479
مكاتيب الأئمّة ج1

مكاتيب الأئمّة ج1
478

132

كتابه عليه السلام إلى أهل مصر

۰.من كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر لمَّا وَلَّى عليْهم الأشْتر :« مِنْ عَبدِ اللّه عَلِيٍّ أَميرِ الْمُومِنِينَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا لِلَّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ ، وذُهِبَ بِحَقِّهِ ، فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ والْفَاجِرِ ، والْمُقِيمِ والظَّاعِنِ ، فَلا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ ، ولا مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ .
أمَّا بَعدُ ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْدا مِن عِبَادِ اللّه ، لا يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ ، ولا يَنْكُلُ عَنِ الأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ ، أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِن حَرِيقِ النَّار ، وهُوَ مَالِك بن الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجٍ ، فَاسْمَعُوا لَهُ ، وأَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيما طَابَقَ الْحَقَّ ، فإنَّه سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللّه ، لا كَلِيلُ الظُّبَةِ ۱ ، ولا نَابي ۲ الضَّرِيبَةِ ، فإنَّ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا ، وإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا ، فَأَقِيمُوا ، فإنَّه لا يُقْدِمُ ولا يُحْجِمُ ، ولا يُوخِّرُ ولا يُقَدِّمُ ، إِلاَّ عَنْ أَمْرِي ، وقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ ، وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ » . ۳

