19
مكاتيب الأئمّة ج1

مكاتيب الأئمّة ج1
18

الكتاب الذي بين أيديكم

وقعت في العصر الذي عاش فيه الأئمة عليهم السلام أحداث جسيمة ، و تقلّبت الأحوال ، و تربّع على كرسي الخلافة اشخاص ، وسقط عنه آخرون ، وقامت دول وانهارت اُخرى، واتّسعت رقعة الدولة الإسلامية، و تمدّد تبعا لذلك وجود الشيعة في شتّى الأقطار والأمصار. وعاشوا ظروفا سياسية و اجتماعية تباينت درجات شدّتها وضعفها ، وتنوع جوُّ الانفتاح أو الكبت الذي ساد فيها تبعا لتلك الظروف.
فكان من الطبيعي أن تؤثّر هذا الأوضاع في علاقات الأئمّة عليهم السلام ، وتشعّباتها وامتداداتها وسعتها وضيقها. وكانت مكاتبات الأئمة مع أشياعهم ومواليهم من جملة الأشياء التي تأثّرت بهذه المتغيّرات؛ فقد ازدادت في حين وتقلّصت في أحيان اخرى ، أو أنّها كان يغلب عليها طابع الخفاء والسرّية في بعض العهود، أو ربّما كانت أفضل من ذلك الحال في عهود اخرى.
ونظرا إلى ما تحظى به هذه المكاتيب من أهمية بالغة في تبيين مواقف الأئمّة تجاه الوقائع والأحداث الجليلة وغيرها والتعرّف على سننهم فيها ومنهجهم في التعامل معها، قام المحقّق
الجليل آية اللّه الشيخ عليّ الأحمدي الميانجي بإعداد موسوعة ضخمة تضم جميع ما وصل إلينا منها ، وهي هذا الكتاب الّذي بين أيديكم .
وبعد رحيله قمنا بتحقيق هذا الكتاب ومراجعة نصوصه وإعداده للطبع كما سنشير لاحقا .
على العموم نودّ الإشارة إلى أنّ بعض مكاتيب الأئمّة كانت قليلة جدا ـ أو هكذا يبدو لنا، فلربّما كانت هناك مكاتيب اُخرى عفا عليها الزمن أو ضاعت في ما ضاع من تراثنا ـ حتى أنّنا جمعنا مكاتيب عدّة أئمة في مجلّد واحد، بينما مكاتيب بعضهم الآخر كثيرة الى حدٍّ ما، وهذا ماجعلنا نفرد مجلدا مستقلاً لمكاتيب إمام واحد.
ولابدّ أيضا من الإشارة إلى ملحوظة صغيرة اُذكّر بها من يقرأ هذه الكلمات ، وهي أنّ جمع وتبويب وطباعة ونشر أمثال هذه الكتب والرسائل ما هو إلا وسيلة، وأمّا الغاية فهي الاستفادة من مضامينها والعمل بما جاء فيها حتّى وإن قلّ، وكيف يقل ما يُتقبَّل . يضم هذا الكتاب كلَّ ما أمكن العثور عليه من رسائل ومكاتيب الأئمّة المعصومين عليهم السلام في مختلف الشؤون التي كانوا يهتمون بها ، سواء كانت تتعلّق بشؤون الدين أم بشؤون الدُّنيا.
وقد حرصنا أشدّ الحرص على جمع كلّ ما تيسّر جمعه من مكاتيبهم ، رجاءً للفوائد المعنوية التي تنشأ عن نشرها، فعسى أن يتَّعظ أحد بموعظة جاءت فيها، أو عسى أن يستنير مستهد بوهج قبس من قبساتها، أو يتخلّق امرؤ بنصيحة وردت بين ثناياها، أو يستفيد منها في مجال الدراسات التاريخية و غيرها.
وحاولنا تبويب هذه المكاتيب على أفضل وجه ممكن ؛ من أجل أن تظهر بمايتناسب مع شرف مصدرها ، وتسهيلاً لمهمة الباحث والقارى ء ، لكي يصل إلى بغيته منها بأقل جهد وأقصر وقت، ولكي لا يتشتّت فكره ، و يضيع فى متاهات البحث والتنقيب.
ويتميّز هذا الكتاب ـ مع أخذ عدّة خصائص بنظر الاعتبار ـ عن الكتب الاُخرى التي جُمعت فيها هذه المكاتيب، بعدَّة مزايا، هي :
1 . جَمْع ما تيسّر جمعه من المكاتيب والوصايا، وترتيبها تحت عناوين مستقلّة .
2 . تبويب تلك المكاتيب حسب المقاطع الزّمانية والمكانيّة ، في ضوء القرائن والشواهد المتوفّرة .
3 . تقديم نبذة عن سيرة أصحاب وعمّال أمير المؤمنين وسائر أئمتنا عليهم السلام ، خاصة من كانت له منهم صلة بشؤون الكتابة ؛ إذ إنّ لمعرفة سيرتهم تأثيرا مهمّا في استجلاء ظروف وأجواء كتابة الرّسائل .
4 . ذكر ما يقتضي الحال ذكره من التنبيهات والتوضيحات، من أجل تسليط الأضواء على ما يستلزم الشفافيَّة والوضوح .
5 . ضبط النُّصوص وإسنادها ، مع الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة النصِّ وقِدَمه، ورتبة مصدر صدوره ، وتقديمه على بقية المصادر، على أساس ضوابط معيّنة سلفا .
