . ( لسان العرب: ج ۱۲ ص ۹۱ ) .

4.راجع : كشف المحجَّة : ص۲۲۰ ـ ۲۳۴ ، نهج البلاغة : الكتاب۳۱ ، تحف العقول : ص۶۸ ، بحار الأنوار : ج۷۷ ص۱۹۸ ـ ۲۱۸ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج : ۱۶ ص : ۹ ، كنز العمال : ج۸ ص۲۱۰ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة ج1
    المساعدون :
    فرجي، مجتبي
    المجلدات :
    7
    الناشر :
    دارالحديث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1384 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 62860
الصفحه من 568
طباعه  ارسل الي