133

كتابه عليه السلام إلى الأشْتَر النَّخَعِيّ

۰.من كتاب له عليه السلام كتَبَه للأشْتَر النَّخَعيّ لمَّا ولاَّه على مصر وأعمالها ، حين
اضطرب أمر أميرها محمَّد بن أبي بكر ؛ وهو أطوَلُ عهْد كتَبَه وأجمعه للمحاسن :
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هَذَا ما أمَرَ به عَبدُ اللّه عَلِيٌّ أمير الْمُومِنِينَ مَالِك بن الْحَارِثِ الأشْتَرَ في عَهْدِهِ إليْه حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا ، وجِهَادَ عَدُوِّهَا واسْتِصْلا حَ أَهْلِهَا ، وعِمَارَةَ بِلادِهَا ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّه ، وإِيْثَارِ طَاعَتِهِ ، واتِّبَاعِ ما أَمَرَ به فِي كِتَابِهِ ، مِن فَرَائِضِهِ وسُنَنِهِ ، الَّتي لا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا ، ولا يَشْقَى إلاَّ مع جُحُودِهَا وإِضَاعَتِهَا ، وأَنْ يَنْصُرَ اللّه سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ ويَدِهِ ولِسَانِهِ ، فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مِن نَصَرَهُ ، وإِعْزَازِ مِن أَعَزَّهُ ، وأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِن الشَّهَوَاتِ ، ويَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ ما رَحِمَ اللّه .
ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِك ، أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُك إلى بِلادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَك مِن عَدْلٍ وجَوْرٍ ، وأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِن أُمُورِك في مِثْلِ ما كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِن أُمُورِ الْوُلاةِ قَبْلَك ، ويَقُولُونَ فِيك ما كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ ، وإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ علَى الصَّالِحِينَ بِما يُجْرِي اللّه لَهُمْ علَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ ، فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إلَيْك ، ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، فَامْلِك هَوَاك ، وشُحَّ بِنَفْسِك عَمَّا لا يَحِلُّ لَك ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الانْصَافُ مِنْهَا فِيما أَحَبَّتْ أو كَرِهَتْ .
وأَشْعِرْ قَلْبَك الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ ، واللُّطْفَ بِهِمْ ، ولا تَكُونَنَّ علَيْهم سَبُعا ضَارِيا تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إمَّا أَخٌ لَك فِي الدِّينِ ، أو نَظِيرٌ لَك فِي الْخَلْقِ ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ ، وتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ ، ويُوتَى علَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ والْخَطَإِ ،فَأَعْطِهِمْ مِن عَفْوِك وصَفْحِك ، مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَك اللّه مِن عَفْوِهِ وصَفْحِهِ ، فَإِنَّك فَوْقَهُمْ ووَالِي الامْرِ عَلَيْك فَوْقَك ، واللّه فَوْقَ مَن وَلاّك ، وقَدِ اسْتَكْفَاك أَمْرَهُمْ وابْتَلاك بِهِمْ .
ولا تَنْصِبَنَّ نَفْسَك لِحَرْبِ اللّه ، فَإنَّهُ لا يَدَ لَك بِنِقْمَتِهِ ، ولا غِنَى بِك عَنْ عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ ، ولا تَنْدَمَنَّ علَى عَفْوٍ ولا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ ، ولا تُسْرِعَنَّ إلى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً ، ولا تَقُولَنَّ إنِّي مُومَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ ، فَإِنَّ ذَلِك إدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ ، ومَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ ، وتَقَرُّبٌ مِن الْغِيَرِ ، وإذَا أَحْدَثَ لَك ما أَنْتَ فِيهِ مِن سُلْطَانِك أُبَّهَةً أو مَخِيلَةً ، فَانْظُرْ إلى عِظَمِ مُلْك اللّه فَوْقَك ، وقُدْرَتِهِ مِنْك علَى ما لا تَقْدِرُ عَلَيْه من نَفْسِك ، فَإِنَّ ذَلِك يُطَامِنُ إلَيْك مِن طِمَاحِك ، ويَكُفُّ عَنْك مِن غَرْبِك ، ويَفِيءُ إِلَيْك بِما عَزَبَ عَنْك مِن عَقْلِك .
إيَّاك ومُسَامَاةَ اللّه فِي عَظَمَتِهِ ، والتَّشَبُّهَ به فِي جَبَرُوتِهِ ، فَإِنَّ اللّه يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ ، ويُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ .
أَنْصِفِ اللّه ، وأَنْصِفِ النَّاسَ مِن نَفْسِك ، ومِن خَاصَّةِ أَهْلِك ، ومَنْ لَك فِيهِ هَوًى من رَعِيَّتِك ، فَإِنَّك إن لا تَفْعَلْ تَظْلِمْ ، ومَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللّه كَانَ اللّه خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ ، ومَنْ خَاصَمَهُ اللّه أَدْحَضَ حُجَّتَهُ ، وكَانَ لِلَّهِ حَرْبا حَتَّى يَنْزِعَ أو يَتُوبَ ، ولَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إلى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللّه ، وتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِن إقَامَةٍ علَى ظُلْمٍ ، فَإِنَّ اللّه سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ ، وهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ .
ولْيَكُنْ أَحَبَّ الأمُورِ إلَيْك أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ ، وأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ ، وأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ ، وإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مع رِضَى الْعَامَّةِ ، ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ علَى الْوَالِي مَؤونَةً فِي الرَّخَاءِ ، وأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ في الْبَلاءِ ، وأَكْرَهَ لِلانْصَافِ ، وأَسْأَلَ بِالالْحَافِ ، وأَقَلَّ شُكْرا عِنْدَ الاعْطَاءِ ، وأَبْطَأَ عُذْرا عِنْدَ الْمَنْعِ ، وأَضْعَفَ صَبْرا عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْر ،ِ مِن أَهْلِ الْخَاصَّةِ ، وإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ ، وجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ ، والْعُدَّةُ لِلاعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الاُمَّةِ ، فَلْيَكُنْ صِغْوُك لَهُمْ ، ومَيْلُك مَعَهُمْ .
لْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِك مِنْك ، وأَشْنَأَهُمْ عِنْدَك ، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ ، فإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوبا ، الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا ، فَلا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْك مِنْهَا فَإنَّمَا عَلَيْك تَطْهِيرُ ما ظَهَرَ لَك ، واللّه ُ يَحْكُمُ علَى ما غَابَ عَنْك ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ ما اسْتَطَعْتَ ، يَسْتُرِ اللّه مِنْك ما تُحِبُّ سَتْرَهُ مِن رَعِيَّتِك .
أَطْلِقْ عَن النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ ، واقْطَعْ عَنْك سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ ، وتَغَابَ عَنْ كُلِّ ما لا يَضِحُ لَك ، ولا تَعْجَلَنَّ إلى تَصْدِيقِ سَاعٍ ، فَإنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ ، وإنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ .
ولا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِك بَخِيلا يَعْدِلُ بِك عَنِ الْفَضْلِ ، ويَعِدُك الْفَقْرَ ، ولا جَبَانا يُضْعِفُك عَنِ الامُورِ ، ولا حَرِيصا يُزَيِّنُ لَك الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ ، فَإِنَّ الْبُخْلَ والْجُبْنَ والْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ .
إنَّ شَرَّ وُزَرَائِك مَنْ كان لِلاشْرَارِ قَبْلَك وَزِيرا ، ومَنْ شَرِكَهُمْ فِي الآثَامِ ، فَلا يَكُونَنَّ لَك بِطَانَةً ، فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الأثَمَةِ ، وإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ ، وأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ ونَفَاذِهِمْ ، ولَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وأَوْزَارِهِمْ وآثَامِهِمْ ، مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِما عَلَى ظُلْمِهِ ، ولا آثِما عَلَى إِثْمِهِ ،أُولَئِك أَخَفُّ عَلَيْك مَؤونَةً ، وأَحْسَنُ لَك مَعُونَةً ، وأَحْنَى عَلَيْك عَطْفا ، وأَقَلُّ لِغَيْرِك إِلْفا ، فَاتَّخِذْ أُولَئِك خَاصَّةً لِخَلَوَاتِك وحَفَلاتِك .
ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَك أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَك ، وأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيمَا يَكُونُ مِنْك مِمَّا كَرِهَ اللّه لأوْلِيَائِهِ وَاقِعا ، ذَلِك مِن هَوَاك حَيْثُ وَقَعَ ، والْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ والصِّدْقِ ، ثُمَّ رُضْهُمْ علَى أن لا يُطْرُوك ، ولا يَبْجَحُوك بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الاطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ ، وتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ .
ولا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ والْمُسِيءُ عِنْدَك بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ ، فَإِنَّ فِي ذَلِك تَزْهِيدا لأهْلِ
الإحْسَانِ فِي الإحْسَانِ ، وتَدْرِيبا لأهْلِ الإسَاءَةِ علَى الإسَاءَةِ ، وأَلْزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ ما أَلْزَمَ نَفْسَهُ ، واعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إلى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِن إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ ، وتَخْفِيفِهِ الْمؤونَاتِ عَلَيْهِمْ ، وتَرْك اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى ما لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ ، فَلْيَكُنْ مِنْك فِي ذَلِك أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَك به حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِك ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْك نَصَبا طَوِيلا ، وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّك به لَمَنْ حَسُنَ بَلاوك عِنْدَهُ ، وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّك به لَمَنْ سَاءَ بَلاوك عِنْدَهُ .
ولا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الامَّةِ ، واجْتَمَعَتْ بِهَا الالْفَةُ ، وصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ ، ولا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِن مَاضِي تِلْك السُّنَنِ ، فَيَكُونَ الأجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا ، والْوِزْرُ عَلَيْك بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا .
وأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ ، ومُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ فِي تَثْبِيتِ ما صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلادِك ، وإِقَامَةِ ما اسْتَقَامَ به النَّاسُ قَبْلَك .
واعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ ، ولا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ ، فَمِنْهَا جُنُودُ اللّه ، ومِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ والْخَاصَّةِ ، ومِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ ، ومِنْهَا عُمَّالُ الإنْصَافِ والرِّفْقِ ، ومِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ والْخَرَاجِ مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ ومُسْلِمَةِ النَّاسِ ، ومِنْهَا التُّجَّارُ وأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ ، ومِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِن ذَوِي الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَةِ وكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللّه له سَهْمَهُ ، ووَضَعَ علَى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ ، أو سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه و آله عَهْدا مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظا .
فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللّه حُصُونُ الرَّعِيَّةِ ، وزَيْنُ الْوُلاةِ ، وعِزُّ الدِّينِ ، وسُبُلُ الأمْنِ ، ولَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ ،ثُمَّ لا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللّه لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ به عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ ، ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ ، ويَكُونُ مِن وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ ، ثُمَّ لا قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ ، والْعُمَّالِ ، والْكُتَّابِ ، لِمَا
يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ ، ويَجْمَعُونَ مِن الْمَنَافِعِ ، ويُوتَمَنُونَ عَلَيْهِ من خَوَاصِّ الأمُورِ وعَوَامِّهَا ، ولا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعا إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وذَوِي الصِّنَاعَاتِ فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْه مِن مَرَافِقِهِمْ ، ويُقِيمُونَهُ مِن أَسْوَاقِهِمْ ، ويَكْفُونَهُمْ مِن التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ ما لا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ ، ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى من أَهْلِ الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ ومَعُونَتُهُمْ ، وفِي اللّه لِكُلٍّ سَعَةٌ ، ولِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ ما يُصْلِحُهُ ، ولَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِن حَقِيقَةِ ما أَلْزَمَهُ اللّه مِن ذَلِك إِلاَّ بِالاهْتِمَامِ والاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ ، وتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ ، والصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أو ثَقُلَ .
فَوَلِّ مِن جُنُودِك أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِك لِلّهِ ولِرَسُولِهِ ولإمَامِك ، وأَنْقَاهُمْ جَيْبا ، وأَفْضَلَهُمْ حِلْما ، مِمَّنْ يُبْطِئُ عن الْغَضَبِ ، ويَسْتَرِيحُ إلى الْعُذْرِ ، ويَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ ، ويَنْبُو عَلَى الأقْوِيَاءِ ، ومِمَّنْ لا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ ، ولا يَقْعُدُ به الضَّعْفُ .
ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ والأحْسَابِ ، وأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ والسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ، ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ والشَّجَاعَةِ والسَّخَاءِ والسَّمَاحَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ ، وشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ ، ثُمَّ تَفَقَّدْ مِن أُمُورِهِمْ ما يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِن وَلَدِهِمَا ، ولا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِك شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ ، ولا تَحْقِرَنَّ لُطْفا تَعَاهَدْتَهُمْ به وإِنْ قَلَّ ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إلى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَك ، وحُسْنِ الظَّنِّ بِك ، ولا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا ، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِن لُطْفِك مَوْضِعا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ، ولِلْجَسِيمِ مَوْقِعا لا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ .
ولْيَكُنْ آثَرُ رُؤوسِ جُنْدِك عِنْدَك مَنْ واسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ ، وأَفْضَلَ علَيْهم مِن جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ ، ويَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِن خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ ، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّا وَاحِدا فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ، فَإنَّ عَطْفَك علَيْهم يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْك ، وإنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ ، وظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ وإِنَّهُ لا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إلاَّ
بِسَلامَةِ صُدُورِهِمْ ، ولا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلاَّ بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاةِ الأمُورِ وقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ ، وتَرْك اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ ، فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ ، ووَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ علَيْهم ، وتَعْدِيدِ ما أَبْلَى ذَوُو الْبَلاءِ مِنْهُمْ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ ، وتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللّه .
ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ما أَبْلَى ، ولا تَضُمَّنَّ بَلاءَ امْرِئٍ إلى غَيْرِهِ ، ولا تُقَصِّرَنَّ به دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ ، ولا يَدْعُوَنَّك شَرَفُ امْرِئٍ إلى أَنْ تُعْظِمَ مِن بَلائِهِ ما كَانَ صَغِيرا ، ولا ضَعَةُ امْرِئٍ إلى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِن بَلائِهِ مَا كَانَ عَظِيما ، وارْدُدْ إلى اللّه ورَسُولِهِ ما يُضْلِعُك مِنَ الْخُطُوبِ ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْك مِنَ الأمُورِ ، فَقَدْ قَالَ اللّه تعالى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ : « يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ»۴ ، فَالرَّدُّ إِلَى اللّه الأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ ، والرَّدُّ إلى الرَّسُولِ الأخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ .
ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِك فِي نَفْسِك مِمَّنْ لا تَضِيقُ به الأمُورُ ، ولا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ ، ولا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ ، ولا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إلى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ ، ولا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ ، ولا يَكْتَفِي بِأَدْنَى ، فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ وأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ ، وآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ ، وأَقَلَّهُمْ تَبَرُّما بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ ، وأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الأمُورِ ، وأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ ، مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ ، ولا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ ، وأُولَئِك قَلِيلٌ ، ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ ، وافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ ما يُزِيلُ عِلَّتَهُ وتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إلى النَّاسِ ، وأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْك ما لا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِن خَاصَّتِك ، لِيَأْمَنَ بِذَلِك اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَك ، فَانْظُرْ فِي ذَلِك نَظَرا بَلِيغا ، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيرا فِي أَيْدِي الأشْرَارِ ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى ، وتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا .
ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِك ، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَارا ، ولا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً ، وأَثَرَةً فَإِنَّهُما جِمَاعٌ مِن شُعَبِ الْجَوْرِ والْخِيَانَةِ ، وتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ والْحَيَاءِ مِن أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ .
والْقَدَمِ فِي الإسْلامِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاقا ، وأَصَحُّ أَعْرَاضا ، وأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَاقا ، وأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الأمُورِ نَظَرا ، ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرْزَاقَ ، فَإِنَّ ذَلِك قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ ، وغِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ ما تَحْتَ أَيْدِيهِمْ ، وحُجَّةٌ عليْهم إنْ خَالَفُوا أَمْرَك ، أو ثَلَمُوا أَمَانَتَك ، ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ ، وابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ والْوَفَاءِ علَيْهم ، فَإِنَّ تَعَاهُدَك فِي السِّرِّ لأمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الأمَانَةِ ، والرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ .
وتَحَفَّظْ مِنَ الأعْوَانِ ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَه ، إلى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَك أَخْبَارُ عُيُونِك اكْتَفَيْتَ بِذَلِك شَاهِدا ، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ ، وأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِن عَمَلِهِ ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ ، ووَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ ، وقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ .
وتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وصَلاحِهِمْ صَلاحا لِمَنْ سِوَاهُمْ ، ولا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ ، لأنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وأَهْلِهِ .
ولْيَكُنْ نَظَرُك فِي عِمَارَةِ الأرْضِ أَبْلَغَ مِن نَظَرِك فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ ، لأنَّ ذَلِك لا يُدْرَك إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ ، ومَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ ، وأَهْلَك الْعِبَادَ ، ولَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً ، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلا أو عِلَّةً ، أو انْقِطَاعَ شِرْبٍ ، أو بَالَّةٍ ۵ ، أو إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ ، أو أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ به أَمْرُهُمْ ، ولا يَثْقُلَنَّ عَلَيْك شَيْءٌ خَفَّفْتَ به الْمَؤونَةَ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ به
عَلَيْك فِي عِمَارَةِ بِلادِك ، وتَزْيِينِ وِلايَتِك مع اسْتِجْلابِك حُسْنَ ثَنَائِهِمْ ، وتَبَجُّحِك بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ ، مُعْتَمِدا فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ من إِجْمَامِك لَهُمْ ، والثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِن عَدْلِك علَيْهم ، ورِفْقِك بِهِمْ ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأمُورِ ما إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ علَيْهم مِن بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ به ، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ ما حَمَّلْتَهُ ، وإِنَّمَا يُوتَى خَرَابُ الأرْضِ مِن إِعْوَازِ أَهْلِهَا ، وإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لإشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْعِ ، وسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ ، وقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ .
ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِك ، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِك خَيْرَهُمْ ، واخْصُصْ رَسَائِلَك الَّتي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَك ، وأَسْرَارَك بِأَجْمَعِهِمْ ، لِوُجُوهِ صَالِحِ الأخْلاقِ مِمَّنْ لا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْك فِي خِلافٍ لَك بِحَضْرَةِ مَلاء ، ولا تَقْصُرُ به الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمِّالِك عَلَيْك ، وإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْك فِيمَا يَأْخُذُ لَك ، ويُعْطِي مِنْك ، ولا يُضْعِفُ عَقْدا اعْتَقَدَهُ لَك ، ولا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاقِ ما عُقِدَ عَلَيْك .
ولا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الأمُورِ ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ .
ثُمَّ لا يَكُنِ اخْتِيَارُك إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِك ، واسْتِنَامَتِك ، وحُسْنِ الظَّنِّ مِنْك ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ ، وحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ ، ولَيْسَ وَرَاءَ ذَلِك مِنَ النَّصِيحَةِ والأمَانَةِ شَيْءٌ ، ولَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَك ، فَاعْمِدْ لأحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَرا ، وأَعْرَفِهِمْ بِالأمَانَةِ وَجْها ، فَإِنَّ ذَلِك دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِك لِلَّهِ ، ولِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ .
واجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِن أُمُورِك رَأْسا مِنْهُمْ لا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا ولا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا ، ومَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِك مِن عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ .
ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وذَوِي الصِّنَاعَاتِ ، وأَوْصِ بِهِمْ خَيْرا : الْمُقِيمِ مِنْهُمْ ، والْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ ، والْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ ، وأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ ، وجُلابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ والْمَطَارِحِ فِي بَرِّك وبَحْرِك وسَهْلِك وجَبَلِك ، وحَيْثُ لا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا ولا يَجْتَرِؤونَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لا تُخَافُ بَائِقَتُهُ ، وصُلْحٌ لا تُخْشَى غَائِلَتُهُ ، وتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِك ، وفِي حَوَاشِي بِلادِك ، واعْلَمْ مع ذَلِك أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقا فَاحِشا ، وشُحّا قَبِيحا ، واحْتِكَارا لِلْمَنَافِعِ ، وتَحَكُّما فِي الْبِيَاعَاتِ ، وذَلِك بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ ، وعَيْبٌ عَلَى الْوُلاةِ ، فَامْنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه و آله مَنَعَ مِنْهُ ، ولْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعا سَمْحا ، بِمَوَازِينِ عَدْلٍ وأَسْعَارٍ ، لا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ والْمُبْتَاعِ ، فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِك إِيَّاهُ فَنَكِّلْ به ، وعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ .
ثُمَّ اللّه اللّه ، فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ ، مِنَ الْمَسَاكِينِ ، والْمُحْتَاجِينَ ، وأَهْلِ الْبُوسَى ، والزَّمْنَى ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعا ومُعْتَرّا ، واحْفَظ لِلَّهِ ما اسْتَحْفَظَك من حَقِّهِ فِيهِمْ ، واجْعَلْ لَهُمْ قِسْما مِن بَيْتِ مَالِك ، وقِسْما مِن غَلاتِ صَوَافِي الإسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ ، فَإِنَّ لِلأقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلأدْنَى ، وكُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ ، فلا يَشْغَلَنَّك عَنْهُمْ بَطَرٌ ، فَإِنَّك لا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِك التَّافِهَ ، لإحْكَامِك الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ ، فَلا تُشْخِصْ هَمَّك عَنْهُمْ ، ولا تُصَعِّرْ خَدَّك لَهُمْ ، وتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْك مِنْهُمْ ، مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ ، وتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ ، فَفَرِّغْ لأولَئِك ثِقَتَك مِن أَهْلِ الْخَشْيَةِ والتَّوَاضُعِ ، فَلْيَرْفَعْ إِلَيْك أُمُورَهُمْ ، ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالإعْذَارِ إلى اللّه يَوْمَ تَلْقَاهُ ، فَإِنَّ هَولاءِ مِن بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إلى الإنْصَافِ مِن غَيْرِهِمْ ، وكُلٌّ فَأَعْذِرْ إلى اللّه فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ .
وتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ ، مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ ، ولا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ ، وذَلِك عَلَى الْوُلاةِ ثَقِيلٌ ، والْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ .
وقَدْ يُخَفِّفُهُ اللّه عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ ، فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ ، ووَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِاللّه لَهُمْ .
واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْك قِسْما ، تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَك ، وتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِسا عَامّا ، فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَك ، وتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَك ، وأَعْوَانَك ، من أَحْرَاسِك وشُرَطِك حَتَّى يُكَلِّمَك مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه و آله يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ : لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لا يُوخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ ؛ ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ والْعِيَّ ، ونَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ والأنَفَ ، يَبْسُطِ اللّه عَلَيْك بِذَلِك أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ ، ويُوجِبْ لَك ثَوَابَ طَاعَتِهِ ، وأَعْطِ ما أَعْطَيْتَ هَنِيئا ، وامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وإِعْذَارٍ .
ثُمَّ أُمُورٌ مِن أُمُورِك لا بُدَّ لَك من مُبَاشَرَتِهَا ، مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِك بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُك ، ومِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْك بِمَا تَحْرَجُ به صُدُورُ أَعْوَانِك .
وأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ ما فِيهِ ، واجْعَلْ لِنَفْسِك فِيمَا بَيْنَك وبَيْنَ اللّه أَفْضَلَ تِلْك الْمَوَاقِيتِ ، وأَجْزَلَ تِلْك الأقْسَامِ ، وإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ ، إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ ، وسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ ، ولْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ ما تُخْلِصُ به لِلَّهِ دِينَك إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتي هِيَ لَهُ خَاصَّةً ، فَأَعْطِ اللّه مِنْ بَدَنِك فِي لَيْلِك ونَهَارِك ، ووَفِّ ما تَقَرَّبْتَ به إلى اللّه مِنْ ذَلِك ، كَامِلا غَيْرَ مَثْلُومٍ ولا مَنْقُوصٍ ، بَالِغا مِن بَدَنِك ما بَلَغَ .
وإِذَا قُمْتَ فِي صَلاتِك لِلنَّاسِ فَلا تَكُونَنَّ مُنَفِّرا ، ولا مُضَيِّعا ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ به الْعِلَّةُ ولَهُ الْحَاجَةُ ، وقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه و آله حِينَ وَجَّهَنِي إلى الْيَمَنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ ؟ فَقَالَ : صَلِّ بِهِمْ كَصَلاةِ أَضْعَفِهِمْ ، وكُنْ بِالْمُومِنِينَ رَحِيما .
وأَمَّا بَعْدُ : فَلا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَك عَنْ رَعِيَّتِك ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ
شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ ، وقِلَّةُ عِلْمٍ بِالأمُورِ ، والاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ ما احْتَجَبُوا دُونَهُ ، فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ ، ويَعْظُمُ الصَّغِيرُ ، ويَقْبُحُ الْحَسَنُ ، ويَحْسُنُ الْقَبِيحُ ، ويُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ ، وإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لا يَعْرِفُ ما تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ به مِنَ الامُورِ ، ولَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ ، وإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ ، إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُك بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ ، فَفِيمَ احْتِجَابُك مِن وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ ، أو فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ ، أو مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِك إِذَا أَيِسُوا مِن بَذْلِك ، مع أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْك مِمَّا لا مَؤونَةَ فِيهِ عَلَيْك مِن شَكَاةِ مَظْلِمَةٍ ، أو طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ .
ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وبِطَانَةً ، فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وتَطَاوُلٌ ، وقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ ، فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِك بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْك الأحْوَالِ ، ولا تُقْطِعَنَّ لأحَدٍ مِن حَاشِيَتِك ، وحَامَّتِك قَطِيعَةً ، ولا يَطْمَعَنَّ مِنْك فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ فِي شِرْبٍ أو عَمَلٍ مُشْتَرَك يَحْمِلُونَ مَؤونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ ، فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِك لَهُمْ دُونَك وعَيْبُهُ عَلَيْك فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ .
وأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ والْبَعِيدِ ، وكُنْ فِي ذَلِك صَابِرا مُحْتَسِبا ، وَاقِعا ذَلِك مِن قَرَابَتِك وخَاصَّتِك حَيْثُ وَقَعَ ، وابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْك مِنْهُ ، فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِك مَحْمُودَةٌ ، وإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِك حَيْفا فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِك ، واعْدِلْ عَنْك ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِك ، فَإِنَّ فِي ذَلِك رِيَاضَةً مِنْك لِنَفْسِك ، ورِفْقا بِرَعِيَّتِك ، وإِعْذَارا تَبْلُغُ به حَاجَتَك مِن تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ .
ولا تَدْفَعَنَّ صُلْحا دَعَاك إِلَيْهِ عَدُوُّك ، ولِلَّهِ فِيهِ رِضًا ، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِك ، ورَاحَةً مِن هُمُومِك ، وأَمْنا لِبِلادِك ، ولَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِن عَدُوِّك بَعْدَ صُلْحِهِ ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ ، واتَّهِمْ فِي ذَلِك حُسْنَ الظَّنِّ ، وإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَك وبَيْنَ عَدُوِّك عُقْدَةً ، أو أَلْبَسْتَهُ مِنْك ذِمَّةً ، فَحُطْ عَهْدَك بِالْوَفَاءِ .