وفي مقدّم هذه المكاتيب، مكاتيب الإمام عليّ عليه السلام ، و هي تؤلّف قسما مهمّا منها. فإنه كان أمير المؤمنين عليه السلام قد بعث طيلة حياته، سواء في عهد خلافته، أم قبل ذلك رسائل ومكاتيب إلى بعض الأشخاص ، وكان قد كتب قسما منها بيده ، وأملى القسم الآخر فكتبه غيره .
كانت هذه الرسائل ـ المعروفة بالمكاتيب ـ قد جُمِعت ونشرت كُتبا من قَبل على أيدي علماء أفاضل كالسيِّد الرضيّ رحمه الله في نهج البلاغة، وعلم الهدى نجل الفيض الكاشاني رحمه الله في معادن الحكمة، والشيخ محمّد باقر المحمودي في نهج السَّعادة ، وغيرهم .
اعتمد مؤلف الكتاب على مصادر وثيقة في جمع هذه المكاتيب، وكتب أيضا تعليقات قيّمة على كتاب معادن الحكمة ، لمؤلفه نجل الفيض الكاشاني .
وانطلاقا من الرّغبة في إكمال هذا الكتاب، بادرنا إلى الاستفادة من المجالات التي يتيحها الحاسوب لإجراء التنقيب لتتبع المزيد من رسائل ومكاتيب الأئمَّة عليهم السلام ، وراجعنا مصادر النّصوص التي كان قد أوردها المؤلّف ، ودوّناها في مواضعها .
وكذلك أضفنا إلى هذا الكتاب كُلَّ ما جاء في كتاب معادن الحكمة من مكاتيب الإمام علي عليه السلام ؛ ليتسنّى للقرَّاء الكرام الاطّلاع على كل مكاتيبه في كتاب واحد .
يمكن تقسيم مختلف مراحل حياة الإمام علي عليه السلام إلى الأدوار التالية :
الدور الأول : معاضدته لرسول اللّه صلى الله عليه و آله من بداية بعثته إلى رحلته .
الدور الثاني : بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، إلى حين خلافته .
الدور الثالث : بعد خلافته عليه السلام ، حتى قدومه إلى الكوفة .
الدور الرابع : من قدومه عليه السلام ، إلى الكوفة إلى ما بعد معركة صفّين .
الدور الخامس : من بعد معركة صفين إلى نهاية معركة النهروان .
الدور السادس : من بعد معركة النهروان إلى استشهاده عليه السلام .
وعلى هذا الأساس حاولنا جهد الإمكان تنظيم جميع هذا المكاتيب، وفقا للتسلسل التاريخي لهذه الأدوار .
وأفردنا في نهاية الكتاب فصلاً آخر لمكاتيبه التي تعذّرت معرفة انتمائها الى عهد معيّن .
والجدير بالذكر أنَّ المؤلِّف المحقق قد جمع المكاتيب الفقهية التي أملاها رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وكتبها الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام ، ووردت في أخبار الأئمة الأطهار عبارات تشير إليها كقولهم: «إنّ في كتاب عليّ» أو «في كتاب عليّ بن أبي طالب» أو «وجدنا في كتاب عليّ» أو «قرأت في كتاب عليّ» أو «قرأت في كتاب لعليّ» أو «في صحيفة من صحف عليّ» وأمثالها.
و قد أورد المؤلّف النصوص الواصلة إلينا من هذه الكتب فى الموسوعة التي اُطلقِ عليها تسمية مكاتيب الرسول تحت عنوان: «الأمر الثالث» ۱ ولكنّه لم يدرج مكاتيب الإمام عليّ عليه السلام ، التي كتبها بإملاء رسول اللّه ، في عداد مكاتيب الأئمّة عليهم السلام ، فمن أراد الاطّلاع عليها فليراجع هناك.
تتألّف محتويات هذا الكتاب من المباحث التالية:
1 . المكاتيب
2 . الوصايا
3 . ترجمة من له علاقة بالمكتوب أو الوصية
4 . المكاتيب الفقهية
و هذا القسم الرابع من المكاتيب يبدو أوّل وهلة وكأن المكاتيب التي وردت فيه تبدأ من عصر الإمام الباقر عليه السلام و تتزايد في عهود باقي الأئمَّة عليهم السلام ؛ إذ إنّنا لم نعثر عليها في مكاتيب الأئمّة من قبله عليه السلام .
وفي الختام لابدَّ أن نعربَ عن جزيل شكرنا لكلِّ من عاضدونا على إعداد هذا الكتاب للنشر ، وخاصّة قسم إعداد الكتب في مركز البحوث، التابع لمؤسّسة دارالحديث ، مع فائق اُمنياتنا لهم بالموفقية على طريق نشر معارف أهل البيت .
مهدي الأحمدي الميانجي مجتبى فرجي

1.مكاتيب الرسول، ج ۲، ص ۱۳۵.

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة ج1
    المساعدون :
    فرجي، مجتبي
    المجلدات :
    7
    الناشر :
    دارالحديث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1384 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 62880
الصفحه من 568
طباعه  ارسل الي