وارْعَ ذِمَّتَك بِالأمَانَةِ ، واجْعَلْ نَفْسَك جُنَّةً دُونَ ما أَعْطَيْتَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِن فَرَائِضِ اللّه شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعا مع تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ ، وتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ مِن تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ ، وقَدْ لَزِمَ ذَلِك الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ ، لِمَا اسْتَوْبَلُوا ۶ مِن عَوَاقِبِ الْغَدْرِ ، فَلا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِك ، ولا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِك ، ولا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّك ، فَإِنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلَى اللّه إِلاّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ ، وقَدْ جَعَلَ اللّه عَهْدَهُ وذِمَّتَهُ أَمْنا أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ ، وحَرِيما يَسْكُنُونَ إلى مَنَعَتِهِ ، ويَسْتَفِيضُونَ إلى جِوَارِهِ ، فَلا إِدْغَالَ ولا مُدَالَسَةَ ، ولا خِدَاعَ فِيهِ ، ولا تَعْقِدْ عَقْدا تُجَوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ ، ولا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ والتَّوْثِقَةِ ، ولا يَدْعُوَنَّك ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَك فِيهِ عَهْدُ اللّه إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، فَإِنَّ صَبْرَك عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وفَضْلَ عَاقِبَتِهِ ، خَيْرٌ مِن غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ ، وأَنْ تُحِيطَ بِك مِنَ اللّه فِيهِ طِلْبَةٌ لا تَسْتَقْبِلُ فِيهَا دُنْيَاك ولا آخِرَتَك .
إِيَّاك والدِّمَاءَ وسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنى لِنِقْمَةٍ ، ولا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ ، ولا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ ، وانْقِطَاعِ مُدَّةٍ من سَفْك الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا ، واللّه سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلا تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَك بِسَفْك دَمٍ حَرَامٍ ، فَإِنَّ ذَلِك مِمَّا يُضْعِفُهُ ويُوهِنُهُ بَلْ يُزِيلُهُ ، ويَنْقُلُهُ ولا عُذْرَ لَك عِنْدَ اللّه ، ولا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ، لأنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ .
وإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإٍ وأَفْرَطَ عَلَيْك ، سَوْطُك أو سَيْفُك أو يَدُك بِالْعُقُوبَةِ ، فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً ، فَلا تَطْمَحَنَّ بِك نَخْوَةُ سُلْطَانِك عَنْ أَنْ تُودِّيَ إلى أَوْلِيَاءِ
الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ .
وإِيَّاك والإعْجَابَ بِنَفْسِك ، والثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُك مِنْهَا وحُبَّ الإطْرَاءِ ، فَإِنَّ ذَلِك مِن أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ ، لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِن إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ .
وإِيَّاك والْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِك بِإِحْسَانِك ، أو التَّزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِن فِعْلِك ، أو أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَك بِخُلْفِك ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الإحْسَانَ ، والتَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ ، والْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللّه والنَّاسِ ، قال اللّه تَعَالَى : « كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ »۷ .
وإِيَّاك والْعَجَلَةَ بِالامُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا ، أو التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا ، أو اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ ، أو الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ ، فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ ، وأَوْقِعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ .
وإِيَّاك والاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ ، والتَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى به مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ ،فإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْك لِغَيْرِك ، وعَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْك أَغْطِيَةُ الأمُورِ ويُنْتَصَفُ مِنْك لِلْمَظْلُومِ .
أمْلِك حَمِيَّةَ أَنْفِك ، وسَوْرَةَ حَدِّك ، وسَطْوَةَ يَدِك ، وغَرْبَ لِسَانِك ، واحْتَرِسْ مِن كُلِّ ذَلِك بِكَفِّ الْبَادِرَةِ ، وتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُك ، فَتَمْلِك الاخْتِيَارَ ، ولَنْ تَحْكُمَ ذَلِك مِن نَفْسِك ، حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَك بِذِكْرِ الْمَعَادِ إلى رَبِّك .
والْوَاجِبُ عَلَيْك أَنْ تَتَذَكَّرَ ما مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَك مِن حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ ، أو سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ أو أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّنَا صلى الله عليه و آله ، أو فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللّه فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا به فِيهَا ، وتَجْتَهِدَ لِنَفْسِك فِي اتِّبَاعِ ما عَهِدْتُ إِلَيْك فِي عَهْدِي هَذَا ، واسْتَوْثَقْتُ به مِنَ
الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْك ، لِكَيْلا تَكُونَ لَك عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِك إلى هَوَاها .
وأَنَا أَسْأَلُ اللّه بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ ، وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ أَنْ يُوَفِّقَنِي وإِيَّاك لِمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنَ الإقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ ، وإلى خَلْقِهِ مع حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ ، وجَمِيلِ الأثَرِ فِي الْبِلادِ ، وتَمَامِ النِّعْمَةِ وتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ ، وأَنْ يَخْتِمَ لِي ولَك بِالسَّعَادَةِ والشَّهَادَةِ ، إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، والسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللّه صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ، وسَلَّمَ تَسْلِيما كَثِيرا ، والسَّلامُ » . ۸

1.كلَّ السَّيفُ ، فهو كَلِيل : إذا لم يَقْطَع . وظُبَةُ السَّيفِ : طَرَفُه ( النهاية : ج۴ ص۱۹۸ و ج۳ ص۱۵۵ ) .

2.يقال : نَبا حدُّ السَّيف : إذا لم يَقْطَع ( النهاية : ج۵ ص۱۱ ) .

3.نهج البلاغة : الكتاب۳۸ وراجع : الأمالي للمفيد : ص۸۰ ؛ تاريخ اليعقوبي : ج۲ ص۱۸۳ ، الغارات : ج۱ ص۲۶۰ ـ ۲۶۶ ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۶ ص۷۵ ، تاريخ الطبري : ج۶ ص۳۳۹۴ ، الكامل في التاريخ : ج۳ ص۱۷۷ ، تاريخ مدينة دمشق : ج ۵۳ ص ۴۴۶ .

4.النساء :۵۹ .

5.انقطاع بالَّةٍ : أي ما يبلُّ الأرض من ندى ومطر (شرح نهج البلاغة ، صبحي الصالح ، الرقم ۴۱۰۶) .

6.الوبال في الأصل : الثِّقلُ والمكروه و «كلُّ بناء وبال على صاحبه » يريد به العذابَ في الآخرة . (النهاية : ج ۵ ص ۱۴۶) .

7.الصف : ۳ .

8.نهج البلاغة : الكتاب۵۳ وراجع : تحف العقول : ص۱۲۶ ، دعائم الإسلام : ج۱ ص۳۵۰ ، بحار الأنوار : ج۷۷ ص۲۴۰ ؛ كنز العمال : ج۱۵ ص۱۶۵ ، صبح الأعشى : ج۱۰ ص۱۲ ، جمع الجوامع : ج۲ ص۱۲۹ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة ج1
    المساعدون :
    فرجي، مجتبي
    المجلدات :
    7
    الناشر :
    دارالحديث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1384 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 62840
الصفحه من 568
طباعه  ارسل الي